مازالت المؤسسات العقابية، تتبع فلسفة تقليدية تقوم علي أساس فكري أن السجون أو أماكن الاحتجاز ما هي إلا أماكن للعقاب الجماعي فلا تكتفي بتنفيذ عقوبة تقييد حرية السجين ولكنها تستخدم سوء الخدمات المعيشية والصحية والإنسانية كنوع آخر من العقاب يضاف للعقوبة الأصلية، بالإضافة إلي بعض التشريعات التي تساعد علي تلك البيئة غير الصالحة والتي تحتاج إلي تعديل تشريعي سريع. فكان هذا النمط من التعامل دافعنا للتساؤل هل المؤسسات العقابية تستخدم للانتقام من النزيل فيها والقضاء عليه، أم أنها آلية لإصلاحه وتقويمه باعتبار كونها مؤسسات تأهيلية تقوم بإصلاح وعلاج السجناء تمهيدا لعودتهم إلي المجتمع (مواطنين أسوياء) من خلال تبني برامج تهدف إلي إعادة التأهيل والإصلاح والرعاية اللاحقة؟ في البداية عرف المستشار خالد الشباسي، رئيس محكمة جنايات الجيزة، ورئيس محكمة جنايات أحداث شبرا الخيمة سابقا، من هو الطفل في القانون، هو كل من لا يتجاوز ال18 عاما، متسائلا هل هذا السن أصبح ملائما ومتماشيا مع المجتمع حاليا؟، مؤكدا في الوقت ذاته أنه بالطبع غير مناسب لذا يجب النزول بالسن من 18 علي 15 أو 16 سنة علي الأكثر. إن الأطفال داخل المؤسسات العقابية ينقسمون إلي ثلاثة أنواع، أولها تحت سن 12 سنة، وهذا النوع يمتنع عقابه لأنه غير مسئول لذا يمتنع مساءلته جنائيا، والنوع الثاني من سن 12 وحتي 15 سنة، ويودع في المؤسسات العقابية عند ارتكابه جريمة سواء سرقة أو قتلا أو غيرهما من الجرائم، ويصدر ضدهم حكم بالإيداع وليس الحبس، لافتا إلي وجود ثغرة قانونية تتعلق بفترة الإيداع التي لم تحدد مدتها فتظل فترة الإيداع مفتوحة. مشيرا إلى أن الطفل من عمر 12 وحتي 15 يجب أن يتبع معه عدة تدابير أهمها تسليمه إلي ولي أمره، ووضعه تحت المراقبة القضائية، وإيداعه إحدي المؤسسات العقابية كما أوضح أنه مادام القانون لم ينص علي مدة الإيداع للطفل من 12 إلي 15 سنة فيجب الرأفة معه لافتا أنه مع عرض تقرير بحالته كل شهرين علي نيابة الأحداث لرفعه إلي رئيس المحكمة، للحكم بستليمه لاسرته اذا استقام سلوكه لكن هذا الأمر لا يحدث في الواقع نظرا لعدم وجود باحثين اجتماعيين بالإضافة لعدم متابعة الحدث من قبل البحث الجنائي، مما يترتب علي ذلك نسيان الطفل المودع. أما النوع الثالث والأخير فيتعلق بالأحداث من سن 15 وحتي 18 سنة والذي يحبس بشكل عادى لكن القانون نص علي تجهيز أماكن داخل أقسام الشرطة حتي لا يختلط بالمجرمين العاديين وما يترتب علي ذلك من تعرضه لمشاكل جنسية، مما يجعله ينتقل من طفل عادي إلي شخص مخالط لعتاة الإجرام ويتحول لمجرم ويخرج من تلك المؤسسات أسوأ مما دخل، خصوصا أن أقسام الشرطة غير مجهزة لهؤلاء الأحداث بالإضافة لعدم وجود مكاتب اجتماعية، ولا دور رعاية كافية لإيداعه وغياب الإشراف الدوري عليه. وشدد المستشار الشباسي، أن مشكلة المعاملة العقابية تتلخص في أن قانون الطفل يحتاج إلي إجراء تشريعي عاجل لجعل مدة الإيداع للطفل في إحدي المؤسسات العقابية بعد الحكم عليه في إحدي القضايا محددة المدة، وتفعيل المتابعة الدورية للنظر في إخلاء سبيله، لافتا إلي انه كم من الأطفال الذين وضعوا لعدة شهور ويتم نسيانهم لسنوات نظرا لعدم تحديد فترة إيداعهم أثناء إصدار الحكم عليهم. وحول الرقابة علي دور الرعاية، أكد رئيس محكمة جنايات الجيزة، أن جميع دور الرعاية لا تخضع إلي الرقابة الفعلية من النيابة العامة أو محكمة الجنايات أو محكمة الطفل المختصة، وينبغي وضع آلية للإشراف عليها بمعرفة النيابة العامة ورقابة محكمة الطفل، حيث ثبت أن تفشي ظاهرة الإجرام والأفعال المخلة داخل المؤسسات العقابية نظرا لضعف الإشراف، مدللا علي ذلك حدوث حالات حمل واغتصاب للفتيات المودعات،والشذوذ الجنسي، لضعف المستويين المادي والفني للمشرفين عليها، وغياب الرقابة الفاعلة عليهم . وكشف رئيس محكمة جنايات الجيزة، عن استغلال الأطفال من قبل تجار المخدرات في نقل المواد المخدرة، للاستفادة من المعاملة العقابية المخصصة للأطفال من سن 15 و16 سنة في نقل المخدرات وفترة حبسهم التي لا تتجاوز الثلاثة أعوام في حال القبض عليهم بخلاف الشخص البالغ، مما أوجد بابا لاستغلال الأطفال بواسطة تجار المخدرات. طالب المستشار الشباسي، بتوافر المؤسسات العقابية في مختلف المحافظات بالقدر الكافي، علي أن تكون مكتملة ومجهزة لاستقبال الأطفال من الجنسين وتحت إشراف أطباء نفسيين مؤهلين لتأهيل نفسية هؤلاء الأطفال، وضرورة تجهيز أقسام الشرطة لعمل البحث الاجتماعي لحالات الأطفال وفصلهم لحين البت في أمرهم من خلال مكاتب البحث الاجتماعي، وتفعيل دور رعاية شرطة الأحداث وضبط منظومة العمل بهاخصوصا أن دورها هو الوقاية. ونادي رئيس محكمة جنايات الجيزة، بتفعيل النصوص القانونية الخاصة بمحاكمة ولي أمر الطفل الحدث سواء الأب أو الأم باعتبار ولي الأمر هو المسئول عنه وعن تهمة تسهيل انحراف هذا الحدث، مما يسهل اشتراكه في المظاهرات وإلقاء المولوتوف والسرقة بالإكراه وغيرها من الجرائم المرتكبة، لذا لا يكفي عقابه بل يجب أن يمتد العقاب لولي الأمر أيضا. وأشار إلي أن الإحصائيات أظهرت ارتفاع الجرائم خاصة السرقة بالإكراه والتعدي بالسلاح والمشاركة في الأعمال الإرهابية، والمشارك فيهم بصورة كبيرة هم الأطفال من سن 15 إلي 18 سنة، بل أحيانا بنسبة كبيرة للأطفال من 13 و14 سنة، موضحا أن الطفل عندما يرتكب جريمة بالمشاركة مع بالغ يذهبان إلي محكمة الجنايات لعادية والتي فيها درجة التقاضي درجة واحدة ، أما إذا ارتكب الطفل جريمة بمفرده أو مع حدث مثله فيذهب إلي محكمة الأحداث التي فيها التقاضي علي درجتين والضمان فيها أكبر من درجة التقاضي الواحدة، معتبرا أن هناك تمييزا يحدث ضد الطفل الذي اشترك مع بالغ في جريمة ما، مطالبا بالأ يجب الالتفات إلي مشاركة الطفل مع البالغ وذلك يحتاج إلي تعديل تشريعي للمادتين 121 و122 من قانون الطفل. واقترح المستشار الشباسي، إعداد وعمل معسكرات تدريب وتأهيل بمعرفة القوات المسلحة باعتبارها الأقدر والأجدر تنظيما لتأهيل هؤلاء الأطفال داخل معسكرات عمل علي أن تحسب فترة تدريبهم من مدة عقابهم وبعد تأهيله وتدريبه تعلمه "صنعة" تتم الاستفادة منه في الخدمة العسكرية ويتم الاستفادة منه في مجالات التعمير والنظافة والخدمة المجتمعية، ويخرج من تلك المؤسسات مواطنا صالح وليس مجرما. اتفق معه في الرأي المستشار محمد عبد اللطيف، رئيس محكمة جنايات القاهرة، ملفتا أن قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008 يحتاج الكثير من التعديلات التشريعية فيما يتعلق بالسياسة العقابية وتوفير البدائل الملائمة للمنظومة العقابية وفقا للمتغيرات التي طرأت علي المجتمع خلال الأربع سنوات السابقة وما صاحبها من ازدياد مطرد في نسبة الجرائم التي يشارك فيها من هم دون ال18 عاما. فضلا عن تفعيل دور المؤسسات والجهات المعنية بشئون الطفل ومنها المجلس القومي للأمومة والطفولة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، فيما يتعلق بالمتابعة والرقابة والتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي بشأن توفير الأماكن الملائمة لحجز الأطفال ورعايتهم، والأهم من ذلك إعداد البرامج التأهيلية المتخصصة لإعادة تأهيلهم. الخلاصة أن الخدمات داخل المؤسسات العقابية، يجب أن تهدف إلي معالجة المشاكل الاجتماعية والنفسية لنزلاء المؤسسات العقابية والإصلاحية ومساعدتهم علي تبني أفكار إيجابية تساعدهم علي مواجهة الحياة داخل المؤسسة الإصلاحية وبعد الإفراج عنهم، لا أن تخلق مجرما جديدا يخرج للمجتمع ويصبح من عتاة الإجرام