المؤسسة العقابية للأطفال فى مصر، أو»الإصلاحية»، أصبحت بيئة خصبة لتخريج المجرمين إلى المجتمع , بعد أن فقدت الهدف الأساسى من شعارها وهو»الإصلاح والتهذيب». فما يحدث خلف أسوار تلك المؤسسات يعكس مدى الاستهتار وحالة اللاضمير فى التعامل مع أطفال.. أجبرتهم الظروف لاختيار الإجرام أسلوب حياة، لكن يظل الأمل فى إصلاحهم قائم وموجود, فهم فى نهاية الأمر أطفال, يسهل تأهيلهم وتعليمهم وتدريبهم للاستفادة منهم فى شتى المجالات، وخدمة مجتمع يعيشون فيه وينتمون إليه.. خاصة بعد أن زادت الجريمة وظهر بشوارعنا نماذج غريبة وجرائم شاذة لم نكن نعرفها او نتخيل حدوثها تحت سماء هذا الوطن، ولم لا، والشوارع مليئة بآلاف الحالات الذين لفظتهم «الإصلاحية» خارجها دون أدنى تأهيل، ليصبح «الإصلاح والتهذيب» مجرد شعار معلق على أبواب تلك المؤسسات.. يفتقده المسئولون عن هؤلاء الأطفال. ومن هنا نفتح هذا الملف «الآن» لكى يحتل المكان الذى يليق بأهميته على أجندة الإصلاحات فى الأيام المقبلة .. محمد زارع المحامى يوضح مفهوم الإصلاحية بأنه يفترض أن يكون مكانا للتأهيل والإصلاح، يتم فيه احتجاز الأحداث الجانحين تنفيذا لأحكام قضائية أو لقرارات النيابة العامة، وذلك بهدف إبعادهم عن المجتمع لارتكابهم جرائم أو مخالفات قانونية، وأن يتم خلال فترة الاحتجاز إصلاح سلوك الحدث من خلال برامج تربوية وتعليمية، وأيضا حصولة على رعاية طبية تجعل منه فى نهاية فترة إيداعه إنسانا طبيعيا يستطيع أن يتعايش مع العالم الخارجى ويستطيع العالم الخارجى تقبله كشخص طبيعي، إلا أن فترة إيداع الحدث غالبا ما تنتهى دون حصوله على برامج تأهيلية فى السلوك والتعليم بالاضافة لما قد يكتسبه من صفات سيئة بسبب عدم الرقابة الكاملة وأحيانا المعاملة القاسية يخرج بعدها الحدث اكثر جنوحا منه قبل دخوله تلك المؤسسة .
وربما يرجع ذلك كما يستكمل زارع إلى غياب البرامج والمتخصصين فى النواحى التعليمية والنفسية والتربوية والاجتماعية، وزيادة الأعداد أكثر من السعة المحددة للاستيعاب، بالإضافة إلى غياب الرقابة، الأمر الذى يجعل فترة إيداع الحدث غير مجدية يكتسب خلالها أسوأ الصفات لمعايشته جانحين آخرين يتسمون بهذه السلوكيات مما يشكلو خطرا مستقبليا على المجتمع، وغالبا ما ينتهى بهم المطاف الى القبض عليهم مرة ثانية وإيداعهم فى سجون البالغين إذا تجاوزت أعمارهم سن الاحداث.
ويطرح زارع رؤيته لتفعيل دور المؤسسة وتأهيل الحدث اجتماعيا ونفسيا من خلال عمل برامج تأهيلية وتدريبية تساعده على العودة للمجتمع فى صورة صالحة، وأيضا من خلال عمل برامج تدريبية للاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، وكذلك المدرسين حتى تؤهلهم للتعامل مع الأحداث وتنفيذ برامج إصلاحية لهم، إلى جانب توفير الرعاية الطبية المتكاملة فى جميع التخصصات.. كما يشير إلى ضرورة إيجاد فرص عمل لهؤلاء الأحداث بعد انتهاء فترة الإيداع لضمان عدم إنحرافهم مرة أخري.
تتفق د . عزة العشماوى رئيس المجلس القومى للأمومة والطفولة مع زارع فى أن المؤسسة العقابية تعانى لسنوات طويلة من تردى البنية التحتية لها وعدم انضباط الكوادر البشرية العاملة مع الأطفال، حيث إنهم قاموا بارتكاب جرائم وجار عقابهم مما يستلزم وضع برنامج لإعادة تأهيلهم بتحويل الطاقة السلبية والعنف بداخلهم إلى طاقة إيجابية، من خلال بناء ثقتهم فى أنفسهم، وتنفيذ أنشطة من شأنها إعادة التأهيل النفسي؛ ولكن ما يتم هو العكس تماما حيث إن إعادة التأهيل تتطلب كوادر بشرية تؤمن بأن هذا العمل هو عمل إنسانى فى المقام الأول، لكن هذه الكوادر فى حاجة إلى التدريب المستمر لتنمية مهارات الاتصال والتواصل مع مختلف الحالات الجانحة ومتابعة وتقيم أدائهم لعدم خروجهم عن ميثاق الشرف المطلوب من الإخصائى الاجتماعى والنفسى الذى يتعامل مع الأطفال فى المؤسسات العقابية ، ولضمان عدم وجود ممارسات شاذة داخلها. كما تؤكد ضرورة توفير عنصر الأمن على مستوى الأفراد والتكنولوجيا من خلال تعيين موظفين للأمن على درجة عالية من الكفاءة والقدرة على التعامل مع الطبيعة الخاصة لهذه المؤسسات ، وكذلك استخدام كاميرات المراقبة لإسهامها فى مساعدة فرد الأمن فى كشف المخالفات بسرعة والوصول إليها فى أسرع وقت. وشددت على ضرورة المتابعة والتقييم المستمر، وأيضا إحالة أى من العاملين إلى التحقيقات الفورية إزاء تورطهم فى أى أنشطة خارجة عن القانون. وأشارت العشماوى إلى أنه جارى تعديل المادة 110 من قانون الطفل 126 لسنة 2008 والخاصة بتحويل الأطفال بالمؤسسات العقابية بعد سن 18 إلى السجون العادية بدلا من 21 سنة ، لأن القانون والدستور نصا على عدم احتجاز أطفال مع بالغين، مما يخفف من الكثافة العددية داخل المؤسسة.
ويقترح المحامى نجاد البرعى ضرورة تفعيل الرؤية التى اقتراحها الرئيس السيسى قبل ترشحه للرئاسة بتولى الجيش إعادة تأهيل هؤلاء الأحداث نفسيا، واجتماعيا إلى جانب تعليمهم حرفا ومهنا يستطيعون من خلالها المشاركة فى تنمية المجتمع، وبذلك يدركون قيمتهم كعناصر فاعلة فى بناء بلدهم مما يعكس صورة إيجابية لأنفسم تكون بمثابة الرادع لهم أمام فعل أى شيء يخالف القانون.
ويرى أن هذه الرؤية التى طرحها الرئيس تعد الحل الأمثل فى وقتنا الحالى لما نعانيه من تدهور اقتصادى يمنعنا من إنشاء مؤسسات عقابية جديدة بأساليب حديثة، كذلك أشار إلى ضرورة الاهتمام بالإخصائيين الاجتماعيين من خلال إعادة تأهيلهم ورفع رواتبهم لكى تصبح لديهم القدرة على القيام بدورهم، دون أن تكون هناك مشاكل او عوائق تمنعهم من أداء هذا الدور، خاصة أن المردود المادى لهؤلاء الإخصائيين يتسم بالضعف وبالتالى يصبح هناك عائق لتنفيذ الإخصائى لعمله ببحثه عن العائد المادى وزيادة دخله.
ويشدد نجاد البرعى على ضرورة إعادة النظر فى اهداف المؤسسات العقابية فى مصر وتطوير مؤسسات الاحداث لتنمية دورها الاصلاحى والعلاجى بالنسبة للاطفال المودعين فيها وذلك وفق اهداف السياسة العقابية الحديثة ومن ثم يجب إعادة النظر إليها فى اطار عدة نقاط أهمها ألا تبقى مؤسسات الاحداث مجرد مؤسسات عقابية، ويجب أن تتحول الى مؤسسات علاجية وانتاجية فى وقت واحد , والعمل على تغيير النظرة «السجونية» لمؤسسات الأحداث، كذلك تأكيد ضرورة تطوير برامج التدريب الحرفى داخل المؤسسات حتى تكون الحرف التى يعد لها الحدث مما تحتاجه المشروعات الانتاجية المتطورة فى الخارج وما يحتاجه سوق العمل . ومن ناحية أخرى يؤكد ضرورة وعى القاضى والإخصائى الاجتماعى والمراقب الاجتماعى بأنواع البرامج المعدة للأحداث والبرنامج الذى يصلح لكل منهم.. والاستعانة بكل الخبرات والكفاءات فى مجال رعاية الأحداث النفسية والاجتماعية، وجميع الإمكانات الفنية والمعلوماتية خارج إطار المؤسسات العقابية للأحداث ونقل الخبرات والتجارب من الدول ذات السبق فى هذا المجال.