ميناء دمياط يستقبل وفد شبكة مكافحة الفساد البحري الدولية لتطبيق أفضل الممارسات العالمية    الهلال الأحمر المصري: تقديم خدمات إنسانية متكاملة للفلسطينيين فور وصولهم إلى معبر رفح    فرانشيسكا ألبانيز: كفى تطبيعا مع الاحتلال الإسرائيلي بالخضوع لإملاءاته    الرياضية: الهلال يحسم صفقة بنزيما    بعد أجواء ربيعية مؤقتة.. الأرصاد تعلن عودة البرودة وتحذر مرضى الحساسية    حفل توقيع بلا كاتبة.. وغموض يحيط باسم «ظلّ الروح» في معرض الكتاب    قصائد تتوهّج في ديوان الشعر ضمن أمسيات معرض القاهرة للكتاب    محافظ كفرالشيخ يعزي في معاون مباحث الحامول شهيد الواجب    محافظ الأقصر يشهد الاحتفال بليلة النصف من شعبان نائبًا عن الرئيس السيسي    ضمن فعاليات المؤتمر الدولي ... نقاشات واسعة لمكافحة ختان الإناث وزواج الأطفال    الهلال الأحمر الفلسطيني ل الحياة اليوم: تعاون وثيق مع مصر لإغاثة غزة    نجوم إف إم تعلن عرض مسلسل «الفهلوي» بطولة أحمد عز في رمضان 2026    مادلين طبر : استمتعت بالمشاركة في ندوة سيف وانلي بمعرض الكتاب    نقيب الموسيقيين مصطفى كامل يدعو لاجتماع لبحث أزمة هانى مهنا غدا    محافظ الإسماعيلية يشهد الاحتفال بليلة النصف من شعبان بمدينة أبوصوير    "الصحة": 12 ألف طبيب و300 سيارة إسعاف لاستقبال المرضى الفلسطينيين    طبيب تغذية يكشف أفضل إفطار صحي في رمضان.. ويُحذر من كثرة تناول الفاكهة    محافظ أسيوط يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة ليلة النصف من شعبان    147 شاحنة مساعدات تعبر رفح في طريقها إلى غزة عبر كرم أبو سالم    ليلة تُفتح فيها أبواب المغفرة.. النبي يتحدث عن فضل ليلة النصف من شعبان    الهاتف يهدد الأطفال «9 - 10».. هل يحمي القانون الصغار من سطوة السوشيال؟    جهاد جريشة مراقبا لحكام مباراة أسفى المغربى وجوليبا المالى بالكونفدرالية    الكشف على 1563 مواطناً ضمن قوافل صحية بالغربية    تكريم صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    سالم الدوسري يقود هجوم الهلال أمام الأهلي في الديربي    رمضان عبدالمعز: ليلة النصف من شعبان نفحة ربانية وفرصة للعفو    رمضان 2026.. ماجد الكدوانى يتوسط أبطال مسلسل كان ياما كان فى البوستر الرسمى    وزير الرياضة يهنئ اتحاد السلاح ببرونزية كأس العالم لسيف المبارزة للناشئين    الداخلية تكشف حقيقة فيديو مزيف يتهم ضابطًا بتقاضي أموال بالسويس    خطر إهمال الجيوب الأنفية وحساسية الصدر وتأثيرهما على التنفس    استشهاد 3 فلسطينيين وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي على وسط وشمال غزة    متسابقو بورسعيد الدولية يروّجون لمعالم المدينة خلال جولة سياحية برفقة شباب المسابقة    رئيس الوزراء يتابع موقف تنفيذ المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة السويس    قطع المياه 4 ساعات غدا بمنطقة 15 مايو بجمصة لتركيب أجهزة قياس التصرف    ملتقى الإبداع يناقش «حلم في حقيبة» بمعرض الكتاب    رئيس جامعة بنها يفتتح مؤتمر "التمكين المهني والتقدّم الوظيفي استعدادًا لمستقبل العمل"    المركب هيغرق.. وائل القباني يحذر مسؤولي الزمالك من بيع عناصر الفريق الأساسية    محكمة استئناف الجنايات تؤيد إعدام قاتلة أطفال دلجا ووالدهم بالمنيا    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    اسكواش - إنجاز بعمر 18 عاما.. أمينة عرفي تصعد لثاني الترتيب العالمي    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    الإفتاء توضح الأدلة على فضل ليلة النصف من شعبان.. تفاصيل    عصابة المنيا في قبضة الأمن.. كواليس النصب على عملاء البنوك    التحالف الوطنى يتقدم بالعزاء فى وفاة شقيقة النائب محمد أبو العينين    القاهرة الإخبارية: السوداني يبحث الاستحقاقات الدستورية مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني    شريف مصطفى يفتتح معسكر التضامن الأوليمبي الدولي للكونغ فو استعداداً لأولمبياد الشباب    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    نتيجة انتخابات نقابة المحامين الفرعية بالإسكندرية وأسماء الفائزين    برلمانية المؤتمر بالشيوخ: نؤيد تطوير المستشفيات الجامعية ونطالب بضمانات تحمي مجانية الخدمة والدور الإنساني    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    تقرير: تأثير الدومينو قد ينقل بنزيمة والنصيري وكانتي بين الهلال واتحاد جدة وفنربخشة    رئيس جامعة أسيوط يشهد الحفل الختامي للمبادرة الرئاسية «تمكين» بمعبد الأقصر    أسعار الخضروات والفاكهة اليوم الاثنين 2 فبراير 2026    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    جرامي ال68.. «لوثر» أفضل أداء راب ميلودي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بريد الجمعه: يكتبه:احمد البرى
الشريك الثالث!
نشر في الأهرام اليومي يوم 27 - 11 - 2014

اشتد بى اليأس، ولم أجد غير بابك ملاذا ألجأ إليه طلبا للرأى والمشورة، فأنا سيدة فى الخمسين من عمرى،
نشأت وتربيت فى أسرة ريفية بسيطة بإحدى قرى محافظة ساحلية لأب يعمل مزارعا بالأجر اليومى، وأم ربة منزل، وكلاهما لم ينل أى حظ من التعليم، وأربعة أشقاء، ثلاثة ذكور يكبروننى بعدة سنوات، وأخت واحدة تصغرنى بعامين، ولم تكمل تعليمها بعد الشهادة الابتدائية، وتوقفت عن الدراسة برغبتها مثل عادة البنات فى القرى حتى وقت قريب، وقد حبانى الله بالجمال والذكاء، فكنت محط أنظار الجميع، وشجعنى أساتذتى على التفوق، فحصلت على مركز متقدم بمدرستى فى المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وانتقلت إلى الصف الأول الثانوى وسط زغاريد الأهل ومباركة الجيران، ولم تمر أشهر معدودة حتى طرق بابى عريس من القاهرة يمت لنا بصلة قرابة، ولم تكن لى أى معرفة سابقة به، وما حدث هو أنه رآنى فى حفل زفاف احدى قريباتى فى الحى الشعبى الذى يسكن فيه، وأعجب بى، وتحدث مع والدته بشأنى ورغبته فى الزواج منى، فأثنت على اختياره، وقالت له إنها قريبتنا، وأفضت إلى والدتى بما اعتزماه، ولما تأكدت أسرته من موافقتنا، جاء والده وأبرم اتفاقا مع والدى على عقد القران والزفاف خلال ثلاثة أشهر، بما يعنى أننى سأتوقف عن دراستى عند هذا الحد، فعريسى غير متعلم، ويعمل فى ورشة للنجارة مع أبيه وإخوته، وبالطبع سأنتقل للاقامة معه فى القاهرة... إذن كل الدروب مغلقة امامى لتحقيق حلمى فى الدراسة والحصول على مؤهل جامعى، وهو الهدف الذى كثيرا ما حلمت به، لكنه تحطم على صخرة الزواج، والتقاليد والأعراف السائدة لدينا، وبكيت بكاء مريرا، ورجوت أبى أن يؤجل زواجى ويعطينى الفرصة، ولو لمدة عامين للحصول على الثانوية العامة، والانتساب إلى إحدى الكليات النظرية، ولكن هيهات أن يقتنع بشىء هو يراه ضد ما جرى العرف عليه فى بلدتنا، فنحن لن نكون نشازا عن القاعدة التى تقول إن البنت مكانها البيت، واستسلمت لاملاءات أبى، وتم زفافى إلى زوجى فى يوم مازلت أذكره بكل تفاصيله، إذ لم تعرف البسمة طريقا إلىّ، وكنت أسمع الزغاريد التى تنطلق حولى، وكأنها طلقات رصاص موجهة إلى قلبى الصغير، وبين يوم وليلة وجدتنى زوجة فى بيت بحى شعبى يضم العائلة كلها، وكان زوجى يخرج فى الصباح الباكر بصحبة أبيه وإخوته، ويعودون آخر اليوم، فتتجمع الأسرة لتناول طعام العشاء، ثم نتفرق إلى حجراتنا، فننام ساعات الليل انتظارا لصباح جديد، وعلى هذا النمط سارت حياتنا، ومرت أشهر، ولم أحمل، فظهرت بوادر القلق على الجميع بمن فيهم أهله وأهلى، وبدأت الأقاويل بأننى غير قادرة على الإنجاب، فالمرأة فى هذه الحالة هى المتهمة وحدها، وأجريت لى فحوص عديدة أثبتت أننى سليمة، وبعد ضغوط عديدة خضع زوجى لفحوص مماثلة، وأخيرا تبين أنه المسئول عن عدم الإنجاب، ودخلنا فى دوامة التجارب الدوائية تارة، وخوض تجارب أطفال الأنابيب تارة أخرى، وباءت المحاولات كلها بالفشل، وساءت حالتنا النفسية أنا وزوجى، وسيطر الحزن على أسرتينا، خاصة أننا الوحيدان اللذان لم نرزق بأولاد، واعتبرت ذلك اختبارا من الله لقوة إيماننا.
ووجدتنى ازداد قربا من زوجى، ولم أفكر لحظة واحدة فى الطلاق منه والزواج من آخر قادر على الإنجاب، فالحق أننى وجدته طيب القلب، حلو العشرة، ولم يسئ لى ذات يوم، حتى إن الخلافات المعتادة بين الأزواج والزوجات لم تعرف طريقها إلينا، وهذا فضل من الله لم ينعم به الكثيرون.

ومرت سنوات وأنا راضية عن حالى إلى أن وصلت لسن الثالثة والاربعين، واكتفيت باللعب مع اولاد إخوة زوجى، وأولاد إخوتى فى الزيارات المتبادلة بيننا، وتوقف حلمى فى الأمومة عند عاطفتى تجاههم، دون أن يكون لى ابن من صلبى، وذات ليلة استيقظ زوجى كعادته كل يوم لأداء صلاة الفجر، ودخل الحمام للوضوء، وسمعت فجأة صوت ارتطام شىء على الأرض، فأسرعت إليه استطلع ما حدث، فوجدت زوجى ملقى على الأرض، والدم ينزف من رأسه، فصرخت بأعلى صوتى، وجاءنا أبوه وإخوته، وحملوه إلى المستشفى، ولم يفلح الأطباء فى إسعافه، وفارق الحياة، شىء ولا فى الكوابيس المزعجة، فالأمر كله لم يستغرق دقائق معدودة، وصارت الأيام مثل بعضها، وظل سؤال واحد يشغلنى هو: كيف ستمضى حياتى بعد رحيله؟... وأفقت على طلب أهل زوجى الراحل، بإعطائى حقى فى الميراث نقودا، والانتقال إلى سكن آخر، فحاولت أن أتفاهم معهم بهدوء، ولكنهم أصروا على موقفهم، وتغيرت معاملتهم لى، وأمهلونى شهرين لتدبير أمرى، ولم أشأ أن أرفع دعوى فى المحكمة للحصول على حقى كما هو، وليس نقودا، لن أستطيع بها أن أشترى سكنا آخر، إذ ليس لى مكان يؤوينى بعد أن حصلت على حقى فى المنزل من ميراث أبى، وصرفه زوجى الراحل، ضمن متطلبات المعيشة، وشددت رحالى إلى إخوتى، وأبلغتهم بما جرى لى. فلم تدعنى أختى أكمل حديثى، وكذلك زوجها، أكرمهما الله. فلقد جاءا معى إلى القاهرة، وأخذت مستحقاتى، ومتعلقاتى الشخصية، وانتهى بى المطاف فى منزل أختى، حيث خصصت لى حجرة مستقلة، وبرغم أن زوجها رجل بسيط يعانى أمراضا عديدة إلا أنه كان سباقا إلى تقديم طلب معاش لى فى الضمان الاجتماعى، وظللت ثلاث سنوات على هذه الحال، كما أن اخوتى الأشقاء برغم بساطة معيشتهم، وقلة دخلهم، فإنهم حرصوا على السؤال عنى والاطمئنان علىّ.. وأوكلت أمرى إلى خالقى، وعشت فى حالة سلام داخلى، وفوضت أمرى إلى الله سبحانه وتعالى، وبعد نحو ثلاث سنوات جاءنى أخى الأكبر، وجلس معى بصحبة أختى وزوجها، وقالوا لى إن رجلا فاضلا من محافظة مجاورة يرغب فى الزواج منى بعد رحيل زوجته، وزواج جميع أولاده، واننى ستكون لى حياتى الخاصة، والحقيقة أننى تخوفت كثيرا من الارتباط الثانى، واستعدت زكريات ما حدث لى منذ إخراجى من المدرسة، وتزويجى رغما عنى، وعدم إنجابى، ثم رحيل زوجى، وطرد أهله لى، وتساءلت فى نفسى: لماذا لا أجرب نصيبى. فربما أجد راحتى لديه، ويخفف جزءا من آلامى، ويحمل عنى بعض همومى، ويضمد جراحى؟!، وبذلك أخفف العبء على أختى وزوجها وأولادهما. فوافقت عليه. وانتقلت إلى حياة مختلفة تماما عن التى عشتها من قبل، وبصراحة فإننى لم أجد من زوجى الثانى أيضا إلا كل شىء طيب.

وعشت فترة فى استقرار، وأحسست براحة نفسية، وحمدت الله على ما أنا فيه، وأحس زوجى ببعض التعب، فزار الطبيب أكثر من مرة، لكن آلامه زادت بشكل كبير، فحملناه إلى مستشفى شهير فى المدينة المجاورة للقرية التى نسكن فيها، وجاءت الفحوص الطبية صادمة، إذ أكدت أنه مريض بالسرطان فى العمود الفقرى. ولم يجد أولاده بدا من أن يبيعوا قطعة أرض يملكها أبوهم لتغطية مصاريف علاجه، وكنا نلتقى فى موعد الجلسة ونحمله إلى معهد الأورام لتلقى العلاج، وشيئا فشيئا تدهورت صحته تماما، ولم يعد يستطيع الوقوف على قدميه، فأنظر إليه، فأجد الدموع تترقرق فى عينيه، فإذا بى أجهش بالبكاء بصوت مسموع. وما أقسى اللحظات التى كنا نحمله فيها إلى السيارة ثم نصعد به إلى حجرة العلاج بالمستشفى، ثم نعيده إلى المنزل بالطريقة نفسها، وقد أصابه الهزال، وجاء يوم رفض فيه أن يتناول أى طعام أو شراب، بل ورفض أن يذهب إلى جلسة العلاج، فحملناه رغما عنه إلى المستشفى كالعادة، فاستسلم لنا وهو شبه غائب عن الوعى. وارتجف قلبى من شدة خوفى عليه، وفى أثناء الجلسة توقف الطبيب عن استكمال جرعة الكيماوى، وقال فى أسى: «البقاء لله».. هنا ارتميت على الأرض، وغبت عن الوعى فنقلونى إلى العناية المركزة وأفقت هذه المرة على واقع مرير جديد، وتكرر سيناريو ما حدث لى بعد وفاة زوجى الأول، فما هى إلا شهور معدودة حتى طلب منى أولاد زوجى نفس الطلب السابق بأخذ حقى والرحيل من حيث أتيت، ولم يكن ممكنا أن أنازعهم فى المحاكم، كما لم أنازع إخوة زوجى الأول، فأنا لا أقبل أن أعيش وسط أناس لا يريدوننى، فمهما بلغت درجة طيبتهم وشهامتهم، فأنا فى النهاية قد حللت محل أمهم، ولا يرغبون فيمن تذكرهم بها، وهكذا عدت إلى أختى فلقيت منها ومن زوجها كل ترحيب بى وجدد لى شفاه الله أوراق معاش الضمان الاجتماعى، وركزت كل جهدى فى تربية أولاد أختى، فتابعت دروسهم، وقمت بتوصيلهم إلى المدارس، وصاروا كل عالمى، واعتبرتهم تعويضا لى عن الأولاد، فهم بالفعل أولادى، وينادوننى ب «ماما»، وكلما نادانى أحدهم بها أشعر بالسعادة، وتسرى البهجة فى نفسى، فأنا بالفعل أمهم، وما أعظم الفرحة التى ترتسم على وجه أختى بهذا النداء الجميل.

ومنذ أيام تكرر المشهد السابق من جديد، وجاءنى إخوتى بزوج جديد أرمل، ويكبرنى بعدة سنوات، وقد تزوج أبناؤه إلا بنتا مازالت فى المرحلة الثانوية، ومن القرية نفسها التى نقطنها، ويعلم بقصتى كاملة، ويؤكد أننى سأكون كل شىء فى حياته، وأن أولاده جميعا يرحبون بى، بل ويرون أننى مثالية فى كل شىء بعد أن روى لهم مشوار حياتى الذى يعلم عنه الكثير من التفاصيل بحكم انه من أهل القرية، لكنى ما إن سمعت عن زواج ثالث، إلا وانخرطت فى بكاء متواصل، فأنهى اخوتى الجلسة معى، وأوكلوا الأمر إلى أختى التى يعرفون كم تحبنى، وكم أحبها، وبعد ما يقرب من أسبوع، قالت لى بهدوء شديد.. زواجك هذه المرة مختلف تماما، انت هنا معى، وهذه حجرتك وهذا بيتك، ولن تبعدى كثيرا، فالرجل الفاضل الذى تسبقه سيرته الطيبة، من أهل القرية، ثم إن الأعمار بيد الله، ولا يدرى أحد ماذا سيصنع به القدر.. تزوجى على بركة الله، وربنا يوفقك.. سمعت كلماتها التلقائية وهى التى لم تنل أى قدر من التعليم ووجدتنى فى حيرة من أمرى، فهل بعد رحيل شريكين لى فى الحياة ارتبط بشريك ثالث، وأترقب ما سيحدث لى.. إننى أعلم تماما أن الأجل مكتوب ومحدد، وقد أرحل قبله عن الحياة، لكنى اعود وأسأل نفسى: لماذا لا أرضى بما أنا فيه الآن، وأستكمل مسيرتى فى الحياة على هذا النحو إلى أن يحين الأجل المحتوم؟!.
إن الحيرة تقتلنى ياسيدى.. وقد عجزت عن التفكير، فبماذا تشير علىّ؟.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
تفقد الحياة معناها فى اللحظة التى يصيبنا فيها اليأس، ويتملكنا الحزن، والمسألة برمتها، ياسيدتى، لا تتعلق باختيار شريك ثالث لحياتك بعد رحيل شريكيك الأول ثم الثانى، فالأعمار لا حيلة لنا فيها، وقد قدرها المولى عز وجل بميزانه وحساباته، فقال تعالى... «لكل أجل كتاب»، «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» وفى ذلك يقول الشاعر.

كم من مريض مات بغير علة...
وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
ولديك المثالان على ذلك، زوجك الأول الذى مات فجأة بلا مرض، وزوج شقيقتك المريض الشهم، الذى مازال حيا يرزق، ولم يهزه المرض، ويتلقى العلاج المستمر، ومع ذلك يواصل حياته بشكل طبيعى، ويسعى فى الأرض بغير ضيق ولا ضجر، فلا تنظرى إلى عرض الزواج المقدم لك الآن على أنه تجربة ثالثة، فلقد انتهت زيجتاك السابقتان بعد رحيل الزوجين، وقد أثنيت على كليهما، ولكن لعبت الظروف دورا فى تركك منزل الزوجية نتيجة تعنت إخوة زوجك الأول، وعدم رغبة أولاد زوجك الثانى فى بقائك معهم، ولا يعنى ذلك أن التجربة ذاتها سوف تتكرر بحذافيرها، وإنما يتعين على إخوتك أن يضعوا النقاط على الحروف مع من تقدم للزواج منك، بتحديد كل شىء يتعلق بحقوقك الزوجية، فهذا هو الأصل فى الزواج، ولا تؤخذ المسألة بحسن النيات، ولا بنقاء سريرة الرجل الراغب فى الارتباط بك، فالأوراق المكتوبة تريح الجميع، وتعطى كل ذى حق حقه.

إن ما واجهته، يا سيدتى من مصاعب وآلام نفسية هو مسألة قدرية، لا يد للبشر فيها، وقدرك أن تواجهى الاختبار الأصعب فى الحياة، بعد أن تحملت الاختبارات السابقة، وهى كثيرة بدءا من امتثالك لرغبة أسرتك فى إخراجك من المدرسة، وتزويجك بمن رأوه مناسبا لك، ثم عدم انجابك، ورحيل زوجك الأول، وتكرار الأمر نفسه مع زوجك الثانى.. ومن تتحمل كل هذه المآسى يصعب أن يعرف اليأس طريقا إليها أو تركن للاختيار السهل، بالبقاء مع أختها، على بدء حياة جديدة خوفا من قدر إن أراده الله سبحانه وتعالى، فلا راد لحكمه، فلا تترددى فى قبول الزواج من هذا الرجل الذى اطلقت عليه اسم «الشريك الثالث» فمن تصنع صنيعك تبدو دائما كالورقة الخضراء التى لا تسقط ابدا مهما هبت عليها الرياح، واشتدت حولها العواصف والأعاصير، وعادة ما يكون آخر مفتاح فى مجموعة المفاتيح هو المناسب لفتح الباب، ولعله هذا الرجل الذى ربما يكون الحق تبارك وتعالى قد ساقه إليك لتعويضك عن كل ما ألم بك من شدائد.

إن اختبارات الحياة تبين مدى صلابة الإنسان أو ليونته، وقوته أو ضعفه، وأراك قوية بعزيمتك ورجاحة عقلك فى تسيير الأمور، فلا تجعلى الأحزان التى مرت بك حبلا يشدك إلى الخلف، بل اصنعى منها طاقة تدفعك إلى الأمام، ولا تنسى وعد الله «وبشر الصابرين» ومادامت هناك حياة، فأن الأمل موجود، وهو النافذة التى مهما صغر حجمها، فإنها تفتح آفاقا واسعة فى الحياة، والأمل شىء رائع، والأشياء الرائعة لا تموت، كما أن أروع هندسة فى العالم هى أن يبنى المرء جسرا من الأمل على نهر من اليأس، وإذا كنت ترين أن الأحداث التى مررت بها على مدار مشوار عمرك حتى الآن، كلها ضدك، فإن الله معك، ومن كان الله معه، فإنه عز وجل يكفيه، فآفة الكثيرين أنهم ينظرون دائما إلى الباب الخلفى، ويديرون ظهورهم إلى الأبواب المفتوحة، وهى كثيرة.

إننى أرجو، يا سيدتى، ألا تتخلى عن صفاء نفسك ورضاك بما قسمه الله لك، ففى ذلك طمأنينة لا يعادلها شىء، ومن ثمرات الإيمان بالله أنه سبحانه وتعالى يسلى العبد عند المصائب، ويهون عليه الشدائد، «ومن يؤمن بالله يهد قلبه» وفى الحديث القدسى «أنا عند ظن عبدى بى، فليظن بى ما شاء»، فأحسنى الظن بالله، وتقربى إليه، وتأملى هذا القول البليغ:
كم فرج بعد إياس قد أتى

وكم سرور قد أتى بعد الأسى

من يحسن الظن بذى العرش جنى

حلو الجنى الرائق من شوك السفا

وأرجو أن تنفضى عنك غبار الأحزان، ويكفيك أنك تشربين الماء الزلال، وتستنشقين الهواء الطلق، وتمشين على قدميك، وتنامين ليلك فى أمان... أسأل الله أن ينزل السكينة على قلبك، وأن يرشدك إلى طريق الصواب والفلاح.. إنه على كل شىء قدير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.