فى عالمٍ يموج بالاضطرابات، لم تعد كرة القدم بمنأى عن عواصف السياسة وأصوات البنادق.. فبين حروبٍ تشتعل فى أكثر من إقليم، وتصاعدٍ لافتٍ فى عنف عصابات المخدرات بالمكسيك عقب مقتل أحد أبرز زعماء المافيا، تتسلل المخاوف إلى أكبر حدث رياضى على وجه الأرض: «مونديال 2026 ». البطولة الكروية المرتقبة التى ينظمها ثلاثى أمريكا الشمالية «الولاياتالمتحدةالأمريكيةوالمكسيك وكندا» كانت منذ الإعلان عنها مشروعًا عالميًا للاحتفال بكرة القدم وتوحيد الجماهير تحت راية الشغف الرياضى؛ لكن العالم الذى سيستقبل المونديال بعد عامين فقط لم يعد كما كان؛ خريطة الصراعات تتسع، والقلق الأمنى يتزايد، والواقع الدولى يزداد تعقيدًا. المكسيك، إحدى الدول المستضيفة، تقف فى قلب هذا الجدل، فكلما سقط رأس من رؤوس عصابات المخدرات، تشتعل حروب خفية بين الكارتلات المتنافسة، وتتحول بعض المناطق إلى ساحات صراع مفتوحة، ومع توقع تدفق ملايين الجماهير والسياح خلال البطولة، يصبح السؤال الأمنى أكثر إلحاحًا: هل تستطيع الدولة المشاركة فى التنظيم لاحتواء تلك التوترات فى حدث عالمى بهذا الحجم؟ فى المقابل، يدرك FIFA أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة كرة قدم؛ إنه صناعة عملاقة تقدر عوائدها بمليارات الدولارات، ومنصة سياسية واقتصادية وثقافية يتابعها الكوكب بأسره؛ ولذلك فإن أى حديث عن تعثر أو إلغاء يبدو أقرب إلى السيناريو الكارثى الذى لا يرغب أحد فى الاقتراب منه. لكن التاريخ يذكرنا بأن الرياضة كثيرًا ما وقفت على حافة العاصفة؛ فبطولات كبرى أُقيمت فى ظل أزمات اقتصادية أو توترات سياسية، لأن العالم كان يحتاج - وربما لا يزال - إلى لحظة فرح جماعى تُذكّره بأن هناك ما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم. ورغم ذلك، يبقى السؤال الذى يتردد همسًا فى أروقة الرياضة العالمية: ماذا لو تعقدت الظروف أكثر؟ ماذا لو تحولت التوترات الأمنية والسياسية إلى تهديد حقيقى لسلامة البطولة؟ عندها لن تكون كرة القدم وحدها هى الخاسر؛ فإلغاء حدث ب حجم FIFA World Cup سيهز الاقتصاد الرياضى العالمى، ويضرب استثمارات بمليارات الدولارات، ويترك فراغًا فى الوجدان الكروى لملايين العشاق الذين ينتظرون تلك اللحظة كل أربع سنوات. وربما لهذا السبب تحديدًا يتمسك العالم بالمونديال كأنه آخر معاقل الفرح المشترك؛ فحين يضيق الأفق بالحروب والصراعات، تبقى كرة القدم لغة عالمية قادرة على جمع المختلفين حول هدف واحد، ومرمى واحد. ويبقى الأمل أن تنتصر الملاعب على الميادين، وأن يُكتب لمونديال 2026 أن يكون رسالة سلام فى زمنٍ يتقن صناعة القلق أكثر مما يعرف طريق الطمأنينة! ومن أجل ذلك كله فإننى أبعث برسالة إلى الرئيس الأمريكى المثير للجدل دونالد ترامب أو «الدونالد» كما يحلو له أن يلقبونه فى عالم البزنس مضمونها أن شعوب العالم الكروية تريده «مونديال» للسلام.. «مونديال» تُرفع فيه الأعلام للتشجيع، لا للحروب.. وتعلو فيه الهتافات لا، أصوات المدافع.. نريده «مونديال» للأهداف، لا للصواريخ.. «مونديال» للشباك، لا للرصاص.. «مونديال» للجماهير، لا للقبور؛ فالعالم سئم الحروب، وربما حان الوقت ليتعلم من كرة القدم كيف يجتمع المختلفون حول حلمٍ واحد وهدف واحد؟!