من قلب العاصفة, وحينما يشتد غبار الظلم ليعمي الأعين وتتناثر حمى التشدد، تظهر من خلف السحاب، ملامح مدينة صغيرة، تقف صامدة فى وجه الرياح وتسبح وحدها بخوف وحذر فى طريق مظلم أملا فى نقطة ضوء، لأكثر من عام وهى تقاوم سهام الغدر الجاهلي بأغاني النضال وأناشيد المقاومة، حينما نسي العالم اسمها أو تناسى أن هناك من يصارع قوى الظلام بشعاع النور، بقيت وحيدة وسط زوابع الخارجين من كهوف التخلف.. "كوباني" أو "عين العرب" تلك المدينة الكردية الصغيرة الواقعة على نهر الفرات, تعيش اليوم بصمت منتظرة مصيرا مجهولا، والعالم لا يتحرك لصد هجمات المرتزقة المستمرة منذ أكثر من عام, فقط يشجب ويدين ولكن لا أحد يتدخل لوقف زحف التنظيم الإرهابي "داعش" الذي يحاصرها منذ منتصف سبتمبر الماضي بالأسلحة الثقيلة والمدرعات لبسط سيطرته عليها وإعلانها إمارة تابعة له تحت إسم (عين الإسلام) ليحتشد أكثر من 200 ألف مواطن كردي على الحدود التركية المغلقة في وجوههم، قبل أن تسمح الحكومة التركية بدخول بعضهم، وذلك "تحت ضغط شعبي" من المناصرين للقضية الكردية في الداخل السوري. أكثر من أربع عشرة قرية كردية في محيط كوباني سقطت بأيدي داعش بعد مقاومة بطولية من قوات الحماية الشعبية الكردية لتصبح بوابات المدينة الباسلة هشة أمام أسلحة داعش التدميرية وفيض المقاتلين الأجانب المتعطشين لقطع الرؤوس الذين يتدفقون يوميا على دولة الخلافة, كل هذا وسط صمت تركي متعمد ومقصود!. الحديث عن كوباني وريفها وبالرغم مما تعانيه هذه المدينة من نزيف لجرح عميق لم يبدأ بظهور أهلها في عراء النزوح، كما لو أنه لا يملك أرضا ينتمي إليها، بل على العكس، فقد وفرت التربة الخصبة والمناخ المناسب المقومات الكافية كي يشتهر ريف كوباني بالعديد من الزراعات، مثل القمح والشعير والقطن. ورغم الظروف السياسية الخانقة التي فرضت ظلها على كل مناحي الحياة وسبل العيش وتضييق الخناق, إلا انه يحسب لسكانها أنهم عمال نشيطون، لذلك اشتهروا بصناعة الآلات الزراعية مثل الحفارات والمعدات الزراعية التي كانت تصدر إلى خارج سوريا، ولو توافرت الظروف لبلغت أفقا أوسع في تلك المجالات. غلب الطابع العشائري على الوضع الاجتماعي في كوباني, التى يقطنها أكثر من 300 ألف نسمة جميعهم تقريبا من الأكراد السنة, بفضل حفاظها على العادات والتقاليد، لذلك يرتبط أهلها ببعضهم بعضا بروابط وأواصر إجتماعية قوية. كما إشتهر فيها الفن الفلكلوري الكردي والعديد من المثقفين والأدباء والكتاب والشعراء, وعاشت في المدينة فئات سكانية مختلفة من الأرمن والأكراد والعرب عشرات السنين في وئام وسلام, وكانت توجد فيها ثلاث كنائس للطوائف الأرمنية لا تزال بعض آثارها وأطلالها موجودة إلى اليوم، إضافة إلى عدد من المساجد الإسلامية حيث كانت أصوات المؤذنين تختلط بأصوات أجراس النواقيس في المناسبات والأعياد. سياسيا، ينتهج سكان "عين العرب" الفكر اليساري، حيث ينتمي عدد كبير منهم إلى "حزب العمال الكردستاني"، وشارك عدد من أبنائها في المعارك التي خاضها الحزب في تركيا. وأقام الأكراد نظام "إدارة ذاتية" للمنطقة. تصنف كوباني بأنها من أقدم المدن الصغيرة في المنطقة، ففي عهد الإنتداب الفرنسي في سوريا كانت "عين العرب" مركزا مهما إهتم به الفرنسيون وخططوا شوارع المدينة، ولاتزال الكثير من المباني الفرنسية قائمة حتى اليوم مثل بعض الدوائر الحكومية الرسمية (السرايا)، إلا أن الكثير من التحف والآثار التاريخية القيمة نقلت إلى خارج سوريا أيام الانتداب الفرنسي وإلى متاحف فرنسا. حظيت كوباني بمكانة تاريخية مهمة في سوريا، ومع وجود الدلائل على عمق هذه المدينة في التاريخ لكن لا توجد مصادر تؤكد سبب ومعنى اسمها الحالي، حيث تختلف الروايات بتسميتها، فثمة رواية تعيد التسمية لشركة ألمانية تدعى "كومباني" قامت ببناء سكة حديدية في المنطقة وأقامت محطة صغيرة فيها، فتداول السكان إسم المحطة، وتم تحويرها لتتخذ الإسم الجديد (كوباني)، في حين تقول رواية أخرى أن أصل الإسم جاء من إسم القرية التي كانت موجودة فيها (كاني عربان) التي كان يقصدها البدو لرعي مواشيهم، والتي تعني ترجمتها الحرفية من الكردية إلى العربية (عين العرب)، وهو الإسم الذي أطلقته الحكومة السورية على المنطقة على يد نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. ل"عين العرب"أهمية مفصلية في الوجدان الكردي عامة والكردي السوري خاصة، فالمدينة والمنطقة المحيطة بها تقعان في صلب المشروع الاستقلالي الكردي العلماني. ومن خلال ضرب هذه المدينة الكردية بإمتياز يضرب تنظيم "الدولة الإسلامية" هذا الحلم الكردي التاريخي و يكسر بذلك فكرة القومية الكردية باسم مشروعه الإسلامي مبرهنا أن صراعه مع الفصائل الكردية ليس عرقيا بل ديني عقائدى. لا شك أن تلك المدينة الصغيرة قد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه لتصبح مثلا للبطولة والمقاومة الباسلة ضد أعتى هجوم تشنه قوى الظلام والهمجية, ولكن لا تزال كل الاحتمالات والتوقعات واردة ما دامت هناك حرب قائمة، ونازحون هجروا إلى تركيا، وآخرون عالقون على الحدود بانتظار العبور أو العودة إلى منازلهم بعد دحر التنظيم، ورغم هذا وذاك ستبقي قصة تلك المدينة الباسلة تدرس فى التاريخ للأجيال القادمة.