النواب يوافق على مشروع قانون المنظم لبعض إجراءات الطعن ل 3 سنوات    محافظ المنوفية يستقبل رئيس جامعة الأزهر ونوابه بمكتبه    السودان يكشف التوصل لاتفاق بشأن "سد النهضة"    «يونسيف»: العالم كله يتفق على مفهوم «الطفل» وحقوقه    البرلمان يوافق على إحالة 49 طلب اقتراح برغبة للحكومة لتنفيذها    وزير التنمية المحلية في مجلس النواب لبحث غرق الشوارع بمياه الأمطار    اللجنة التنسيقية للسكان بأسيوط تناقش الخطة التنفيذية خلال الفترة المقبلة    تباين أسعار العملات العربية والأجنية أمام الجنية اليوم    وزير الكهرباء: اللي هيعمل الغلط هرفده ومعنديش جزاءات    تراجع مؤشرات البورصة في منتصف تعاملات اليوم 18 نوفمبر    محافظ الإسكندرية: بدء تنفيذ قرارات إزالة للمتعدين على أراضي الدولة    انخفاض واردات مصر من البترول بنسبة 33.3% في أغسطس 2019    جامعة المنوفية تستقبل مدير مكتب التعليم والصحة بالوكالة الأمريكية    اليوم العالمي لدورات المياه.. أرقام صادمة في خدمات الصرف الصحي عالميًا    إيران: إحراق مقر ل«قوات الباسيج» في منطقة ملارد غرب طهران    رئيس الوزراء الكويتي يعتذر عن تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة    مصارف لبنان: السقف الأسبوعي للسحب ألف دولار أمريكي فقط    موسكو تسلم كييف السّفن المحتجزة لديها    القوات الخاصة الأفغانية تقتل 5 إرهابيين من "داعش" و"طالبان"    الجادريان: الجمهوريون يستهدفون شهود فى تحقيق العزل ب"ولادتهم بالخارج"    شوقي غريب: درسنا جنوب افريقيا جيدًا وهدفنا التأهل للأولمبياد    استعدادا للدوري.. لجنة الحكام تعقد دورة لتقييم الأداء    نيمار يرفض تجديد تعاقده مع سان جيرمان من أجل عيون برشلونة    السجن سنة للمتهم بحيازة أسلحة نارية نارية بالمقطم وغرامة 10 آلاف جنيه    استمرار اعمال سحب مياه الأمطار بمدينة سفاجا    وزارة الداخلية تواصل حملاتها الأمنية الموسعة بجميع مديريات الأمن    26 نوفمبر.. إعادة محاكمة 5 مُتهمين ب«أحداث مجلس الوزراء»    شهود حادث «برج سقيل» للنيابة: «الحماية المدنية قطّعت الحديد لانتشال الجثث»    ضبط 11 ألف قضية سرقة تيار كهربائي خلال 24 ساعة    "ضربوه علقة موت".. ضبط المتهمين بقتل حارس عقار بالوراق    إعلامية شهيرة تتعرض لحادث سير مروع    الفتاوى الطبية تحتل المرتبة الثانية بين أكثر 10 مجالات إفتائية استشرافية    وزير الثقافة تعتمد خطة الانتاج الجديد لمسارح الدولة    فيديو.. أستاذ آثار: المجتمع المصري القديم لقب المرآة ب«ست الدار»    رئيس جامعة أسيوط يشهد افتتاح النسخة الثالثة من معرض الكتاب    افتتاح مقبرتي "إيدو" و"قار" بمنطقة آثار الهرم    مهرجان القاهرة يستعرض ثلاث تجارب ناجحة في التوزيع والتسويق السينمائي    مجموعة «الخط العربي» للشيخ محمد عبد الرحمن في ضيافة مكتبة الإسكندرية    حكم الطلاق فى التليفون .. دار الإفتاء ترد    برلمانى وطلب إحاطة عاجل بشأن أزمة أطباء دفعة سبتمبر 2019 بسب نظام التكليف الجديد    الكشف على 1755 مواطنا بقافلة طبية بالعياط    التدخين الإلكتروني أقل ضررًا من العادي على القلب    اكتشاف السر وراء الموت المفاجئ    مدرب جنوب إفريقيا: فوز المنتخب الأول على مصر منح اللاعبين دعما نفسيا    بعد غياب 16 عاما .. البرازيل تتوج بلقب كأس العالم للناشئين    قضية في المحكمة تواجه لاعب نادي الهلال بعد عودته من اليابان    النني يعرض خدماته على ميلان.. والنادي يصدم الوسطاء    "ماس كهربائى" وراء حريق مول تجارى بشارع "البوستة" فى الشرقية    مواعيد مباريات اليوم في التصفيات المؤهلة إلى أمم أوروبا    بعد 8 سنوات من الغياب.. لماذا استحضر البابا تواضروس المجلس الملي؟    مقتل 4 أشخاص وإصابة 6 آخرين جراء تعرضهم لإطلاق نار بكاليفورنيا    اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين داخل جامعة البوليتكنيك بهونج كونج- فيديو    جائزة أفضل بحث منشور في العالم من نصيب استاذ بجامعة اسيوط    الأكل حتى الشبع .. سلاح الشيطان لتقوية الشهوات    حكم ميراث الأخت الشقيقة وغير الشقيقة.. الإفتاء تجيب.. فيديو    مروان يكشف جهود استعراض ملف حقوق الإنسان المصري في الأمم المتحدة    السحر من الكبائر وآثاره مدمرة    عميد الدراسات الإسلامية: حديث خالد الجندى عن عدم وجود ملك للموت اسمه "عزرائيل" صحيح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الشاعر العراقى عبد الكريم كاصد
الشعر ابن المستقبل.. والقصيدة الجميلة ثورة
نشر في الأهرام اليومي يوم 16 - 08 - 2014

حمل "الحقائب" فى عام 1975 ولم ينس الوطن، ليحق له "النقرعلى أبواب الطفولة" بعدها بثلاث سنوات، ولكنه اكتشف أنه ينقرعلى أبواب المنافى ، بعدما صار الوطن قصيدة مسافرة ، فقرر أن يمنح "الشاهدة" "وردة البيكاجي".. ذلك الحى فى عدن والذى لم يكن بحال منفاه الأخير. فأدرك الشاعر العراقى الكبيرعبد الكريم كاصد أن الشعر"نزهة الآلام " التى يدمنها الشاعر ويتفاعل معها القراء فى الأوطان والمنافى .
لم يقف كاصد عند حدود الشعر فهو من المترجمين المهمين فى ترجمة الشعر فله إسهامات قيمة فى ترجمة شعراء كبار من أمثال سان جون بيرس و جاك بريفير.. كما اهتم بشكل خاص بقصائد اليونانى الكبير ريستوس.
وهو من الشعراء الذين يمتلكون رؤية نقدية ربما أفادته فيها دراسته المبكرة للفلسفة التى درسها فى جامعة دمشق فى ستينيات القرن الماضي. فى هذا الحوار لم نقدم اطلالة على مشواره الشعرى ولا سيرته النقدية فالحوار يأتى فى إطار ملف قصيدة المقاومة الذى طرحناه فى العدد السابق من صفحة الثقافة العربية ولنا مع كاصد وقفات أخرى حول الشعر العراقى والشعراء فى المنافى وتلك قصة اخرى
هل عادت قصيدة المقاومة إلى المشهد مع الربيع العربى والعدوان الصهيونى على غزة أم انها باتت عورة جمالية يهرب منها الشاعر وتفر منها القصائد الحقيقية ؟
سؤالك هذا يثير فى الحقيقة أسئلة عديدة: ماذا نعنى بقصيدة المقاومة؟ فإن وجدنا الإجابة - وهذا ما يتضمنه السؤال كما فهمته - متمثلةً فى أسماء شعرية كمحمود درويش مثلاً فى شعرنا العربيّ فهل اختفت بعده لتعود ثانية؟ وإن عادت ففى أيّ شعر تتجسّد هذه المقاومة؟ وإذا كانت القصيدة قصيدةً حقّاً فهل يمكن أن تكون عورةً جمالية لأنها قصيدة مقاومة مهما اختلفنا حول تعريف المقاومة. وكيف يهرب الشاعر من قصيدة تلاحقه؟
يقول بعض النقاد إن الأغراض الشعرية انتهت فى القصيدة الحديثة ..هل توافق على هذا الطرح ؟
اقتنيتُ اليوم، مصادفة، كتاباً بعنوان (عبء الرجل الأبيض) وهو أنطولوجيا للشعر البريطانى يحتوى على مدائح للإمبراطورية كتبها أهم شعراء الحداثة، فذكرنى بقصيدة ترجمتها من قبل لديريك والكوت فى مديح أوباما ذكرتني، هى بدورها، بقصيدة لفروست فى مديح أمريكا ألقاها فى حفلة تنصيب الرئيس الأمريكيّ جون كيندى بعنوان: (العطية السمحاء) وهذه أرجعتنى أيضاً إلى مسرحية شعرية لإليوت كتبها، بتكليف من الكنيسة هى مسرحية (الصخرة)، لتمثّل فى مناسبة ما، ولعلّ أكثر الأمثلة بروزاً هو الكتاب المكرس لمديح العائلة المالكة البريطانية بقلم واحدٍ من أهم شعراء الحداثة هو: تيد هيوز.
هل كراهيتنا لأوباما أو الموقف المختلف الآن، ربما، لديريك والكوت نفسه تجاه أوباما الحالي، يغيّر من جمال القصيدة التى قيلت بصدق وفنية عالية؟ أم أن ثمة عورةً جمالية ستقف حائلا دون تعاطفنا مع القصيدة الآن؟ وإذا كانت هذه العورة ملتصقة برئيس مقيت فكيف تكون العورة ملتصقة بمقاومة تمثّل شعباً أو جزءاً منه؟
حين تكون قصائد المقاومة قصائد حقّاً فلماذا تتعرض دون غيرها إلى هذه العورة الجمالية؟ ما نجده هو العكس فى بعض قصائد ريتسوس ونيرودا ومحمود درويش وناظم حكمت وأراغون ورامبو فى قصائده الهجائية والأخرى عن كومونة باريس هو تجدّدها الدائم واغتناؤها بما هو جديد عبر امتزاجها بفنون أخرى: موسيقى، غناء، مسرح ولعلّ أقرب مثال يحضرنى هو قصيدتا ريتسوس الرائعتان : أبيتافيوس وروميوسينى اللتان أصبحتا نشيدين لشعب، رغم كثافة عالميهما الشعريّ وعمقهما، الأولى مرثية لعامل قتيل والثانية مديح لمن حاربوا المحتلّ، الأولى لحنها ثيودوراكس بعد ما يقرب من ربع قرن ليمنحها بُعداً آخر.. بُعداً يحتوى على أعمق ما فى التراث الشعبى من أساليب أهملها الشعر والموسيقى معاً، والثانية لحنها ثيودوراكس أيضا بعد ما يقرب من عشرين عاما لتتوهج من جديد وتعاد طباعتها مرّاتٍ.
هل ثمة مواصفات لشاعر الثورة أو المقاومة وهل قصيدة المقاومة مرتبطة بحركات التحرر مثلا ؟
شعر المقاومة ليس مقصوراً على نمط معين من الشعراء فقد يكتبه شاعر شيوعيّ كريتسوس مثلما يكتبه شاعر قس كإرنستو كاردينال ويبقى المقياس الأساسى هو القصيدة ذاتها، أى أنّ الشعر لن يكون شعر مقاومة، أياً كانت هذه المقاومة، إن لم يكن شعراً أوّلا، فهل اتصفت القصائد التى تنعت الآن بشعر المقاومة بصفة الشعرأولا. وهل بالضرورة أن تُسمى القصيدة الحقيقية المكتوبة عن أطفال غزة مثلا بقصيدة مقاومة لأنها كُتبت عن هؤلاء الأطفال أم أن الموقف الإنسانيّ هو الذى أملاها على الشاعر بصفته إنساناً قبل كل شيء لا مقاوماً؟.
ولعل ما يستوقفنا فى شعر من نُعتوا بشعراء المقاومة: أراغون، نيرودا، إليوار، ناظم حكمت، ريتسوس، محمود درويش هو أنهم شعراء كبار حقّاً، لهم عالمهم الداخليّ الذى لا يقلّ ضجيجا عن العالم الخارجى الذى يعيشونه بكلّ عمق.
يكتب ريتسوس قصيدته فى المقاومة فى الوقت نفسه الذى يكتب فيه جنونه وجنون شقيقته فى قصيدته الشهيرة (أغنية شقيقتي) فى توغّلٍ عميقٍ فى الذات، وهنا تكمن عظمة الشعر الذى يلتقى فى مملكته الجنون والعقل، الذات والمجموع، الهواجس والإشراقات، المقاومة والخضوع، المقاومة لما يمقت والخضوع لما يحبّ. فى هذه المملكة تنتفى الحدود وتنأى التعريفات وتتآلف الأشكال فتعود الاشكال القديمة وهى أشدّ سطوعاً مما هو مستجدٌّ من أشكال. هذا ما نلمسه لدى إليوت ولوركا وريتسوس وعشرات غيرهم ممّن استخدموا أكثر الأشكال شعبية وبعداً عن الاستخدام الشائع فى الشعر، فلاغرابة أنّ شاعر المقاومة أو الثورة – سمّه ما شئت - إرنستو كاردينال كان مثاله الشعريّ هو عزرا باوند المعروف بعلاقته بالفاشية الإيطالية ولكن ثمة شيء آخر وراء دوافع عزرا باوند تجاه هذه العلاقة هو كراهيته العميقة للرأسمالية وأمريكا بالذات.
نعود للسؤال حول الاغراض الشعرية ؟
ولعلنا لن نأتى بجديد إن قلنا إنّ الأغراض ذاتها قد تتخذ أشكالاً أخرى غير مألوفة من قبل، فالمديح الشائع يتخذ شكلاً آخر ليصبح مديحاً من نوع آخر.. مديحاً لظلٍّ عالٍ كما عند محمود درويش، بل إننا، من النادر، ألاّ نجد هذه الأغراض فى شعر أشهر شعراء روّاد الحداثة فى شعرنا العربيّ، ولعل الرثاء هو الغرض الذى سيبقى ما بقى الشعر فى كلّ لغات العالم.
إنّ ما حدث فى شعرنا العربيّ هو العكس تماماً: احتضار الشعر الذى تمت تسميته بالشعر الميتافيزيقى الذى طبّلت له مجلة الآداب فى الستينيات من القرن الماضى بدعاوى كاذبة لنقاد مولعين بالتسميات لا لما هو مفارقٌ للواقع وحده وإنما للتسميات أيضاً.
ماهى المقاومة الحقيقية فى رأيك وهل هى بحاجة إلى قصائد تدعمها؟ وكيف يدعم الشاعر المقاومة؟
ليس من الضرورى أن نتفق على تعريف المقاومة، فقد يخوضها رجل الدين كالشاعرإرنستو كاردينال وقد يخوضها الشاعر الشيوعيّ كريتسوس، مثلما أشرت فى إجابتى السابقة، ولكن من الضرورى أن تكون القصيدة شعراً حقّا، وقد نختلف حول مفهوم الشعر ولكننا، لا أعتقد أننا سنختلف كثيراً حول الإحساس على الأقل بما هو شعرٌ جيد. والدلالة على ذلك أنّ ثمة ما يشبه الإجماع لدى القراء والنقاد معاً على قيمة قصائد كثيرة فى شعرنا العربيّ والعالمي: الأرض الخراب لإليوت مثلاُ، إنشودة المطر، وبويب لبدر شاكر السياب، الجدارية لمحمود درويش، إلخ, ولكن من الصعب الاتفاق حول الشعر السيئ وقد ناقش ذلك بكثير من الطرافة الناقد الإنجليزى آي. أ. ريتشاردز أو ذلك الشعر الذى يقيم فى منطقة الأعراف ليأتى المهربون من النقاد ليهربوه، خلسةً، إلى الفردوس.
بلا شك، المقاومة لا تنتظر الشعر لتكون مقاومة، مثلما لا ينتظر الشعر المقاومة لكى يكون شعراً، لأن الشعر يتعامل مع الحياة باتساعها وعمقها اللذين لا حدود لهما. ولعلّ الشعر لم يزل قاصراً فى اكتشاف مجاهيل هذا الاتساع والعمق، ولكن لا بدّ للشعر والمقاومة ولاسيما تلك التى يخوضها شعب بكل طبقاته أو فئاته أو أغلبها، من شعر، وهذا دليل على قرب الشعر مما هو لصيق بالإنسان من مشاعر غائرة خفية، من دون تحديد لهذا الإنسان أو لهذه المشاعر
هل يمكن ان تنتج الفاشيات الوطنية شعرا جماليا او ثوريا ؟
لا أستطيع أن أتخيل أنّ الحركات الفاشية أو الدينية المتطرفة يمكن أن تنتج شاعرها أو روائيها، فإنْ حدث ما لم نتوقعه فهذا لن يكون إلاّ استثناء نادراً. (أنا أتحدث هنا عن واقعنا العربيّ لئلاّ يقفز إلى ذهن البعض مثال عزرا باوند الاستثنائيّ). أجل، ثمة حركات سياسية فاشية أو دينية متطرفة لها امتدادها الشعبيّ ولكنها لن تلتقى بالشعر أو يلتقى بها الشعر، رغم جذورها بسبب أفقها المغلق وثقافتها المغلقة التى تنتسب إلى الماضي، وكل ما هو متخلّف، وهذا على النقيض من الشعر الذى ينفتح، بطبيعته، لا على ما هو حاضرٌ حسب، وإنما على المستقبل أيضاً، من خلال رصده تفصيلات الواقع، وما يتجاوزها إلى ما هو أبعد من الحاضر عبر نبوءاته، دون مفارقةٍ لهذا الواقع. لذا لم نجد شاعراً أو قاصاً مبدعاً متميزاً أنجبته هذه الحركات التى تعانى هي، بدورها، من احتضارٍ وشيك، رغم انتصاراتها الجزئية العابرة.
ورغم تجاوزنا لمفهوم المقاومة المحدد فإنّ للمقاومة أطيافها التى لن تكون بالضرورة مرتبطة بالثورة مباشرة، وأشكالها العديدة خارج شكلها المعروف الذى تجسّدَ فى شعر الشعراء الذين أتينا على ذكرهم.
كيف ؟
سأورد مثلا من تاريخنا العراقيّ القريب: كنّا فى البصرة، فى بداية السبعينيّات، عند صعود النظام البعثيّ آنذاك، مجموعة من الشعراء أبرزهم : كاظم الحجاج، مهدى محمد علي، مصطفى عبدالله وكان شعرهم معنيّاً بمراقبة الواقع اليوميّ وتفصيلاته التى تبدو لبعض القراء الذين اعتادوا على أنماط معينة من الشعر أنها تفصيلات ليست من صُلب الشعر، ولكن هذه القصائد المعنية بهذا الواقع كانت مقلقة للسلطة التى عبرت عن استيائها عبر مقالات كتابها المأجورون لأنها خارج الضجيج الإعلامى المشغول بإنجازات السلطة الوهمية. أتذكر قصيدة صغيرة للشاعر الراحل مصطفى عبدالله تتحدّث عن أطفال محلة شعبية، فى البصرة، تُعرف باسم (محلة الحيانية) كانت مبعث استياء وقلقٍ كبيرين رغم أنها لا تبدو أنها تحمل أيّ سمة من سمات المقاومة:
لماذا ينزل أولاد الحيّانيّة قبل وقوف الباص.. ؟
ويقتسمون مع الحرّ، سريعاً، أبواب البارات
وأسواق الخضرة والساحات.
وحين تنام الشمس على الطرقات
ينتصبون رفوفاً للبارد والحلويّات...؟
لا أدرى
كيف ستحلو النزهة ،
بين الأشجار وأولاد الحيّانيّة ..؟
أطفال يتسلّقون الباص، ثمّ ينزلون قبل وقوفه، تجنّباً لدفع الأجرة، ثمّ سرعان ما يفترشون الأرض أمام أبواب البارات وأسواق الخضرة والساحات حتّى حلول المساء الذى تشير إليه استعارة مصطفى الجميلة "وحين تنام الشمس على الطرقات"، غير أنّ القصيدة تفارق مألوفها فجأةً بهذا البيت النادر "ينتصبون رفوفاً للبارد والحلويّات"، حيث تحلّ المخيّلة محلّ الواقع المألوف، لتمهّد فى الاخير لهذه الحركة المباغتة التى تنطوى على سؤال جارح:
" لا أدرى كيف ستحلو النزهة بين الأشجار، وأولاد الحيّانيّة..؟"
هذه القصيدة البسيطة التى قد لا تستوقف الكثير من نقّاد اليوم، المشغولين بنظريّات الشعر أكثر من الشعر نفسه، أثارت حفيظة البعثيّين آنذاك ، ودفعتهم إلى الجهر بعدائهم لمثل هذا الشعر الذى اعتبروه إنكاراً للتحوّلات الثوريّة التى تجرى فى الواقع، على حدّ زعمهم. ولعلّ ما يبدو مألوفاً فى هذه القصيدة هو فى أشدّ حالاته اغتراباً، فى مجتمع شهد استرخاء ظاهرياً كاذباً، حيث الناس يحتفلون بنزهاتهم اليوميّة المسترخية، وسط أطفال مرهقين استحالوا رفوفاً من التعب. إنّها اللامبالاة التى شهدها مجتمعنا والتى أنذرت بأسوأ العواقب فيما بعد. لقد وصف الشاعر سعدى يوسف هذه القصيدة عند نشرها، ب" أنّها شوكة فى العينين "


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.