نصيحة ذهبية لحياة سعيدة.. فقد صح في الحديث أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أي الجهاد أفضل؟ فقال: "كلمة حق عند سلطان جائر". (أورده الألباني في "السلسلة الصحيحة"). المُراد بكلمة الحق ما كان أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر؛ من لفظ أو كتابة، ونحوهما.. (عند سلطان جائر) أي حاكم صاحب جور، وظلم؛ لأن كلمة الحق عند الحاكم العادل لا تضر قائلها لأنه سيقبلها، أما عند الجائر؛ فقد ينتقم من صاحبها. والمقصود أن المرء لا يقر الباطل أبدا، وإنما يبين الحق، في أي مكان، حتى لو كان في مجلس سلطان جائر. و"الحق" في اللغة مشتقة من كلمة "حق الأمر.. يحق.. حقا"، أي: ثبت، ووجب.. والحق هو الثابت الصحيح، وهو ضد الباطل.. واستحق الشيء استوجبه.. وأصل الحق: المطابقة والموافقة؛ كمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه على استقامة. ونصرة الحق فرض.. قال تعالى: "قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ".(سبأ:49)، وقال: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق".(الأنبياء: 18).
ولا يرضى الله تعالى للحق أن ينهزم، ففي ذلك اختلال ميزان الكون، لذلك لابد من أن ينهج أصحاب الحق نهجَ التضحية، ولا ضَير في أن يمضي بعضُهم إلى ربه شهيدا سعيدا لتبقى ظلال الحق وارفةً، وأنواره ساطعةً، وميزانه معتدلا، حسبما قال الشيخ محمد الراوي ، في دراسته القشيبة بعنوان: "كلمة الحق في القرآن الكريم"، مستشهدا بقوله تعالى: "إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ". (العصر:2-3). وفي الوقت نفسه، لابد للحق من قوة تحميه، فالله تعالى منزل الكتاب؛ أنزل معه الحديد الذي ينبغي أن يتسلَّح به حملة الرسالة، فقال سبحانه: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز".(الحديد:25). والأمر هكذا، يجب على المرء أن يلزم الحق دوما.. فقد ورد في حديث أخرجه مسلم من حديث ثوبان، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وجاء في "شرح النووي على مسلم": "يُحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين.. منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض". وفي هذا الصدد لا ينبغي للمرء أن يغتر بقلة أهل الحق في جنب أهل الباطل، فقد قال تعالى: "إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ".(هود: 17). وأخيرا: مع لزوم الحق، لابد من التحلي بالنية الصالحة؛ فقد قال الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: "لاَ تَقْتُلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ".