الوصية التاسعة تحفيز المشاعر للقيام بالعمل يقول النبى صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" [متفق عليه]. فعلى قدر النية والقصد والدافع يكون بإذن الله الأجر والثواب، لذلك لا بد من تهيئة القلب وتحفيز المشاعر قبل القيام بالعمل لاستثارة الدافع القوى للقيام به، يقول صلى الله عليه وسلم: "لا أجر لمن لا حسبة له" [السلسلة الصحيحة: 2415]. وليس ذلك فحسب، بل إن استثارة المشاعر لأهمية العمل وفضله له وظيفة عظيمة فى توليد القوة الدافعة للقيام به، وعدم الملل منه، فكلما قوى التحفيز تولدت الرغبة بإذن الله. ومن الملاحظ أن القرآن كثيرا ما يذكر عند التكليف بالعمل ما يدفع النفس للرغبة فيه والإقبال عليه، مثل قول الله تعالى عند الأمر بالإنفاق: (مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد: 11] لا بد إذن من القيام بعملية التهيئة قبل الشروع فى أى عمل حتى لا يضيع علينا أجره عندما نتحرك بلا دوافع، وحتى لا تكون حركتنا عادة أو حياء فنحرم ثوابا عظيما كان قريبا منا بإذن الله، وحتى لا نشعر باستثقال القيام به، وكما قيل: من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه فى جميع الأحوال. والطريقة السهلة للتحفيز هى إجراء حوار داخلى مع نفسى أجيب فيه عن سؤال: "لماذا أقوم بهذا العمل؟" وأذكر نفسى بالأسباب التى تدفعنى للقيام به، مع استحضارى النصوص الدالة عليه قدر المستطاع. فمن الأسباب التى تدفعنا للوقوف فى وجه الانقلاب هو: إقامة الحق والعدل بين الناس، وهذه من المقاصد العظيمة التى ندب الله إليها: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ أن اللَّهَ قَوِى عَزِيزٌ) [الحديد: 25]. ولإصلاح وطننا: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251]. ولنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ أن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة: 71]. قال القرطبى: جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرقانا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين هى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقال ابن النحاس: وفى ذكر قوله "والمؤمنات" هنا دليل على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب على النساء كوجوبه على الرجال حيث وجبت الاستطاعة. ولكى نجهر بكلمة الحق أمام سلطان جائر، قال صلى الله عليه وسلم: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" [أبو داود والترمذى] وقال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" [السلسلة الصحيحة: 374]. يقول ابن النحاس: وإنما كان أكرم الشهداء لأن الشرط فى الشهيد فى سبيل الله تعالى أن يبذل نفسه لكى تكون كلمة الله هى العليا، وهذا قد بذلها لذلك، غير أن الأول قد شفى نفسه ببسط يده إلى عدوه فقتل عزيزا وهذا قد تعرض للقتل مع كف يده فقتل ذليلا فجزاه الله على ذله فيه بإكرامه له. ومن الدوافع كذلك: نصرة المظلوم.. يقول صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يخذل مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر امرأ مسلما فى موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته.