الصراع الدائر فى مصر الآن هو فى جوهره صراع ما بين «مشروع الدولة» و«مشروع الحكم»، والأخير أمره يسير لأن هدفه البقاء فى السلطة لأطول فترة ممكنة، ووسيلته الأهل والعشيرة أو «الجماعة» المنغلقة بذاتها وعلى أفرادها وتوزيع المغانم وموارد الدولة عليهم، أو «زواج المال والسلطة»، وقد جربنا حكم الاخوان، ولم يزل يتردد فى الفضاء المصرى المقولة الخطيرة لخيرت الشاطر «لقد جئنا لنحكم 500 عام»!. وبالطبع إذا لم نرضخ لأن يحكمونا فإنهم على استعداد لأن يقتلونا وأغلب الظن أن «مشروع الحكم» قد فشل فشلا ذريعا فى حقبة الإخوان، ومن قبل فى «حقبة مبارك» ونهاية مشروع التوريث سيئ السمعة. ومن المحتوم أن أى محاولة تتوهم أو تسعى لاستعادة «مشروع الحكم» فى مصر سيكون مصيرها الفشل الكارثي. ومن هنا فإن ما يحدث على الأرض حاليا هو العمل بقوة من أجل «مشروع الدولة»، وتنمية الموارد لصالح الجميع ومن أجل المستقبل، وبالطبع فإن هذا المسار قد فتح الباب على مصراعيه لحملة شرسة من قبل أصحاب المصالح الضيقة، والذين يعملون فى دولاب البيروقراطية المصرية. فهؤلاء باتوا يتململون بقوة من جرأة الرئيس عبدالفتاح السيسي، والبدء بنفسه فى تخفيض راتبه، بل والتبرع بنصف ثروته. فقد أسقط فى يد البيروقراطية والرأسمالية المتوحشة التى اعتادت على العيش فى رغد فى ظلال «رأسمالية المحاسيب» ولم تدرك أن «المسألة جادة» وأن الرئيس الجديد يريد بناء «مشروع الدولة» ولا يسعى وراء مغانم «مشروع الحكم». إلا أن المناخ السياسى العام المرتبك وعمليات التشويش الغربية فضلا عن حالة الهيستريا التى أصابت جماعة الإخوان وأنصارها فى خارج البلاد قد ألقت بالكثير من العراقيل، بل وعلامات الدهشة والحيرة. فالبعض مثل د. أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة يتساءل «مصر القوية أم مصر القامعة»؟.. ويذهب إلى أن الدولة القوية ليست هدفا فى حد ذاته، ولكنها وسيلة لتحقيق غاية أسمى تتمثل فى خلق مجتمع قومى يحفظ حقوق وحريات وكرامة المواطنين بداخله. وأحسب أن التخوف مشروع، ولا أعتقد أن «دولة الخوف» يمكن لها أن تعود حتى وأن أشاع اليساريون والناصريون بل وأنصار الإخوان أجواء تشبه «معارك الناصرية ضد الإخوان» أو أن مصر الجديدة بعد ثورتى 25 يناير و30 يونيو تسعى لوصفات الماضى القديمة فى تخيير الناس ما بين «الخبز أو الحرية». وأغلب الظن أن دروس الماضى القريبة والبعيدة تخبرنا بكل وضوح أن «الخائنين» لايدافعون عن الوطن، وأن «الخوف» لايقيم دولة ولا يحمى ظهر رئيس أو زعيم. وهذا درس القذافى وصدام حسين، بل درس مبارك نفسه. فلقد أنفض الجميع من حول هؤلاء عندما اشتدت الأزمة، وحل الخطر سواء كان خارجيا أو داخليا. ولعل نورى المالكى هو أخر من تلقى الدرس.. عندما انهار الجيش العراقى ثانية أمام حفنة من داعش!. ولا يقتصر سوء الفهم أو الخوف من مشروع الدولة ما إذا كانت قوية أو غير ذلك، بل إن المدير التنفيذى لمجموعة «ما يتبلز» للاستثمار عمر الشنيطى يلقى مخاوف أخرى تحت عنوان «حقبة النيوليبرالية العسكرية.. على الأرجح»، ويخلص فى مقالته إلى أن «الخلاصة أن الاقتصاد المصرى مقبل على الأرجح على حقبة» «النيوليبرالية العسكرية» من حيث تبنى سياسة تقشفية لتحرير الأسواق لا تختلف عما كان متبعا قبل 2011 ويرافق هذه السياسة بكل ماتحمله من مشقة توسع هائل لدور المؤسسة العسكرية الاقتصادي، ومنافسة غير عادلة للقطاع الخاص مما يشير إلى تعارض السياسات الاقتصادية المختلفة، ويتطلب اعادة نظر ممن يحكم مصر. والغريب أن هذه المخاوف تعكس «حالة عدم رضا واضحة» من قبل شريحة لا بأس بها من رجال الاعمال فى مصر من «ارهاصات كسر الاحتكارات»، وفتح الأسواق أمام المنافسة والجميع يدرك أن ماجرى فى مصر لم يكن سوى تحالف مشوه ومشبوه مابين رأس المال والسلطة، وهو الأمر الذى أفرز «رأسمالية متوحشة» لاتقبل إلا «بالتهام كل الغنائم والمزايا» وترك الفتات تتساقط على غالبية الشعب المحروم، أما حكاية التلويح «بهيمنة المؤسسة العسكرية» على الاقتصاد المصري، فهذه «خرافة غربية» يجرى النفخ فيها وترويجها من أجل «أهداف سياسية مشبوهة»، وذلك من عينة «استيعاب الأخوان» وجماعات الارهاب فى العملية السياسية. ويبقى أن النخبة الحاكمة الجديدة المدعومة من ملايين المصريين عليها ألا تترك هذه المخاوف، أو تلك الاساطير تحلق فى الهواء، وفى التصدى لها، وتفنيدها. ومن ناحية أخرى لقد بات ملحا وضروريا أن يتحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى بصورة أكبر واشمل عن مشروع الدولة الجديدة فى مصر، وأن يهدد انحيازات هذه الدولة للخبز والحرية معا، وللكرامة الإنسانية، وللاستقلال الوطنى. والأهم إلى أى «دولة» نحن سائرون، وماهى هويتها، وماهو مشروعها الوطنى على مدى السنوات المقبلة، وربما يقول البعض «لم هذه المخاوف.. فمن يهتم بالصورة»؟!، وأغلب الظن أن «الصورة المشوشة» عادة ماتترسخ مع كثرة الالحاح عليها وأيضا بقدر التجاهل وعدم التصدى لها. إلا أن المؤكد أننا أمام مشروع الدولة الديمقراطية القوية وليس «مشروع حكم». لمزيد من مقالات محمد صابرين