عادةً ما تستهدف الثورات تغيير أنظمة الحكم الفاسدة، تنهى شرعيتها بقوة الجماهير، وتزيحها عن مواقع السلطة والقرار، على أمل بناء نظام جديد يلبى طموحات الشعوب الثائرة، ويزيل عن كاهلها أسباب الثورة التى غالبا ما تتعلق بغياب العدل وتفاقم الظلم واحتكار السلطة، واختفاء الرضا العام الذى يحقق الاستقرار والأمن للشعوب والحكومات. وكثيرا ما تنجز الثورة هدفها فى تغيير نظام الحكم دون الدخول فى مرحلة صراع أهلى يؤدى إلى تفكك الدولة أو انهيارها، إن كانت ثورة كاملة الأوصاف لها قيادتها وفكرها وبرنامجها المستمد من معاناة الجماهير، أو توافقت أهدافها مع طموحات وآمال غالبية الشعب، أو وجدت الثورة سندا لها فى إحدى مؤسسات الدولة القوية.. وفى أحيان كثيرة تضطر الثورة إلى تغيير بعض سمات الدولة التى ترسخت وأصبحت جزءا من هويتها، بسبب الاحتكار الطويل للسلطة وغياب تداول الحكم وقصور أدواته عن التعبير الصحيح عن واقع البلاد السياسى والاجتماعى، لكن يظل الحفاظ على كيان الدولة دائما هو الضمان الأكيد للحفاظ على السلم الأهلى، لأن بديل ذلك هو سيادة الفوضى وغلبة الصراع، وانصرام قوى المجتمع، وتفكك مصالح فئاته المختلفة وانهيار عرى الوفاق الوطنى.. وغالبا ما يصحب تدمير الدولة أو يلحقه حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، يطول أمدها إلى أن تتمكن بعض قوى المجتمع من السيطرة على البعض الآخر، أو تتدخل قوة من الخارج وتفرض سطوتها على الجميع. وما من شك أن واحدا من أهم أهداف ثورة يوليو 52، التى بدأت بانقلاب عسكرى قاده مجموعة من الضباط الأحرار، هو تغيير نظام الحكم الذى عجز عن تلبية مطالب شعبه بسبب الفساد واحتكار الثروة، كما عجز عن مقاومة الاحتلال البريطانى بسبب تواطؤ المصالح بين الحكم والاحتلال.. لكن «يوليو» سرعان ما اكتشفت حاجتها إلى إحداث تغيير حقيقى فى توجهات الدولة المصرية التى اتسم طابعها الأغلب بالفساد والإقطاع، نتيجة انحسار ملكية الأرض التى تشكل قوام الثروة الوطنية فى نصف بالمائة من المجتمع يملكون كل شىء بينما تعيش الغالبية العظمى حياة الأجراء، يعانون الفقر والجوع والمرض كما يعانون المهانة وغياب كل صور العدل، بل لعل توجه «يوليو» إلى تغيير هوية دولة الفساد والإقطاع بصدور قوانين الإصلاح الزراعى هو الذى أخرج «يوليو» من دائرة الانقلاب العسكرى وأكسبها معنى الثورة.. وكان واحدا من فضائل يوليو اعتقاد عبدالناصر، ومعظم مجموعته، أن تقليم أظافر النظام القديم وتجريده من عناصر قوته التى تتمثل فى الأرض والثروة يكفى لتحقيق أهداف يوليو دون حاجة إلى سفك الدماء، ويمكن أن يكون بديلا للصراع الطبقى. ولا يعنى تغيير بعض توجهات الدولة -التى ربما تكون إقطاعية أو بوليسية أو رأسمالية متوحشة أو طائفية متخلفة- تدمير كيان الدولة، لأن تدمير كيان الدولة حدث جلل لا يتيح بالضرورة بناء دولة جديدة على أسس أكثر صحة، ولكنه يفتح الأبواب على مصاريعها لمخاطر الفوضى، وينقل المجتمع من الحالة الإنسانية التى تفرض بالضرورة قدرا من الشروط للحفاظ على الكيان الاجتماعى، إلى حياة الغابة التى تجعل البقاء للأقوى والأكثر شراسة وعدوانا والأشد ظلما لغيره، حيث تختفى معايير العدالة والتعايش والجريمة والعقاب، وينتفى المحظور والمكروه والمحرم، وتغيب سلطة القانون، وتسقط الحدود بين جميع الأضداد، ويتحول الإنسان إلى مجرد وحش كاسر، يسفك الدماء ويقتل بالجملة، ويدمر الحضارة والتجارة والعمران، وتختفى جميع دوافعه الإنسانية لتبقى فقط الكراهية والغدر والرغبة فى الثأر والانتقام، ومعايشة الفناء والموت والخراب! لقد ضيع العراق أكثر من مليون نسمة من أبنائه راحوا ضحية حرب أهلية مجنونة، لأن الأمريكيين تعمدوا أن يسقطوا الدولة العراقية فى أول أيام غزوهم لبغداد، فككوا الجيش وفككوا الأمن وفككوا البيروقراطية الحكومية والوزارات، وأطلقوا العنان لنظام طائفى نهش وحدة العراق وأحاله إلى ساحة حرب أهلية، تعشش فى خرائبها جماعات تنظيم القاعدة والسلفية الجهادية وغيرها من الجماعات المضادة.. وحتى الآن لم ينجح العراقيون فى إعادة تركيب الدولة التى فككها الأمريكيون ولا تزال مهددة بالانقسام إلى دويلات ثلاثة، لأن الدولة كائن حى يتنفس ويحيا ويمرض ويبرأ ويموت، وليست مجرد أجهزة وآلات يسهل تفكيكها وإعادة تركيبها، كما تفكك أجزاء سيارة قديمة لتعيد تركيبها من جديد، وفقا لنظرية «الفوضى البناءة» التى اخترعها المحافظون الجدد فى عهد بوش الابن ليبرروا هدم العراق! وما جرى فى العراق يجرى الآن فى سوريا التى فقدت مائة وعشرين ألف قتيل، وتشرد أكثر من ثلاثة ملايين من شعبها داخل البلاد وخارجها، وتواجه الآن مستقبلا مجهولا، المعلوم الوحيد منه أن سوريا الدولة قد لا تعود، وربما تتفكك إلى إمارات متناحرة أو تظل ساحة للفوضى والاقتتال الأهلى.. وأظن أن الجميع يعرف الآن أنه لولا خروج 30 مليون مصرى إلى شوارع المدن الكبرى وعواصم المحافظات فى هبة جماهيرية أسقطت حكم جماعة الإخوان لكان الدور على مصر، لأن واحدا من أهداف الفوضى البناءة التى ضيعت العراق تفتيت وتجزئة القوى العربية المؤثرة، وحرمانها من امتلاك قوة ردع ودفاع قوية تحفظ وجودها وتصون استقلالها. ومع الأسف ورغم كل هذه الدروس المريرة، ثمة جماعات فوضوية من شباب الثورة المصرية لا تزال تعتقد أن إصلاح مصر رهن بتفكيك دولتها وبناء دولة جديدة على أسس مغايرة، وأن الأمر من السهولة بمكان! يكفى لإنجازه إثارة شغب واسع فى العديد من المواقع بحيث يؤدى إلى فوضى مدمرة تهيئ لهذه الجماعات فرصة تدمير الدولة وإحراق مؤسساتها وإسقاط أجهزة دفاعها وأمنها، ودفعها إلى معترك صراع أهلى لا يخمده سوى تدخل قوى خارجية.. والمدهش أن هؤلاء المخدوعين يعرفون جيدا أن الذئب الجريح لا يزال وراء الأكمة، ينتظر لحظة الوثوب إلى الموقف ليستعيد الفريسة التى ضاعت منه مرة أخرى، ويكرر ما حدث فى ثورة 25 يناير عندما سرق الثورة من أصحابها الأصليين، ويزيد من بلاهة هؤلاء المخدوعين حالة الإنكار التى تعميهم عن أن يروا مقاصد غالبية الشعب المصرى وتصميمه على إنهاء هذه الفوضى والحفاظ على الدولة وتطبيق حكم القانون. لقد كان واحدا من أهم الدروس التى تعلمها المصريون من فترة حكم مبارك، أن إهدار القانون لا يقل خطرا عن إهدار الدولة، لأن وجود القانون يفترض وجود الدولة ويستدعى وجودها الدائم، وإلا سادت الفوضى وتحول المجتمع إلى غابة.. فى هذه الفترة كان الجميع يشكو من غياب الدولة وغياب القانون، كما يشكو من شيوع البلطجة التى أصبحت بديلا لحكم القانون وقاسما مشتركا فى حياة المصريين، تحكم علاقتهم الاجتماعية فى السكن والجوار والشارع والمصالح المتبادلة، وتهيمن على عملية الانتخابات كما تهيمن على مجمل الحياة المصرية، وتحكم علاقتهم مع الدولة التى امتنعت عن تنفيذ أحكام القانون إن لم تكن الأحكام لصالحها.. ولأن تغييب حكم القانون يعنى غياب الدولة، استشعر المصريون أن إهدار القانون وإهدار الدولة هو إهدار لفطرة المجتمع الصحيحة، التى جعلت المصريين يحسنون التمييز بين الخيارات السيئة والخيارات الصحيحة، ويعرفون بالبداهة أن غياب الدولة وغياب القانون يطلقان كل شرور وآثام المجتمع، ويدركون أن واقعهم الراهن الذى يقوم على نشر الفوضى وتغييب القانون أملا فى إسقاط الدولة لا يمكن أن يستمر أو ينجح، وأن أعظم مسئولياتهم الآن إنهاء هذا الوضع فى أسرع وقت ممكن مهما تكلف الأمر، لأن الأمة لا تجتمع على باطل أو ضلال، وما يجرى فى شوارع مصر الآن هو عين الباطل الذى يتحتم وقفه كى تحظى مصر ببعض الاستقرار الذى يمكنها من أن تسلك طريقا جديدا، لا هو طريق حكم العسكر ولا هو طريق حكم جماعة الإخوان، ولكنه طريق الدولة القانونية الديمقراطية التى تتساوى فيها كل حقوق المواطنين.