أخذ مصطلح «رأسمالية المحاسيب» فى الظهور منذ عقد التسعينيات، وبحلول عام 2009 تحدثت النشرة التحليلية للاقتصاد السياسى لجامعة «أوكسفورد» عن انتشار هذا النمط من الرأسمالية فى منطقة الشرق الأوسط. وهو نمط يتوقف فيه نجاح الأعمال على علاقات الفساد مع السلطة السياسة ورجال الدولة. وحددت النشرة ثلاث دول هى: مصر وتونس وسوريا سجلت فيها الظاهرة تطورا كبيرا لا فتا. ولقد أشرنا فى المقال السابق «رأسمالية المحاسيب تنتخب» إلى تحيزات ورهانات تلفزيونات وصحف رجال الأعمال المحاسيب فى الانتخابات الرئاسية الجارية. ثم لفت نظرى لاحقا ماتغدقه إعلانات «المبايعة» و«التفويض» فى الصحف والشوارع من أوصاف الزعامة والبطولة على مرشح بعينه. ومما يبرز طلب اصحاب هذه الإعلانات على إعادة انتاج شخصنة السلطة، ولا شك أن غياب وضعف المؤسسية وتنامى الطابع الشخصى للسلطة فى أى مجتمع يحمل معه مخاطر تغول فساد رأسمالية المحاسيب على النظامين الاقتصادى والسياسي، فضلا عن النظام الإعلامي. وهذه ليست فقط خبرة مكابدة استبداد وفساد عهد مبارك، وبخاصة منذ عقد التسعينيات حيث الخصخصة وبيع اراضى الدولة ومنح قروض البنوك بالمحسوبية بل هى خبرة ممتدة لتاريخ مصر الحديث. ولأن جانبا معتبرا من نضالات الحركة الوطنية الديموقراطية منذ عهد الخديو «إسماعيل» والثورة العرابية قبل نهاية القرن التاسع عشر انصرف الى الصراع ضد حكم الفرد أو مايسمى بالطابع الأوتوقراطى لنظام الحكم. ولذا كان منطقيا فى اعقاب إطاحة ثورة يوليو بملكية أسرة «محمد على» أن تأتى المحاولة الأولى لوضع دستور جديد على طريق الجمهورية البرلمانية (مشروع دستور 1954). ومع أن المحاولة تم اجهاضها إلا أن مطلب الجمهورية البرلمانية ظل يتردد فى أدبيات المعارضة وفى مواجهة السلبيات الكارثية الناجمة عن السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية فى نصوص دستور 1971 وفى الممارسة الفعلية. وعلى سبيل المثال لدينا بيان المطالبة بالاصلاح الدستورى الذى وقع عليه فى 18 يوليو 1991 «فؤاد سراج الدين» عن «الوفد الجديد» و«خالد محيى الدين» عن «التجمع» و«إبراهيم شكري» عن «العمل» و«حامد أبو النصر» عن «الإخوان» وآخرون. وقد نص البيان فى البند الخامس على الأخذ بالنظام البرلمانى القائم على الفصل بين صلاحيات رئيس الجمهورية وبين اختصاصات السلطة التنفيذية. ولدينا من قبل برنامج حزب «الوفد» الليبرالى عام 1978. ومن بعد زمبادرة الإصلاحس التى تقدم بها مرشد الإخوان الأسبق زمهدى عاكفس فى ربيع 2003.كما أن جانبا من خطاب حركة زكفايةس قبيل ثورة 25 يناير 2011 اتجه الى المناداة بالجمهورية البرلمانية . لكن ما جرى أن تلك القوى التى نادت بالجمهورية البرلمانية دواء لتاريخ طويل ومرير من حكم الفرد تنكرت بعد ثورة 25 يناير لما طالبت به سابقا وخطته فى وثائق عديدة. ويمكننا أن نفترض هنا ان نفوذ رجال رأسمالية المحاسيب داخل الحياة السياسية والحزبية والإعلام قد لعب دورا ما فى هذا التنكر . فهم وبمايمارسون من احتكار على قطاعات الاقتصاد ونظرا لطبيعة رأسمالية المحاسيب ذاتها يفضلون الاستمرار مع نظام يقوم على شخصنة السلطة ،ويعلى من حكم الفرد لا المؤسسات. صحيح أن دستورى 2012 و2014 قلصا بعض الشئ من صلاحيات رئيس الجمهورية مقارنة بالدساتير السابقة بعد ثورة يوليو (دساتير 56 و58 و64 و 197). لكنهما أبقيا على زنظام مختلطس ينص على رئاسة رئيس الدولة للسلطة التنفيذية. ومازال يمنحه من السلطات والصلاحيات الكثير. ولأن العبرة بالممارسات الفعلية فإننا شهدنا فى عهد الرئيس المعزول زمحمد مرسيس إعادة انتاج حكم الفرد. بل كان الرجل على استعداد لاستئناف العلاقة بين شخصنة السلطة ورجال رأسمالية المحاسيب. وكما تفيد ذلك محاولاته مد جسور مع رجال الأعمال هؤلاء عبر تجربتى جمعية إبدأ ولجنة «تواصل». فضلا عن طرح التصالح مع الرموز الكبار ك «حسين سالم». وفى كل الأحوال لم يصدر تشريع واحد لا فى عهد «مرسى» ولا فى فترة ما بعد ثورة 25 يناير كلها يمس فساد ظاهرة رأسمالية المحاسيب، ويضع حدا للعلاقة الحرام بين السلطة والثروة. بل و لم تشهد مصر إجراءات عرفتها تونس بعد الإطاحة بالدكتاتور «بن على» من قبيل إصدار رئيس الجمهورية المؤقت «فؤاد المبزع» فى 14 مارس 2011 مرسوما بمصادرة الأموال والممتلكات المنقولة والعقارية لقائمة تضم 122 شخصا على رأسها الرئيس المخلوع وزوجته. وكان من الواضح أيضا أن ملابسات المرحلة الانتقالية فى مصر بعد انتخابات الرئاسة صيف عام 2012 قد أسهمت فى إعادة إنتاج حكم الفرد وشخصنة السلطة. فالرئيس ظل يجمع لشهور بين سلطتى التشريع والتنفيذ. ولما تم إقرار الدستور كنا أمام حقيقة أن البرلمان (ممثلا فى مجلس الشورى) بالغ الضعف والهزال. وهو سيناريو قابل للتكرار بعد انتخابات الرئاسة الحالية ، وبخاصة على ضوء ضعف الأحزاب وتعثر بناء كتلة ثالثة فى الحياة السياسية بين امتداد حزب الدولة ونظام مبارك من جانب وجماعة الإخوان من جانب آخر،ولعل مشروع قانون انتخابات مجلس النواب المتداول الآن يترجم كل هذا. لكن الجديد أننا إزاء قوى اجتماعية نافذة ممثلة فى رأسمالية المحاسيب تبدو فى ذروة اندفاعها وحماسها لإعادة انتاج شخصنة السلطة كى تضمن استمرار احتكار الثروة. وهو أمر يلقى بأعباء جديدة على الحالمين بالتغيير الديموقراطى وبدولة مدنية عصرية تقوم على المؤسسات و تلبى مطالب الثورة فى الحرية والعدالة الاجتماعية. وعلى أى حال، فهى حلقة جديدة فى صراع ممتد. لمزيد من مقالات كارم يحيى