.. في مثل هذا اليوم ( الأربعاء) الأسبوع القادم سوف يذهب ملايين المصريين للإدلاء بأصواتهم في أول انتخابات رئاسية في مصر الثورة! ومع أنه من المنطقي أن ينظر لتلك الانتخابات باعتبارها جزءا لا يتجزأ من عملية بناء زالنظام السياسيس الجديد الذي يعكس روح وأهداف ثورة25 يناير العظيمة, وشعارها الشهير زالشعب يريد إسقاط النظامس والتي بدأت بالانتخابات التشريعية, ثم الشروع في كتابة الدستور, إلا أن قضية انتخاب زالرئيسس في مصر, تظل لها دلالتها الخاصة, في السياق المصري! ولن أذهب هنا بعيدا إلي الوراء في التاريخ المصري الطويل, وإنما فقط سوف أبدأ بظهور مصر كدولة قومية حديثة في القرن الماضي مع استقلالها عام 1922! حيث تشكلت الدولة المصرية ثم أعيد تشكيلها عقب ثلاث ثورات: ثورة 1919 التي انتزعت استقلال مصر من المحتل الإنجليزي, وأقامت نظاما ملكيا دستوريا, ثم ثورة 23 يوليو 1952 التي استبدلت بالنظام الملكي نظاما جمهوريا سلطويا استمر لما يقرب من ستين عاما, ثم ثورة 25 يناير 2011 التي أنهت الجمهورية الأولي, لتقيم علي أنقاضها الجمهورية الثانية, الديمقراطية الدستورية. ذلك تطور طبيعي عرفته كثير من الأمم المتقدمة المعاصرة, والذي تقدم مصر الثورة نموذجا متميزا له اليوم! في كل تلك المراحل, كانت شخصية الرئيس أو الزعيم حاسمة في تشكيل وتوجيه التنظيم السياسي! فهل يمكن لنا أن نفصل حقبة الملكية الدستور عن الشخصية الفريدة لزعامة سعد زغلول ثم مصطفي النحاس من بعده؟ وهل يمكن أن ندرك طبيعة الجمهورية الأولي وتغيراتها بمعزل من شخصية جمال عبدالناصر, ثم أنور السادات؟ أو أن نفضل الإخفاق والتعثر الذي واجهته تلك الجمهورية في النصف الثاني من عمرها عن الشخصية الباهتة لحسني مبارك, والذي وصل إلي منصبه بصدفة أتاحها الطابع اللاديمقراطي للنظام؟ اليوم, يشهد المصريون معركة انتخابات رئاسية لاختيار رئيسهم ذلأول مرة منذ النظام الجمهوريذ بطريقة ديمقراطية حقيقية! وسط أجواء أسهمت في تشكيلها جميع التطورات والتحولات التي حدثت طوال ستة عشر شهرا, منذ قيام الثورة حتي الآن, والتي أعتقد أن أهمها علي الإطلاق هو أن الثورة المصرية منذ يومها الأول, لم تفرض ذوهذا أمر فريد ويستحق البحث والتحليل العميقذ زشرعية ثوريةس! ولكنها توسلت ذمنذ اليوم الأولذ بشرعية زدستوريةس من نوع ما. وكان ذلك التوجه هو الذي حكم حركتها كلها بعد ذلك, خاصة مع تولي المجلس الأعلي للقوات المسلحة زإدارة شئون البلادس! وهنا أكرر ما سبق أن ذكرته مرارا أنه لو كان لدي الثورة, منذ اليوم الأول, إطارها التنظيمي المؤسسي (في شكل مجلس ثوري, أو مجلس انتقالي... الخ) لكانت الأمور قد اتخذت منحي آخر, ولكانت قد دفعت بالرجل الذي كان له الفضل في إلهامها وحفزها, أي: د. محمد البرادعي! وذلك للأسف لم يحدث! لم تختر الثورة المصرية إذن الشرعية الثورية, فضلا عن أن د. البرادعي غادر الميدان.. وأخذت الأمور مسارها المعروف للمفاضلة بين الدستور أولا.. والانتخابات أولا, ومرة ثانية وبالرغم من أن التوجه مال زللشرعية الدستوريةس فإن قوي بعينها ذالإخوان المسلمونذ فرضوا البدء بالانتخابات أولا, بكل ما حققه ذلك من مكاسب لهم, وما أحدثه من ارتباك في الحياة السياسية المصرية! لانزال نعاني منه حتي الآن, وبلغ ذروته في المشهد العبثي الخاص بمعايير تكوين الجمعية التأسيسية للدستور, وكأن مصر إحدي جمهوريات الموز, بلا تاريخ دستوري, وبلا فقهاء دستوريين. ولكن لأن الدستور لم يكتب بعد (!!), ولأن المجلس الأعلي للقوات المسلحة يصر علي تسليم السلطة في 30 يونيو, كان من الضروري البدء في عملية انتخاب الرئيس الجديد التي سوف تجري في الأسبوع القادم! والذي سوف يمارس سلطاته وفقا زللواقعس الدستوري القائم, الذي اختلف الفقهاء في تعريفه وتحديده. وهنا يقتضي الإنصاف أن نقول إنه في نهاية المطافذ سوف يسجل التاريخ أن أول انتخابات برلمانية حرة ثم أول منافسة رئاسية حقيقية وديمقراطية في مصر الثورة إنما تمت تحت رعاية القوات المسلحة المصرية, وهو مشهد لم يتكرر كثيرا في بلاد العالم من حولنا, ويشرف الجيش المصري, ويضيف بلاشك نقاطا إيجابية لرصيده الوطني لدي الشعب, أيا كانت الأخطاء أو التجاوزات! في ظل تلك الأجواء, تتزايد حدة المنافسة بين عدد من المرشحين الذي يمكن تقسيمهم ذبتبسيط شديد, وبعد استبعاد المرشحين الثانويينذ إلي مرشحين رئيسيين, ومرشحين ثوريين! وليس مصادفة أن أغلبية استطلاعات الرأي العام كشفت عن تفوق السيد عمرو موسي, ليس فقط لأنه زرجل دولةس وله خبرته التي لا يمكن إنكارها, وإنما أيضا لأنه يخوض معركته بكل إصرار وجدية, وحرص علي أن يقدم نفسه للناخبين, وفق منطق وآليات ديمقراطية, بعد أن أكد في مناظرته مع أبو الفتوح زأن النظام الذي سقط لم يكن فيه عمرو موسيس! وفي حين يقدم د. أبوالفتوح نفسه مستقلا عن الإخوان, إلا أن تاريخه هذا لايزال يشكل نقطة الضعف لديه, بالرغم من حرصه الدءوب علي كسب ثقة كل المصريين بلا استثناء! أما الفريق أحمد شفيق, الذي دخل الحلبة متأخرا بعد معركة قانونية, وأظهر وجها حازما صارما فيعتمد علي تشوق ملايين المصريين العاديين إلي الاستقرار والانضباط, فضلا عن تخوف الكثيرين منهم من الإخوان المسلمين, بالرغم من أنه كان من أعمدة النظام القديم! وفي حين يسعي زمحمد مرسيس إلي اجتذاب الناخبين, إلا أن شبهة الرغبة الإخوانية في الاستحواذ تطارده, خاصة وأنهم ذأي الإخوانذ لم ينجحوا في تفسير لماذا نكثوا بوعدهم, وقدموا مرشحا للرئاسة! أما المرشحون الثوريون أي هشام البسطويسي, وأبو العز الحريري, وحمدين صباحي, وخالد علي فيجمعهم زالنقاءس والروح الثورية الجياشة, ولكن نقطة الضعف الرئيسية هي في تعددهم! فأصوات أي منهم سوف تكون في الواقع علي حساب زملائه! وفي حين يمكن أن يكون ترشح زخالد عليس نوعا من التدرب أو البروفة لفرصة أخري يمكن أن تواتيه في المستقبل ذنظرا لصغر سنه, إلا أن الأمر يختلف بالنسبة للآخرين, والذين زيرهقهم أيضا عدم القدرة علي مجاراة مرشحي الصف الأول في الوفاء بنفقات الحملة الانتخابية. ولا شك أن أكثر نقاط زالضعفس جدية يمكن نسبتها إلي تلك المجموعة هو زنقص الخبرةس الذي يردون عليه بأنها مسألة يمكن تعويضها بالمستشارين والخبراء. هذا صحيح, ولكنه أمر له حدوده في بلد, افتقر لفترة طويلة لمؤسسات رئاسية حقيقية, فضلا عن القرار الأخير دائما في يد الرئيس, فما بالك برئيس مصر؟! ولكني أعتقد أنهم جميعا يمكن أن يكونوا أعضاء في فريق الرئيس القادم.. لم لا؟ وربما كان لنا في حالة باراك أوباما وهيلاري كلينتون نموذجا يحتذي! المزيد من مقالات د.أسامة الغزالى حرب