كنت أرفع السماعة وأتوقع حديثًا عاديًا، لكن مع الدكتورة منى الحضيف، تحولت كلُّ كلمة إلى حدث، وكل جملة أصبحت مرجعًا. فمنذ عام 2016 وأنا أعرفها باحثة وناقدة، وعرفتُ أن الكلمات لا تمر من جانبها مرور الكرام. فالناقد، كما تقول تجربتها الطويلة، أشبه بالقاضي الذي يزن الحكمة قبل أن يصدر الحكم، ومع خبرة تمتد لعقود، تصبح رؤيته نافذة على أعمق خبايا النصوص. لم تكن مجرد ناقدة، بل باحثة لها مؤلفاتها وتجربتها المتراكمة، ومن الأسماء التي اقتحمت مبكرًا عالم القصة القصيرة جدًا، لتكون من أوائل من راهنوا على هذا الفن المكثف، ونجحوا في تحويله إلى مساحة دهشة، كما فعلت في مؤلفها "نَفَس"؛ إذ تتحول السطور القليلة إلى مشاهد كاملة، تصلح لأن تُرى لا أن تُقرأ فقط. وفي جلسة قصيرة عبر الهاتف، كانت الكلمات تطير بيننا، تشرحني قبل أن أشرح روايتي "قلب للإيجار". الحديث مع منى الحضيف لم يكن عن الرواية فقط، بل عن روحها وأبعادها، وعن أسلوب قراءة القصص والروايات، وعن كل شيء في السرد الذي يخلق العالم داخل صفحة. ولم يكن للحديث أن يكتمل دون التطرق إلى الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر العربية"، التي يترقبها الأدب العربي في 9 أبريل القادم. تحدثنا عن الروايات التي رُشحت، وعن توقعاتها الذكية، وكيف أن القوائم الطويلة أحيانًا تخفي مفاجآت، وأن اختيار القائمة القصيرة يعتمد على مزيج دقيق من الإحساس، ووجهة نظر لجنة التحكيم، والعوامل الأخرى التي تصنع الفارق. وفي سياق الحديث، لا يمكن تجاهل أن الأدب السعودي قد سجل حضوره في هذه الجائزة، حين فاز كل من عبده خال، ورجاء عالم، ومحمد حسن علوان؛ إذ قدموا أعمالًا روائية أثرت المشهد الأدبي، ولامست الواقع بمسارات اجتماعية وفكرية عميقة، مما يعكس تطور الرواية السعودية وقدرتها على المنافسة عربيًا. إنها تجربة شيقة: معرفة أن الجائزة ليست مجرد مسابقة، بل مرشد لسوق الروايات في العالم العربي، ودليل على جودة النص، وتأهيله ليصل إلى الجماهير. ومما يثير الإعجاب أن منى الحضيف ترى في اختيار الروايات معيارًا فنيًا دقيقًا وغير تقليدي، وتجد في حضور تقنيات مثل "رواية داخل رواية" متعة فكرية تستحق التوقف. كل هذا يجعل الحديث مع منى ليس مجرد مكالمة هاتفية، بل رحلة عبر تفاصيل المشهد الأدبي العربي، رحلة تعكس مدى اهتمامها، واحترافيتها، وشغفها بأن ترى الروائي العربي في كل بقاع العالم يتنفس الحرية والإبداع. ولا يسع المرء إلا أن يحلم بيوم تصبح فيه جزءًا من لجنة التحكيم، لتضيف بصمتها إلى هذا الحدث الكبير، وتساهم في رسم معالم الأدب العربي المعاصر. وفي النهاية، تظل البوكر العربية أكثر من مجرد جائزة؛ إنها حامية لسمعة الأدب، ومستدامة في إخراج أبطال الرواية، وكسب قلوب الجماهير، وتعزيز شغف الروائي العربي في كل مكان. ومن يتابع المشهد اليوم يعرف أن كل دورة من دوراتها، بلجنتها المحترفة، تترك أثرًا لا يُمحى على النصوص وعلى روح الأدب نفسه. _