سالي عبد السلام ترزق بمولودها الأول.. اختارت له هذا الاسم    الأزهر يواصل حملة «وعي».. مدير شؤون القرآن بقطاع المعاهد يرد على شبهة اختفاء خُطَبِ النبي صلى الله عليه وسلم    الأردن يفتح باب استيراد العجل المبرد من مصر لتعزيز المعروض الغذائي    محافظ كفرالشيخ يتفقد مستشفى مركز الأورام الجديد    وزير الخارجية: تعزيز الشراكة مع بنك الاستثمار الأوروبي ضرورة لمواجهة التحديات الاقتصادية    محافظ بورسعيد يتفقد محطة صرف صحي MK بعزبة أبو عوف بحي الزهور ويتابع كفاءة التشغيل واستعدادها لمواجهة التقلبات الجوية    السعودية تؤكد أهمية العمليات التشغيلية البحرية وضمان حماية إمدادات الطاقة    ارتفاع صادرات مصر من السلع غير البترولية الربع الثالث من 2025    محافظة قنا تطلق مشروع تكويد الأشجار ضمن مبادرة 100 مليون شجرة    "اطمئن"..لماذا لا تتأثر مصر بالإشعاعات رغم كل ما يحدث في المنطقة؟    مسئول إيراني: باكستان أو تركيا قد تستضيفان محادثات لخفض التصعيد    مجلس حقوق الإنسان يعتمد قرارا يدين هجمات إيران على دول الخليج والأردن ويطالب بوقفها    أحد أكبر هجمات الحرب.. روسيا تطلق 1000 مسيرة وأوكرانيا ترد بأعنف هجوم ليلي    حكاية محمد صلاح بين أساطير الدوري الإنجليزي التاريخيين . بالأرقام    رئيس شل: أوروبا قد تواجه نقصا فى الوقود خلال أيام بسبب تداعيات أزمة الشرق الأوسط    بعثة منتخب مصر تغادر إلى جدة لمواجهة السعودية    جلسة خاصة فى الأهلى لحسم موقف المُعارين.. اعرف التفاصيل    وزير النقل يتابع انتظام حركة المواصلات رغم سوء الأحوال الجوية.. ويؤكد تطبيق إجراءات السلامة    حملة مكبرة لرفع الإشغالات فى منية النصر بالدقهلية.. صور    وزير النقل يتابع انتظام حركة المرافق تزامناً مع موجة الطقس السيىء    28 أبريل.. النطق بالحكم على متهمين بقتل سيدة وسرقتها فى الجيزة    تأجيل عروض البيت الفني للمسرح بسبب الأحوال الجوية.. واستئنافها الجمعة المقبلة    مهرجان العودة السينمائي يكرّم المخرج الراحل داوود عبد السيد    محمد صبحى يعلن تحضيرات لمسلسل جديد ويؤكد تمسكه بالمسرح    أستاذة اقتصاد: كشف غاز بجنوب كلابشة يعزز أمن الطاقة المصري    مصطفى كامل: خروج هاني شاكر من العناية المركزة وبدء مرحلة العلاج الطبيعي    فيلم برشامة يتصدر أفلام عيد الفطر ويحصد 84.8 مليون جنيه إيرادات    الإدارية العليا: الأقدمية والكفاءة أساس الندب للوظائف القيادية    وزير الرى يتابع أعمال نموذج تطوير إدارة المياه في زمام ترعة الإسماعيلية    شتاء 2026.. أفضل الأدعية المستحبة عند نزول المطر    مصر تُرسل نحو 1000 طن من المساعدات الإغاثية العاجلة إلى لبنان الشقيق    تكريم 26 من حفظة القرآن فى احتفالية كبرى بقرية الخمايسة بسوهاج.. صور    رئيس النواب يبحث مع «مستقبل وطن» دعم الدولة في ظل الأحداث الراهنة    هيئة الدواء: كود ثنائى الأبعاد لكل عبوة دوائية يضمن تتبعها لحظيا داخل السوق    نصائح لكبار السن والأطفال للوقاية من مضاعفات تقلبات الطقس    شوربة العدس مش الاختيار الوحيد.. أفضل الأكلات لمواجهة التقلبات الجوية    تأجيل محاكمة 117 متهماً بالخلية الإعلامية    صراع سعودي مرتقب لضم محمد صلاح بعد رحيله عن ليفربول نهاية الموسم    الداخلية تكشف ملابسات واقعة تعدٍ على سيدة بكفر الشيخ    "البحوث الزراعية" يفتتح يوم حقلي لحصاد وتقييم أصناف بنجر السكر بمحافظة كفر الشيخ    تفعيل غرف الأزمات بمحافظات التأمين الصحي الشامل لمتابعة تداعيات التقلبات الجوية    مجلس جامعة القاهرة يشيد بحكمة الرئيس ورؤيته الاستشرافية في قيادة الدولة المصرية    السيسي يوجه بتوافر احتياطيات آمنة من النقد الأجنبي لتأمين الاحتياجات الاستراتيجية من السلع الأساسية    الأردن أمام الأمم المتحدة: الهجمات الإيرانية على المملكة ودول الخليج خرق فاضح للقانون الدولي    حكاية المصريين القدماء    بمشاركة دولية واسعة..أصيلة تطلق الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الدولي ال47    شوبير يكشف موقف توروب من الاستمرار مع الأهلي    قمة الحسم.. الأهلي والزمالك يتنافسان على لقب دوري السوبر الممتاز للطائرة    تشاهدون اليوم.. مباريات قوية فى تصفيات أمم أفريقيا 2027 وصدامات عنيفة بالدورى الجزائري    شمس ساطعة وطقس مستقر نسبيًا في أسيوط رغم تحذيرات عدم الاستقرار    وزير العمل والمنظمة الدولية يبحثان تعزيز التعاون وإطلاق العمل اللائق في مصر    محافظ أسيوط: إنجاز عالمي جديد.. بطل ناشئ من درنكة ضمن أفضل لاعبي الكيك بوكسينج بالعالم    بالصور ..."حنظلة" الإيرانية تنشر وثائق سرية لرئيس الموساد السابق    مديريات التعليم تصدر تعليمات للمدارس للتعامل مع الطقس السيئ    التطبيق من اليوم، تفاصيل تصديق السيسي على تعديلات قانون الخدمة العسكرية    أسقف أوديسا والبلطيق يدعو المؤمنين للهدوء بعد وفاة البطريرك فيلايتار    صناديق الاستثمار الرياضي.. مصر تطلق ثورة جديدة لصناعة الأبطال    طهران تبلغ واشنطن بعدم رغبتها في استئناف المفاوضات مع ويتكوف وكوشنر وتفضل التعامل مع نائب الرئيس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تغير مكانة مصر الثقافية‏(1)‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 28 - 12 - 2009

عندما أنهي طه حسين كتابه مستقبل الثقافة في مصر سنة‏1938‏ تحدث عن الدور القومي للثقافة المصرية‏,‏ وذلك لأنه لم تكن هناك قوة ثقافية عربية تنافس مصر‏,‏ فقد كانت الأقطار العربية‏,‏ في أغلبها‏,‏ تعتمد علي مصر ثقافيا‏,‏ وتري فيها‏ . الشقيقة الكبري التي يفترض فيها ويجب عليها رعاية بقية الشقيقات والأخذ بأيديهن ولذلك كانت المجلات المصرية كالثقافة والرسالة كالجرائد المصرية هي وسائل الانتشار الثقافي ومن ثم الأدبي ولقد استمرت الريادة المصرية متصلة ومتواصلة مما كان يمكن أن ينشأ من تململ هنا أو هناك‏,‏ ولكن ذلك لم يكن يظهر إلا علي مستوي مبدأ الرغبة لامبدأ الواقع‏,‏ كأن يشكو أبو القاسم الشابي لأحد أصدقائه في رسائل غير منشورة من الغرور المصري الأدبي أو تجاهل المشرق الممثل في مصر للمغرب العربي الذي كانت تونس أبرز بلاده ثقافيا ولكن مثل هذه الحساسيات الثانوية بين المشرق والمغرب لم تكن مؤثرة‏,‏ خصوصا أن مصر ظلت موئل التجديد الأدبي ونصيره وكانت ملاذ المثقفين المهاجرين من أشكال القمع الديني والسياسي‏,‏ والباحثين عن الأمان والحضور الثقافي الذي لايعرف التفرقة علي أساس ديني أو عرقي أو طائفي أو حتي طبقي فكانت مصر واحة الأمان لأمثال أحمد فارس الشدياق وجورجي زيدان وفرح أنطون واليازجي ومحمد رشيد رضا‏,‏ وخليل مطران ومئات غيرهم من الأعلام الذين رعتهم مصر‏,‏ وفتحت لهم الأبواب في كل مجال من مجالات الثقافة ابتداء من الصحافة والفكر والأدب وليس انتهاء بمجالات المسرح والسينما وصناعة الكتاب والنشر‏..‏ إلخ‏.‏
هذا الزمن الجميل ظل مستمرا إلي مابعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ وتواصل طوال الخمسينيات بقوة الدفع الليبرالي لرواد الثقافة المصرية الذين أصبحوا رواد الثقافة العربية وكانت حركات الآداب والفنون المصرية لاتزال في الصدارة بعد أن أضيف لقوة الدفع الليبرالي ألوان من الفكر الاشتراكي‏,‏ فكانت أم كلثوم كوكب الشرق العربي‏,‏ وعبدالوهاب مطرب العرب حتي عبدالحليم حافظ كان تأثيره مجاوزا للحدود المصرية‏,‏ ونجيب محفوظ هرم الرواية الأكبر وقس علي ذلك غيرهم في كل مكان حين كانت مصر الواحة والمنارة والريادة والقيادة‏,‏ لكنها لم تحتل هذا المكان القائد بالثقافة وحدها‏,‏ وإنما كانت الثقافة هي جزءا فاعلا من منظومة متفاعلة متقدمة‏,‏ ولقد ظلت مكانة مصر هي الكبري ماظلت هذه المنظومة متفاعلة‏,‏ ومؤثرة‏,‏ لاتكف عن التجدد العفي ولاتتنازل عن جوانب قوتها‏,.‏ ولذلك كان الأشقاء العرب يرسلون ابناءهم للتعلم في الجامعات المصرية بالدرجة الأولي‏,‏ وكانت الجامعات المصرية موازية لجامعة الدول العربية‏,‏ من حيث كونها فضاء مفتوحا لكل العرب إلي الستينيات‏.‏ أنا شخصيا كانت أدرس في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة في مطلع الستينيات وكان من بين زملائي السوري والتونسي والمغربي والصومالي والفلسطيني والخليجي‏,‏ وفي موازاة التعليم‏,‏ كانت مصر تقدم الخدمات العلاجية المتقدمة لكل العرب الذين يفدون إليها‏,‏ وكانت المتقدمة والسباقة صناعيا واقتصاديا‏,‏ ولاأزال أذكر أن بعض أساتذتي ذهبوا في إجازات دراسية إلي إنجلترا بمرتبهم بالجنيه المصري الذي كان يوازي الجنيه الاسترليني في القيمة الشرائية بعد أن كان متفوقا عليه لفترة‏.‏ وكانت المساعدات المصرية متواصلة للكثير من الأقطار العربية‏,‏ فقد كانت ريادة المركز وقيادته يدعمها التاريخ وتسندها الجغرافيا‏,‏ ويمنحها قوة التواصل تماسك النظام السياسي وقابلية النظام الاجتماعي للتطور والانفتاح وتسامح الفكر الديني السائد‏,‏ فضلا عن مرونة الفكر المدني وتواصل الاهتمام العلمي الذي وصل إلي ذورته مع إنشاء أكاديمية البحث العلمي ومركز البحوث الاجتماعية‏.‏
ويعني ذلك كله أن مكانة مصر الثقافية لم تكن قائمة في فراغ وإنما جزء من منظومة متقدمة بالقياس إلي غيرها وقد كانت الثقافة ولاتزال وتتأثر بعناصر المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية‏..‏ إلخ ولست في حاجة إلي القول إن العلاقة بين أطراف هذه المنظومة هي علاقة أشبه بالعلاقة بين الأواني المستطرقة فالخلل الثقافي يؤثر ويتأثر بالمجال السياسي فإذا شاع الاستبداد السياسي يشيع الاستبداد في الرأي وينفتح الباب للتعصب الديني والاجتماعي والعكس صحيح بالقدر نفسه صحيح أن للإبداع الثقافي قوانينه النوعية التي تدفعه إلي المقاومة والرفض في مواجهة القمع السياسي الديني والاجتماعي‏.‏
ولكن هذه المقاومة ليست مقصورة علي طرف واحد‏,‏ فقوي القمع تؤسس لثقافة مناقضة‏,‏ تشيعها الأجهزة الايديولوجية للدولة التسلطية أو الأجهزة الإيديولوجية للقوي الموازية كما في حالة قوي الإسلام السياسي المتطرف‏,‏ وصحيح أن قيام ثورة يوليو‏1952‏ قد اقترن بنوع من الاستبداد السياسي الذي تجلي في هيمنة التنظيم السياسي الواحد هيئة التحرير‏,‏ الاتحاد القومي‏,‏ الاتحاد الاشتراكي وإشاعة ثقافة الاجماع وتحريم حق الاختلاف لكن قوة الدفع الليبرالي فكرا وابداعا ظلت تغذي الثقافة المصرية بما أبقاها في موضع الصدارة إلي أن حدثت كارثة العام السابع والستين فحدث الزلزال الأكبر الذي تتابعت لوازمه التي كانت بمثابة عوامل النحر التي أدت إلي تآكل المكانة التاريخية للثقافة المصرية وتحلل العناصر اللازمة لقوتها خصوصا بعد أن تكاثرت الحملات التدميرية لذاكرة هذه الثقافة‏.‏
وقد توازي ذلك مع متغيرات عالمية وإقليمية وداخلية‏,‏ فإلي جانب ما أصاب المنظومة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية من خلل‏,‏ كان هناك العولمة المتوحشة المهددة للثقافات المحلية‏,‏ والساعية إلي القضاء عليها‏.‏ وأضف إلي ذلك عاملين إقليميين قلبا الموازين رأسا علي عقب‏,‏ أولهما تصاعد اكتشاف النفط في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية وما صحبه من ثروات متصاعدة أدت إلي ارتفاع معدلات التنمية مقابل انخفاضها في الأقطار التي كانت متقدمة ثقافيا التي أدت بها كوارث الدولة القومية الاستبدادية إلي العديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كان لابد أن تؤثر علي المكانة الثقافية وهناك العامل الحاسم الذي تمثل في إعلان قيام الجمهورية الإسلامية في إيران يناير‏1979‏ وذلك بعد ثورة الخبز في مصر يناير‏1977‏ والانقلاب الرجعي في باكستان يونيو‏1977‏ الذي استعان بالتطرف الديني الإسلامي الذي انفجر بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها لمقاومة التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان ديسمبر‏1979‏ وسبق ذلك كله تحالف السادات مع الإخوان المسلمين في تتابع استعداده للقيام بما أسماه حركة التصحيح والاستعانة بهم في القضاء علي القوي القومية والناصرية فضلا عن اليسارية والليبرالية وما أعقب ذلك من طرد المستشارين والخبراء السوفيت يوليو‏72‏ والتحالف مع الولايات المتحدة والتعاون معها والسعودية في حشد الدعم الديني اللوجستي مال‏,‏ متطوعين‏,‏ عتاد للقضاء علي النفوذ السوفيتي وإخراجه من أفغانستان وهو الأمر الذي أدي بوصول طالبان إلي السلطة الأفغانية وقيام القاعدة التي عولمت الإرهاب الديني الإسلامي وصاغت أصولية مقابلة لأصولية اليمين الأمريكي المتطرف بقيادة بوش وذلك في صدام الأصوليات الذي كتب عنه طارق علي البريطاني الباكستاني الأصل كتابه الذي يحمل العنوان نفسه‏.‏

المزيد من مقالات جابر عصفور


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.