أيام قليلة ونودع عاما فارقا في تاريخ مصر والعالم العربي، إنه العام 2011 الذي شهد ومازال يشهد سجلا حافلا من الأحداث والتطورات المتفردة تارة والمقلقة والمحزنة تارة أخري. كلنا نتذكر كيف بدأت الساعات الأولي من هذا العام، بتفجيرات كنيسة القديسين بالإسكندرية التي أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الضحايا الأبرياء في دلالة واضحة علي سخونة العام والتهاب أحداثه. وما هي إلا أيام قليلة إلا وانتفض الشباب الثائر ليقول كلمته ويطالب بالعيش، الحرية ، والعدالة الاجتماعية، ليثور علي عقود من الظلم والفساد المتغلغل في بنيان المجتمع المصري، تظاهر الشباب واعتصم 18 يوما في أروع ثورة سلمية شهدتها المنطقة العربية، حتي أسقط رأس النظام الفاسد في 11 فبراير، وجميعنا يتذكر بالطبع الخطاب الشهير الذي أذاعه السيد عمر سليمان، معلنا تخلي رئيس الجمهورية عن سلطة البلاد للمجلس العسكري، لندخل مرحلة التحرر الحقيقية كما كنا نتصور! ونطهر منابع الفساد التي أثقلت كاهل المواطن البسيط وزادته فقرا وجهلا وقهرا، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن! حيث دخلنا في دوامة من المظاهرات الفئوية التي لا أنتقد مشروعيتها ولكن أختلف علي توقيتها، فقد صبرنا عقودا طويلة علي الظلم والطغيان والبطالة وانتشار الفساد، فلماذا لم نصبر مرة أخري ونقدم مصلحة بلدنا علي مصالحنا الشخصية، نصبر عام أخر لنرتب الأوراق ونعيد بناء ما أفسده النظام ورموزه علي أساس ديمقراطي متحضر يليق بهذه الثورة التي أبهرت العالم كله. وللأسف هذا الاستعجال والرغبة في الحصول علي الحقوق المسلوبة، دفعنا للدخول في صراعات فئوية فردية كنا في غني عنها في هذه المرحلة، تلك الدوامة المدبرة أحيانا والمشروعة أحيانا أخري، جعلت الأصوات المناهضة للثورة تصطاد في الماء العكر، فأخذت تعد العدة للانتقام من الثورة والثوار وتشحذ عقول البسطاء لإلقاء اللوم علي الشباب الثائر، لدرجة جعلتهم يلعنون الثورة والثوار، ويشككون فيهم ويتهمونهم بالعمالة والخيانة! هذه الأصوات المناهضة للثورة أطلق عليها في البداية "الثورة المضادة"، وعندما دخل الجيش في مواجهات مؤسفة أمام قوي الشعب الثائرة، بدأنا نسمع مصطلح جديد وهو الأطراف الخارجية والأجندات أو "الطرف التالت" والغريب أننا لن نر أي أجندة من هذه الأجندات أو نشهد محاسبة حقيقية إلا لثوارنا أمام المحاكم العسكرية! ولأنه عام يصر علي تفرده عن سائر الأعوام الماضية، رأينا أحداثا أيضا فارقة وغير مسبوقة في ماسبيرو 1 و2، أحداث السفارة الإسرائيلية، محمد محمود، موقعة الحواوشي، وفض اعتصام مجلس الوزراء بالقوة، واحتراق المجمع العلمي بالقصر العيني! وبعد هذا السرد المختصر للعام، أعتقد أننا بحاجة الآن لمواجهة أنفسنا بالعديد من الأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح وعلينا معرفة الإجابة أو العمل علي الوصول للإجابة بأسرع ما يمكن، هل سيستمر هذا الوضع المتخبط علي ما هو عليه أم سيشهد العام الجديد 2012 انفراجة حقيقية للأوضاع المتأزمة والشديدة التعقيد؟ هل سنتعلم من الدروس المستفادة للعام المنصرم، أم ستظل سياسة العناد والمكابرة هي السياسة المتحكمة والمهيمنة علي ذهنية القائمين علي حكم البلاد؟ هل سنشهد محاكمات حقيقية وعادلة وناجزه لرموز الفساد الذين يعيشون في سجونهم عيشة الملوك؟ هل سنترك مجلس الشعب القادم يقوم بدور تشريعي حقيقي؟ هل سنجمع الصفوف ونوحد القوي ونتناسى كل الخلافات ونجلس معا لنضع الدستور الجديد للبلاد؟ هل سنترك المظاهرات الفئوية وقطع الطرق وغيرها من أنواع الاعتصام جانبا لنلحق بالشقيقة تونس ونضع أقدامنا علي الطريق الصحيح؟ هل سنعمل كشعب واحد بنفس روح 25 يناير لنحقق مصالحة حقيقية بين كل أطياف المجتمع، أولها عودة التصالح بين الثوار والجيش؟ قد تكون بعض هذه الأسئلة مثالية ولكن يمكن أن تتحقق، فما كنا نعتبره بعيد المنال تحقق وعلينا مواصلة الطريق، كل ما أتمناه أن يكون العام الجديد بداية حقيقية لنا جميعا، نبني فيها البلد وننقذها من الغرق، وننهي محاكمة الفاسدين ونتفرغ للعمل والعمل فقط، ويكون شعارنا في العام الجديد 2012 "الشعب يريد أن يعمل". كل عام وأنتم بخير... المزيد من مقالات علا حمدى