تشهد المجتمعات علي مر الزمان حالات من الحراك الناجمة عن الرغبة في التغيير والمشاركة في السلطة وهو ما ينبع من مطلب غريزي لدي المجتمعات في الحصول علي حقها في حياة مرتكزة علي العدل والحرية واحترام حقوق الإنسان. وفي وسط حالات الحراك التي تشهدها المجتمعات تظهر حركات التغيير والمقاومة التي تعمل باستخدام طيف من الاستراتيجيات والتكتيكات والوسائل المختلفة من أجل تحقيق أهدافها بالضغط علي السلطة الحاكمة. ومن خلال كتاب حرب اللاعنف..الخيار الثالثيقدم كل من وائل عادل, د.هشام مرسي, أحمد عادل عبد الحكيم شرحا مفصلا لحرب اللاعنفبداية من التعريف مرورا بالجذوروالنشأة وأساسيات وأدوات( أسلحة) ذلك النوع من الحروب وصولا المصطلح ووفق ما جاء بالكتاب فإن مفهوم حرب اللاعنف يعني إستمرار الإجراءات السياسية بهدف إخضاع الخصم من خلال وسائل لاعنيفة أو هوشن صراع حاسم علي الخصوم المعاندين, من خلال التحكم المقصود والمخطط في أدوات القوة السياسية لتحطيم إرادة الخصوم, باستخدام أسلحة لاعنيفة, قوية التأثير. ويري الكاتب أن حرب اللاعنف تختلف عن أساليب مواجهة إرتبطت باللاعنف مثل قوة الحقيقةوالإحتجاج السلميوالمقاومة السلميةوالمقاومة السلبيةوالمقاومة غير العسكريةوالعصيان غير المسلحوالعصيان المدنيواللاتعاونوالمقاومة اللاعنيفةواللاعنف. ومن الواضح أن نشأة حرب اللاعنفبدأت مع نشأة الإنسان ذاته انطلاقا من رفض الإنسان الغريزي للظلم والقهر من جانب وخشيته ونفوره من اللجوء إلي ممارسة العنف المسلح من جانب آخر. ولكن الكتاب يشير إلي وجود أمثلة لاستخدام هذا النوع من الحروب في العصر الروماني عندما كانت الجماهير تثور علي ظلم الحكام الرومان من وقت لآخر بل في إحدي الحالات اضطرت الجماهير إلي الانسحاب من المدينة وإخلائها لعدة أيام إحتجاجا علي ظلم الحاكم. وفي حالة أخري هدد المحتجون علي سياسات السلطة الحاكمة في العاصمة روما بإقامة مدينة بديلة لروما ذاتها في مكان جديد! ويؤكد الكتاب أن حرب اللاعنف نشبت في أكثرمن25 دولة خلال القرن العشرين فقط وأن نسبة النجاح الكلي كانت71% ووالنجاح الجزئي كان11% بينما فشلت حرب اللاعنف في تحقيق أهدافها بنسبة18%. ومن خلال الإحصائية التي وردت بالكتاب يمكن ملاحظة وقوع حرب اللاعنففي كافة أنحاء العالم وفي كافة ثقافاته وأنها كانت في تلك الحالات موجهة ضد أشكال الحكم الديكتاتوري بكافة أشكاله السياسية والعسكرية والأيديولوجية ونظم الحكم العنصرية وضد الإحتلال الأجنبي. أسلحة حرب اللاعنف أما الأدوات, أو كما وصفها الكاتب بالأسلحة,التي تستخدم في حرب اللاعنف فتختلف عن الأسلحة القتالية المستخدمة في الصراعات العسكرية كما تختلف أيضا عن الاستجابات السلمية الهادئة للصراعات مثل الاسترضاء والتفاوض.إنها أساليب تساعد علي الرد والمقاومة. ولكن تتشابه حرب اللاعنف مع الحروب العسكرية من حيث توحيد القوي وإشعال المعارك ووضع إستراتيجيات وخطط وتوفير الأفراد( الجنود)المدربين الذين يملكون الشجاعة والرغبة في التضحية وتنقسم وسائل أو أسلحة اللاعنف في حرب اللاعنف إلي ثلاث مجموعات أساسية وهي: الاحتجاج والإقناع اللاعنيف,واللاتعاون الإجتماعي والإقتصادي والسياسي, والتدخل المباشر. فالإحتجاج والإقناع اللاعنيف يتضمن: إصدار تصريحات رسمية ومخاطبة الجماهير علي نطاق واسع وتنظيم إحتجاجات جماعية وإعتصامات, وإستخدام أعمال رمزية عامة مثل رفع الأعلام والشارات الرمزية وإرتداء الرموز الخاصة وإستخدام الأضواء التي ترمز لمغزي معين وعرض لوحات معبرة وممارسة الضغط علي الأفراد,والمسرح الساخر والموسيقي والغناء التهكمي وتنظيم مواكب وتكريم الموتي بالجنازات الرمزية..الخ وتنظيم تجمعات شعبية وتنظيم انسحابات مخططة مثل الانسحاب الجماعي من البرلمان. أما أساليب عدم التعاون فتشمل نبذ الأشخاص وعدم التعاون مع الأحداث الاجتماعية والتقاليد والمؤسسات والانسحاب من النظام لإجتماعي مثل الهجرات الاحتجاجية وهروب العمال.وعلي المستوي الإقتصادي تحدث مقاطعات إقتصادية للأنشطة والتعاملات التجارية والإضرابات. أما أساليب التدخل المباشر فتشمل التدخلات النفسية مثل الإضراب عن الطعام أو تنظيم محاكمات رمزية معكوسة للخصوم.وهناك التدخل الجسدي مثل الاعتصام وقوفا أو اقتحاما(ماحدث في ميدان التحرير في ثورة يناير2011) والتدخل الإجتماعي مثل المماطلة وإرهاق التسهيلات والمقاطعة الكلامية وإنشاء مؤسسات إجتماعية بديلة.وأخيرا التدخل السياسي الذي يعتمد علي عدد من الأساليب بداية من إرهاق الأنظمة الإدارية وصولا إلي تأسيس حكومة موازية( مثلما أعلنت القوي المعارضة تأسيس برلمان مواز في مصر إحتجاجا علي نتائج الإنتخابات التشريعية عام2010). المستويات الخمسة للبناء التغييري وفي معرض تناوله لحرب اللاعنف تمت الإشارة إلي خمسة مستويات يتكون منها البناء الهرمي لحركة التغيير بواسطة حرب اللاعنف. فقاعدة الهرم تمثل المستوي الأول وتتعلق بالمستوي الفلسفي الذي يشكل الجوانب الفكرية الأيديولوجية التي تستند إليها حركة التغيير.ومن المنطقي أنه كلما قويت الفكرة والمرجعيات الفكرية التي يستند إليها الساعون للتغيير. أما المستوي الثاني فيتعلق بالسياسات التي سيتم اتباعها ويتم من خلالها وضع أطر التحرك وأبعاده ومدي مرونة الحركة ويشترط أن تنبع السياسات وتتفق مع الفلسفة في المستوي الأول وبالتالي يشكل المستويان الأول والثاني محاولة للإجابة علي أسئلة مثل:ماهي الفكرة؟ما جوهرها وأهدافها؟وماهي مرتكزاتها وأخلاقياتها وضوابطها وثوابتها ومتغيراتها؟ والإجابة عن الأسئلة سالفة الذكر تكون بمثابة الدستور أو الكتالوج الخاص بأي حركة تنوي القيام بنشاط من أجل تحقيق التغيير.وفي المستوي الثالث توجد الإستراتيجيات التي تحدد الخطط الطويلة الأمد للحركة إستنادا إلي ما تم وضعه من سياسات في المستوي الثاني.وتحدد الإستراتيجيات الخاصة بالحركة أدوات التغيير الأساسية والأدوات التي تعتزم الحركة الاستعانة بها لحسم الصراع لصالحها. وفي المستوي الرابع تأتي التكتيكات التي تتعلق بفن استخدام الموارد البشرية والمادية المتاحة لتحقيق الهدف الاستراتيجي الذي تحدد في المستوي الثالث. أما المستوي الخامس والأخير والذي يمثل قمة الهرم فيتعلق بالتنفيذ ويقصد به هنا تنفيذ خطوات العمل والإجراءات التي تم تحديدها في إطار التكتيكات بالمستوي الرابع. التدخل الأجنبي ومن المتعارف عليه أن الاحتجاج علي سياسات النظام الحاكم وتحريك الجماهير لمطالبها بالتغيير تعد من الشئون الداخلية في المجتمعات والدول,إلا أنه إذا كانت الصفة الداخلية للصراع ضد السلطة في مجتمع أو دولة ما هي الأصل فإن هناك الاستثناء المتمثل في التدخلات الخارجية بكافة أشكالها ومستوياتها والتي يمكن أن تنتهي بتدمير الأمم بأيدي أبناءها!!