اليوم| بدء صرف منحة ال400 جنيهًا على بطاقة التموين... انتظر رسالة الاستلام على هاتفك    على أصوات هدر البوارج الحربية، جنيف تستضيف اليوم المحادثات النووية بين واشنطن وطهران    واشنطن: حجم طلبات شراء الأسلحة الأمريكية بلغ 900 مليار دولار    اليوم، قرعة ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا والكونفدرالية بمشاركة الرباعي المصري    حبس 5 أفارقة بتهمة الشروع في قتل مالك صالون حلاقة بالمنيرة الغربية    دار الإفتاء تستطلع هلال شهر رمضان اليوم    الرئيس الكيني: نسعى لتعزيز شراكتنا القوية مع مصر في التجارة والاستثمار والتصنيع    تاس نقلا عن مصدر: مفاوضات جنيف تسعى للاتفاق على مبادئ إطار لتسوية الأزمة الأوكرانية    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    ضبط سيدة متهمة بفرض «إتاوة» على سائق سيارة ميكروباص بأحد الطرق في الإسكندرية    نائب الشيوخ بالمنيا يطالب بتحديث تسعير العلاج على نفقة الدولة لضمان الاستدامة الصحية    بتوقيع عزيز الشافعي«إخوات» تشعل المشاعر قبل العرض.. أغنية "أولاد الراعي" تروي وجع الفراق ولمّة الدم بصوت إبراهيم الحكمي    تامر أمين لجمهور الأهلي بعد مباراة الجيش الملكي: العقل يقول أعمل حاجة تفيد فريقي مش الخصم    متحدث فتح: ضم أراضي الضفة امتداد للحرب على غزة    الصحة: إنهاء معاناة 3 ملايين مريض ضمن مبادرة قوائم الانتظار بتكلفة 31 مليار جنيه خلال 7 سنوات    الرجفة ليست مقياسا، 4 علامات تحذيرية مبكرة لمرض باركنسون    تصريحات عاجلة ل ترامب وقرارات بشأن "مجلس السلام فى غزة" وتايوان.. فيديو    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الثلاثاء 17فبراير    الإفتاء: التهنئة بقدوم شهر رمضان جائزة ولا حرج فيها    دعاء الفجر.. أدعية تزيل الهموم وتجلب الخير    حقيقة اهتمام مانشستر يونايتد وتشيلسي بالتعاقد مع يورجن كلوب    قمة الذكاء الاصطناعي «Ai Everything» تشهد توقيع كتاب تروما الصحافة الاقتصادية    الجمال القابضة وLectrobar توقعان اتفاقية شراكة في مجال أنظمة الباص واي    6 مطالب من المواطنين لمحافظ أسيوط الجديد الرقابة وتقنين الأراضي وتطوير العشوائيات    عمرو سعد يتكفل ب30 غارمًا وغارمة ب10 ملايين جنيه تزامنًا مع مسلسله «إفراج»    وزير الخارجية: مصر حققت ما لم تحققه أي دولة أخرى في 10 سنوات باستثمارات 600 مليار دولار في البنية التحتية    رئيس رابطة الأندية: لم نتلقَّ برنامجًا للمنتخب المشارك في كأس العرب    محافظ أسوان الجديد: الملف السياحي على رأس أولوياتنا خلال المرحلة الحالية    الجيش النيجيري يؤكد وصول قوات أمريكية للبلاد    السفير المصري لدى الفلبين يستقبل وفداً من الطلاب الدارسين في الجامعات الفلبينية    إحالة عامل للجنايات بتهمة إنهاء حياة زوجته حرقًا في الإسكندرية    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 17 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    وليد دعبس يدعو لاجتماع طارئ بسبب أزمة التحكيم: الأندية تُنفق الملايين وحقوقها تُهدر    لماذا لم يشارك محمد رمضان في سباق الدراما بعد جعفر العمدة؟.. ناقد فني يوضح    د.حماد عبدالله يكتب: "عبقرية" المصريين !!    ضبط «صيدلي» انتحل صفة طبيب بشري بسوهاج    طريقة عمل الأرز المقلي بقطع اللحم على الطريقة الآسيوية    جمال شقرة يدعو زاهي حواس إلى مناظرة علنية حول ثورة 23 يوليو وتاريخ مصر الحديث    السيطرة على حريق هائل بمخزن قطع غيار سيارات أسفل عقار سكني في بنها | صور    أمانة طاقم إسعاف.. "عادل وأسامة" أعادوا 370 ألف جنيه لمصاب بحادث بالبحيرة    جوان جارسيا: هدف تقدم جيرونا كان من مخالفة ولكن    أشرف داري يكشف عن شرطه الوحيد للرحيل عن الأهلي    ماروتا: تمثيل باستوني؟ يوفنتوس تأهل لأبطال أوروبا بسبب حادثة مشابهة ضدنا    سكوت ريتر: حاملة الطائرات أبراهام لينكولن هدف سهل لإيران مثل "بطة جالسة" تنتظر الغرق    الباحثة هاجر سيد أمين تحصل على درجة الماجستير بتقدير امتياز عن دراسة الأمثال الشعبية    جراحة مجهرية ببنها تنقذ رضيعاً من عيب خلقي بالمريء    أين تحفة برلين السينمائية؟.. تساؤلات مشروعة حول برمجة أفلام المسابقة الرسمية بالدورة ال76.. الجمهور ينتظر بشغف وتعطش رغم برودة الطقس فى ظل تراجع مستوى الأعمال المقدمة    بعد نهار حار.. انخفاض فى درجات الحرارة بمحافظة بورسعيد.. فيديو    أنوار وزينة رمضان.. فرحة أهالى بورسعيد بقرب حلول شهر رمضان.. فيديو    أخبار مصر اليوم: السيسي يشهد أداء المحافظين الجدد اليمين الدستورية.. رئيس الوزراء يستعرض أولويات المرحلة المقبلة في الملفات الاقتصادية.. الأرصاد تحذر من انخفاض كبير بدرجات الحرارة    نقابة الأشراف تحسم الجدل حول نسب «زينة» ونجليها    جامعة الدلتا التكنولوجية تشارك في ملتقى الشراكات التعليمية الدولية بالقاهرة    محافظ المنوفية الجديد يقدّم خالص الشكر للمحافظ السابق    تحصيل القمامة واكتمال منظومة ضبط التوكتوك.. أبرز ملفات محافظ الغربية الجديد    «المدينة التي لا تغادر القلب».. كلمات وداع مؤثرة لمحافظ الإسكندرية قبل رحيله    ذات يوم.. 16 فبراير 1955..الدكتور طه حسين يكشف للشاعر كامل الشناوى عن مشاعره أثناء طوافه حول الكعبة بمكة ووقوفه أمام قبر الرسول عليه السلام فى المدينة المنورة    طلب إحاطة بالنواب حول الكود الإعلامي للطفل وآليات تطبيقه في مواجهة الانتهاكات    عاجل- الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف بالمساجد خلال شهر رمضان 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طرابلس‏..‏لؤلؤة متألقة علي جبين الصحراء العربية
نشر في الأهرام اليومي يوم 30 - 09 - 2011

زمردة ساطعة علي صدر البحر المتوسط‏,‏ ولؤلؤة متألقة علي جبين الصحراء العربية‏,‏ مليحة في تراثها غنية في ثرائها‏,‏ وثرية في عراقتها وحميمة في دفء طبيعتها‏. سماؤها تمتد كخيمة لازوردية, وسواحلها تنبسط بطريقة مخملية وشعبها مضياف بأصول حاتمية وأرضها تتسع للأفكار التقدمية.
هنا الحضارة والتاريخ والجهاد والايمان.. هنا الأصالة والتسابيح والتاخي والتسامح, هنا طرابلس الغرب التي حملت الفاتحين الأوائل عبر البحار والمحيطات لنشر سماحة الاسلام في المدن والشطآن.
ها هي طرابلس الليبية تجدد الدعوة بالتواصل والتآلق والاشعاع سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا لتكون منارة المتوسط ودرته الساحرة وواحته الفيحاء المشرقة.
ها أنا أعود إلي هذا البلد الشقيق الذي طالما عرف بكفاحه ونضاله وصموده, طرابلس الغرب كانت إحدي المع عواصم الامبراطورية الرومانية وأزهي ثغور الشمال الافريقي للفتح الاسلامي والحضارة العربية, فهي من أشهر المدن القديمة التي أبهجت العالم, وانتهضت هذه المدينة عبر خمسة عشر قرنا من عهودها المزدهرة بزمام الحضارة التي طفحت بحياة نابضة بالأصالة والابداع, فأضحت طرابلس الأشمخ بين حواضر الدنيا القديمة لما بلغته من رفعة وعظمة, عاشت في عمق الزمن بين خليج سرت في البحر وبين الجبل والبر غنية بأرضها متميزة بجمال مناظرها وروعة عمائر فريدة في خصوصيتها وحدائقها من نخيل وأعناب وزيتون ورمان, لقد تأنقت طرابلس بدقة تخطيطها ونسق شوارعها وشموخ أسوارها وبواباتها وما فيها من تحصينات منيعة, وإذا كان ثمة أسطورة تفسر تصحر المنطقة الخضراء, حيث تقوم ليبيا اليوم فإنه لايمكن تفسير تلك الأسطورة إلا بالتاريخ, فتاريخ ليبيا التي توالي عليها المحتلون والمستعمرون والطغاة حافل بالثورات وحرب التحرير والجهاد والمواجهات, واليوم تتباهي ليبيا بجمالها وصمودها ونضالها الفتيه, حيث تتلقي رسائل حب وتقدير واحترام من المجتمع الدولي, تعانق المناظر الغنية ويحط طائر النورس في بحارها وتحت سمائها اللازوردية ليعلن طرابلس حرة أبية عاصمة مشعة ومتألقة للحرية والديمقراطية والعدل والمساواة, اختارت طريق العفو والتسامح والاخاء كي تنظر إلي الأمام وتبني من جديد.
ها أنا أري التاريخ يعطر شوارعها بخيول عقبة بن نافع ليفتح بلادا وآفقا غنية وعلي سواحلها تنقش المرأة أشواقها وابداعاتها وحكاياتها الثرية وفي صحرائها ينادي عمر المختار أسد الصحراء في زمن لا حدود له ولا مسافات وفي نسق لا منتهي له يشد الأسماع والأنظار هيا اصنعوا ملحمة ساحرة أبية.
الطريق إلي طرابلس يمر عبر مطارها الدولي, ذلك المطار الذي هبطت فيه عشرات المرات وأعرفه جيدا, لكن هذه المرة لم يكن المطار هو محطة الدخول نظرا للأحداث المتسارعة والمتلاحقة لتحرير المدينة من كتائب القذافي. الطريق هذه المرة كان عبر مدينة جربة التونسية الساحلية السياحية والتي تضم أكثر من041 ألف نسمة ويؤمن08% منهم معيشتهم من القطاع السياحي مباشر أو غير مباشر.
اكتظت المدينة بالآلاف من الليبيين الذين ينتظرون السقوط الكامل لنظام معمر القذافي ونهاية المعارك للعودة إلي ديارهم, السيارات الفخمة والفارهة تحتل شوارع المدينة ويملأ أصحابها المطاعم والمقاهي والمتاجر, كثافة الليبيين الذين لجأوا إلي جربه جنبوا الجزيرة كارثة سياحية بعدما ابتعد عنها الأوروبيون منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي, المسافة من جربه إلي طرابلس تستغرق ما يقرب من ساعتين بالسيارة تتخللها عدة نقاط تفتيش أبرزها منفذ رأس جدير الحدودي, المشهد داخل المنفذ كان مختلفا تماما, عائدات ليبية تتزاحم, سيارات كثيرة تحاول العبور إلي ليبيا تبدو الحركة شبه منظمة مع انتشار الجنود الذين يحملون السلاح, هنا تستطيع أن تدرك أن الثورة قد وضعت أوزارها رغم أن القذافي مايزال حرا طليقا داخل الوطن الليبي, لازالت بعض جيوب الكتائب الخضراء تتموقع في أماكن مختلفة بعيدا عن الحدود.
الطريق من جربة إلي طرابلس أعاد لي كثيرا من الذكريات, حيث قطعته مرات عديدة أثناء الحصار الغربي الذي كان مفروضا علي ليبيا بسبب الاتهامات الغربية بضلوعها في تفجير الطائرة الأمريكية المعروفة بأزمة لوكربي, ونحن الآن في الطريق نمر علي مدينة الزاوية التي تبعد حوالي03 ميلا غرب طرابلس, وربما كانت تلك المدينة هي نقطة التحول الرئيسية في معركة طرابلس, حيث استطاع الثوار الاستيلاء علي مصفاة النفط في الزاوية علي طول الطريق, وكان سقوط الزاوية قد أعاق جميع امدادات الوقود المتبقية إلي طرابلس مما جعل مشكلة أمام حكومة القذافي ساعدت إلي حد بعيد في استيلاء الثوار علي العاصمة الليبية. وحسب مصادر مطلعة لدي الثوار فإن قواتهم تقدمت نحو طرابلس بواسطة الثوار, حيث توجه أسطول صغير من مصراتة في عملية أطلق عليها الثوار اسم فجر عروس البحر وقد تصادف ساعة الصفر لدخول طرابلس مع ذكري فتح مكة علي يد الرسول محمد صلي الله عليه وسلم.
نحن الآن داخل العاصمة الليبية طرابلس مدينة بألف وجه وألف حضارة تقوم علي أبواب قارتين وتستلهم منهما تراثين, واحد يشدها نحو الأصالة والآخر يجذبها نحو الحداثة, تقع في الشمال الغربي من البلاد مقامة علي رأس صخري مطل علي البحر المتوسط مقابل الرأس الجنوبي لجزيرة صقلية, يحدها شرقا منطقة تاجوراء, وغربا جنزور, وجنوبا منطقة السواني والبحر المتوسط شمالا, نشأت طرابلس زمن الفينيقيين كمحطة تجارية وسوق لتصريف المواد
الصقليون واحتلها الأسبان بعد ذلك في عام1510 ميلادي ومع بداية القرن السادس عشر شهدت منطقة حوض البحر المتوسط صراعا بحريا بين الدول الأوربية وبين العرب المسلمين حيث اتجهت اسبانيا بقواتها لمهاجمة مواني شمال افريقيا ومنها طرابلس واحتلتها لوقف المد العثماني الذي ظهر كقوة بحرية كبيرة في حوض البحر المتوسط ونتيجة لاستعداد المقاومة الليبية الوطنية وتزايد الخطر العثماني في البحر فان الأسبان تنازلوا عن طرابلس لمنظمة القديس يوحنا عام1530 ميلادية.
العهد العثماني
ناشد الطرابلسيون الدولة العثمانية باعتبارها دولة الخلافة الاسلامية الدخول الي طرابلس واخراج فرسان القديس يوحنا وقد تمكن العثمانيون من ذلك بقيادة القائد العسكري درجوت باشا الذي اتخذ من ثاجورار مقرا للقيادة واصبحت طرابلس تحت الحكم العثماني الأولية من افريقيا السوداء واستمر دور هذه المدينة في مجال التبادل بين الشمال والجنوب فامتد اتصالهم باتجاه الجنوب يغطي مجموعة من أقطار افريقيا وفي العصر الروماني امام الرومان منشأت رومانية لم يتبقي, منها سوي قوس النصر في البلده القديمة والمعروف بقوس.
ماركوسي اوريليوس نسبة لذلك الامبراطور الروماني وفي ذلك العهد أيضا منحت المدينة درجة المستعمرة زمن تراجان أواخر القرن الأول الميلادي حتي عهد الامبراطور انطونيوس في القرن الثاني الميلادي لتصبح ضمن اقليم طرابلس وخضعت المدينة لحكم الوندال في القرن الخامس المبلاد والحكم البيزنطي في القرن السادس الميلادي.
الفتح الاسلامي
وفي عام654 فتحها العرب المسلمون زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وبقيت المدينة تحت الحكم العربي بعد ذلك ماعد فترة من1146 1158 ميلادي عندما استولي عليها النورمان مرت علي ليبيا بشكل عام وطرابلس علي وجه الخصوص الكثير من الأحداث والمعارك ثم اصبحت تحت الاحتلال الايطالي واعتبرت روما أن ليبيا هي الشاطيء الرابع لايطاليا وحدثت مواجهات عنيفة بين القوات الايطالية والمقاومة الشعبية المحلية اسفرت عن اعلان الجمهورية الطرابلسية إلا أن الايطاليين استمروا في السيطرة علي المنطقة حتي هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية حيث بدأ الانتداب البريطاني الذي انتهي باستقلال البلاد عام.1951
هنا طرابلس الغرب والغروب يغلفها كل ليلة بستائره الملونة بذهب الرمال وزرقة البحار والغرب يلازمها ليمييزها عن شقيقة لها في الشرق هذه المدينة التي تحمل موروثا مازال يتجلي حتي الآن ومساويء جسيمه رافقت رحلتها بشكل خاص.
أنني اقرأ بامعان في تاريخ هذه الدولة.. عناوين سريعة لوطن مقتول ربما يكون ذلك عنوانا لكتاب من الشعر او الأدب ولكنه بكل تأكيد كان عنوانا آخر لحزمة من الأوجاع والألم والبؤس كانت تسمي ليبيا كان ذلك زمن الاحتلال والقواعد الأجنبية, وكانت ليبيا تحتاج الي ثورة وطنية لتحريرها من خمس قواعد امريكية وسادسة بريطانية, كانت تحتاج الي ثورة اقتصادية لتحرير ثروتها وأكثر من مشروع مارشال لاعادة انتاج الحياة, فوق هذه الأرض كانت تحتاج الي ثورة تعليم للاطاحة بالأمية والجهل, وكذلك زراعية لتضييق الخناق علي التصحر واخري سكانية لتحويل البلاد الي مساكن صحية وثورة ثقافية لتغير وجه الحياة الاجتماعية في ليبيا.
وحينا قامت ثورة الفاتح من سبتمبر استبشر الجميع خيرا بتحقيق هذه الأهداف.
غير أن العناوين السريعة لوطن مقتول تحولت الي عناوين بطيئة لوطن مآزوم مخطوف مخنوق محاصر مقيد عاجز وأصبحت ليبيا تحتاج الي ثورة لتحرير الانسان نفسه فوق هذه الأرض وتحرير ارادته واحترام كرامته وصون آدميته.
كانت المسيرة طويلة وكان الطريق صعبا مملوء بالحواجز والمشاكل والعراقيل, الذين زاروا مدينة طرابلس مرات عديدة مثلي وتغلغلوا في أزقتها الفريدة وساروا في ساحاتها وشوارعها العتيقة وامتلأت خياشيمهم بروائع نعناع وخضار اسواقها الشهيرة وقضوا لياليهم علي كورنيشها الواسع الأنيق يعلمون تماما كيف كانت البلد مآزومة ومخنوقة؟!
برغم أن في قلب كل طرابلس ركن للموسيقي والفنون والأدب مغسول بالبهجة والطرب وفي كل زاوية من مدينتهم حديث للحجر ممزوج بالتاريخ والأدب والنضال والكفاح, واذا كانت الموسيقي في الحي الطرابلس تصدح بكل ما فيها من شجن عاشق وحنين الي الاصالة فان المسافة في المدينة العتيقة بين الانسان والمكان لايثنيها أحد لأنها لاتكاد تبدو بعد أن الف بينهما حب زادته السنون رصانة فأصبح كل طرابلسي سفير مدينته حين يتحدث وصوتها حين يغني وعقلها حين يفكر وشاعرها حين يكتب.
واذا كان بين طرابلس الغرب والغروب قصة فان لها مع الشروق قصة أخري بدأت يوم اشرقت هي ويوم قدر لها ان تقبل علي بابين من أبواب الحضارات, فحظيت بنصيب التاريخ الأكبر, باب فتحته علي الرمال استلهمت منه شرف الحكمة, وباب شرعته للبحر وصل منه دعاء المغامرة, واليوم تفتح بابا ثالثا للكفاح والجهاد لتحصل علي استقلالها الثاني وحريتها وكرامتها, كل هذه المفردات العائمة القاتمة والأفكار المتتالية مرت في خاطري وانا جالس علي الكورنيش والشمس تغطس وراء الأفق علي انغام تكسر أمواج البحر الطرابلسي علي الأحجار الاسمنتية
سرحت مع الغفوة عندما رنونا بعين احاول لمس نبض الشارع الليبي, واذا اردت أن تجتمع بجميع طوائف هذا الشعب فليس امامك سوي ساحة ميدان الشهداء للتعرف علي الوليد الجديد وملامح تكوينه كانت اسمها الساحة الخضراء وكانت المكان المفضل للاحتفالات الصاخبة لثورة الفاتح اليوم أسير فيها فهل أتمكن من قراءة أسماء الشهداء الليبيين كان علينا أن نبدأ من الافتتاح منذ منتصف فبراير الماضي حينما كانت المدن محاصرة والمستشفيات كاملة العدد والأزقه في غرف اسعاف, والرصيف عناية مركزة والطبيب اصبح جريحا والجريح متظاهر سلمي الثورة كانت سلمية واستمرت عدة شهور هنا كان المتظاهرون يطالبون بالحرية والكرامة وعودة الحياه الي مجتمع ثم تجفيفه.
وظني أن قدر هذه البلاد أن تدفع دوما ضريبة ماتختزنه من أحلام وثروات او كان ما في باطن الأرض لايغذيه إلا عرق أبنائها ودموعهم ودمائهم وتعوقهم المشروع الي العدالة والحرية والمساواة والديمقراطية.
هكذا دارت الأيام وتغيرت الأحوال وأري علم الثوار يرفرف علي متحف السرايا الذي يقع بين البلده القديمة وسط العاصمة وساحة الشهداء.
ومتحف السراي الحمراء جزء من مجمع متاحف تحتضنها قلعة طرابلس التي بنيت علي انقاض مبني روماني ضخم, واشتهرت عبر التاريخ بكونها حصنا اساسيا للدفاع عن المدينة ورد الغزوات التي تستهدفها, ومتحف السراي الحمراء لا يخص طرابلس فقط بل متحف ليبيا كلها حيث انه يحتوي علي تماثيل حجرية وصخرية ورملية وقطع معدنية وملايين القطع النقدية وفخاريات متنوعة بينها الأواني والتماثيل الصغيرة وتعود كلها الي حضارة ما قبل التاريخ والرومان والفينيقيين والبيزنطيين والحضارة الاسلامي.
ها أنا أعود الي خزائن الذاكرة وأنا أري العلم الملكي يرفرف فوق المتحف تأكيدا من الثوار علي انتهاء حقبه القذافي والعودة الي ما قبل حقبته وقد امتدت الفترة الملكية بين عامي1951 الي1969 ويتكون علمها من الأحمر والأسود والأخضر ويتوسط هلال ونجمة خماسية باللون الأبيض واستوحيت فكرة هذا العلم من بيت الشعر الشهير للشاعر العراقي صفي الدين الحلي بيض صنائعنا سود وقائعنا.. خضر وأيضا حمر مواضعنا حيث يدل الأسود علي الحقبة الاستعمارية والأحمر علي دماء الشهداء والأخضر علي الأرض الليبية فيما ترمز النجمة الخماسيةالي نور الاسلام وأركانه الخمس.
لكن بعد وصول القذافي الي الحكم عبر انقلاب عسكري علي حكم الملك محمد ادريس السنوسي في سبتمبر1969 تم تغيير العلم الي الالوان الأحمر والأبيض والأسود والسنوسي هو أول حاكم لليبيا بعد الاستقلال وهو الرجل الذي اعلن من شرفة قصر المنار في بنغازي24 ديسمبر1951 استقلال بلاده بعد جهاد طويل قاده المجاهد عمر المختار ضد الاحتلال الايطالي.
وفي21 نوفمبر1977 حذف القذافي اللونين الأحمر و الاسود وجعل العلم من لون واحد فقط هو الأخضر.
بدت لي الصورة مختلفة بشكل جذري في مدينة طرابلس تلك المدينة التي تقف علي أرض مرتفعة قليلا عن البحر ذات حجم كبير مترامية الأطراف ويعيش بها نحو مليوني ليبي ومليون مهاجر علي الأقل فهي المرة الأولي منذ أكثر من40 سنة يمارس سكان طرابلس حرية النقاش السياسي في الأماكن العامة مع التطرق الي مسائل تثير القلق بشأن المستقبل الحديث يدور بكل صراحة وشفافية حول تشكيل الحكومة الليبية الجديدة والتي بدأت تثير جدلا بين الانتقالي والتنفيذي والثوار لكن البعض يعتبرها ظاهرة ديمقراطية سليمة وتعد أول ممارسة عملية للحوار السياسي بعد حكم القذافي.
الحوار يدور هنا أيضا حول البحث عن القذافي واعوانه وان خريطة من محرك البحث جوجل تتعقبه البعض يري انه في مدينة بني وليد وهي مدينة ليبية تبعد عن طرابلس بنحو180 كم باتجاه الجنوب الشرقي وهي مرتبطة بعائلة بن تلبس التي بنت فيها مدينة لاتزال قائمة الي الآن.. لكن معركة بني وليد تحكمها عوامل الطبيعة الجبلية وتضاريس المدينة علي حد قول الناطق العسكري للثوار هكذا تدور المعارك العنيفة حول هذه المدينة التي ربما يكون العقيد القذافي واعوانه مختبئين فيها.
أما سرت المدينة الثانية التي يعتقد البعض ان القذافي موجود فيها فهي مدينة ساحلية تقع علي البحر المتوسط بين طرابلس وبني غازي وتبعد عن العاصمة450 كم وتطل علي الخليج المتفرع من البحر الذي عرف باسمها والذي كان يعرف بخليج السدرة وقد اطلق علي المدينة اسم الرباط الأمامي بعد المواجهات ابان الحرب الباردة بين امريكا وليبيا وقد اطلق علي خليجها اسم خليج التحدي.
وقد شهدت المدينة أهم حدثين في تاريخها هما اعلان الاتحاد الأفريقي في9 سبتمتبر1999 بمجمع قاعات واجادوجو الذي هو من معالمها الشهيرة وتوقيع اتفاق سلام البحيرات العظمي وتعقد فيها بشكل دوري اجتماعات مؤتمر الشعب العام الليبي وتنظم فيها المؤتمرات الدولية, كما عقدت فيها القمة العربية الثانية والعشرون وتم اختيارها من طرف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الإسيكسو عاصمة للثقافة العربية عام2011 لكن الاحتفالات لم تتم حتي الآن نتيجة للأحداث المتسارعة وقد أعلن القذافي مدينة سرت عاصمة له في1 سبتمبر2011 بعد فقدانه السيطرة علي طرابلس خلال هجوم الثوار.
الجميع هنا يؤكدون أهمية سيطرة الثوار سيطرة كاملة علي جميع انحاء طرابلس خاصة منطقة المطار والتي تبلغ مساحتها نحو الفي فدان وتقع الي الجنوب من قلب المدينة علي بعد25 كم.
وهو الطريق الذي يصل أيضا الي ثكنه العزيزية التي وقعت تماما في أيدي الثوار والتي كان القذافي يتحصن فيها مع رجاله في قصره المسمي بقصر القبة في مساحة3 كم ثم اصبحت مساحتها10 كم مربع عام1996 ثم توسعت ايضا في عام2000 بحيث اصبحت المنطقة التي يقع بها قصره فوق20 كم مربعا واحيطت بثلاثة اسوار أسمنتية بارتفاع12 مترا ثلاثة في العمق الأرض و9 امتار ارتفاع فوق الأرض وبعرض واحد متر وبها بوابات متغيرة الاتجاهات بكل سور غير متقابلة والحركة داخل المنطقة ممنوع فيها السيارات للدائرة الأولي الحراسة الشخصية الخاصة للعقيد ويتم تغير كلمة السر للمرور من هذه البوابات كل دقيقة وهي مدروسة حسب المسافة التي يستغرقها السائر علي قدميه بين البوابة الأخري50 دقيقة خوفا من حدوث اي اختراقات وداخل كل سور تقع احدي الكتائب الخاصة بعدد كبير من الجنود فضلا عن حراسات الابراج والمدفعية والمضادات والعربات المصفحة والدبابات وقد انهارت تماما فور اقتحام الثوار لها.
{{ حقا كم كان مؤلما مشهد ليبيا بعد سقوط النظام الذي عاش لسنوات طويلة في صندوق أسود, واجهض انقلاب الفاتح من سبتمبر مرحلة بناء الدولة واضاع من اعمار الليبيين أكثر من أربعة عقود حيث لا وجود لمرتكزات الدولة, والآن تبدو الأوضاع معبرة عن حالة وطني منهك وتصحيح لمسار خاطئ, لكن المشهد يموج بالافكار والرؤي بحثا عن ليبيا الغد التي يتمناها الجميع واحة للديمقراطية تحترم كرامة الانسان وحقوقه المشروعة دولة قائمة علي آساس احترام وتطبيق مبادئ الحرية والفصل بين السلطات تحترم التعددية السياسية وحرية تشكيل الأحزاب والتداول السلمي للسلطة, دولة تحترم حرية الاعتقاد والعبادة وحرية الأديان, قائمة علي سيادة القانون والعدل والمساواة وتحارب الفساد بكل اشكاله وتستند الي مبادئ النزاهة والشفافية, دولة تضع التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية والرعاية الاجتماعية علي رأس أولوياتها, هاهي ليبيا تمد جسور المحبة والمودة والأخاء لتكون منارة الحرية علي شواطي المتوسط.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.