سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
ذات يوم.. 16 فبراير 1955..الدكتور طه حسين يكشف للشاعر كامل الشناوى عن مشاعره أثناء طوافه حول الكعبة بمكة ووقوفه أمام قبر الرسول عليه السلام فى المدينة المنورة
سافر عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين إلى السعودية يوم 15 يناير 1955، لرئاسة اجتماعات اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية فى جدة، واستمرت الزيارة 19 يوما وسط حفاوة رسمية وشعبية وثقافية سعودية كبيرة، وفقا للدكتور محمد حسن الزيات، وزير خارجية مصر عام 1973، وزوج ابنة طه حسين فى كتابه «ما بعد الأيام». انتقل طه حسين من جدة إلى المدينةالمنورة بشوق كبير ومعه تلميذه الدكتور أمين الخولى، وأحد مرافقيه فى الزيارة، وتعذر الانتقال برا بسبب السيول الجارفة على المنطقة، وفشلت محاولات «الخولى» بما فى ذلك اتصاله بالأمير فهد فى توفير وسيلة نقل برية، لأن طه حسين لا يحب ركوب الطائرة، وأخيرا اضطر إليها راضيا ورافضا التأجيل. انتهت الزيارة وعاد طه حسين مشحونا بعواطف دينية فياضة عبر عنها فى حواره للشاعر والكاتب كامل الشناوى، والمنشور بمجلة «آخر ساعة»، عدد رقم 1060، يوم 16 فبراير، مثل هذا اليوم، 1955، وكان «الشناوى» من تلاميذ «العميد»، وعمل تحت رئاسته منذ عام 1930 بجريدتى «الوادى» و«كوكب الشرق.» فى مقدمة حواره قال «الشناوى»: «ذهب الدكتور طه حسين إلى جدة فى مهمة ثقافية تتعلق بالجامعة العربية، ولكنه لم يكتف بالإقامة فى جدة، بل قصد إلى مكةوالمدينة، حج، وزار، وقبَل الحجر الأسود، ووقف فى المسجد الحرام يناجى ربه، وسألته غداة وصوله إلى القاهرة: «كيف كان شعورك وأنت فى هذه الأماكن المقدسة؟»، وأجاب «طه»: «سألونى هناك مثل هذا السؤال: وقلت لهم، ما بالكم تقحمون أنفسكم بين المرء وربه»، رد «الشناوى»: «إننى لا أقحم نفسى بينك وبين ربك، ولا بينك وبين قلبك، ولكن أحاول أن أقحم معلوماتى عن المفكر، الحر، الثائر، طه حسين، لقد عرفتك لا تبالى ما يقول الناس عنك، وما أكثر ما قالوا، بل أكثر ما صنعوا، اتهموك بالكفر، ووصل الأمر إلى النيابة العامة، وخرجت من الاتهام بريئا نقيا، كان ذلك منذ ربع قرن أو أكثر، عندما ألفت كتابا عن الشعر الجاهلى، لقد عرفت الشائعات، فمن حقى الآن أن أعرف الحقيقة». يصف «الشناوى» حالة «العميد» وهو يشحن نفسه بالإجابة، قائلا: «مسح جبينه بيده، كأنما يحاول أن ينفض من رأسه غبار بعض الذكريات، وقال: سبق أن عشت بفكرى وقلبى فى هذه الأماكن المقدسة زهاء عشرين عاما منذ أن بدأت أكتب «على هامش السيرة» حتى الآن، ولما زرت مكةوالمدينة أحسست أننى أعيش بفكرى وقلبى وجسدى جميعا، عشت بعقلى الباطن، وعقلى الواعى، استعدت كل ذكرياتى القديمة، ومنها ما هو من صميم التاريخ، ومنها ما هو من صميم العقيدة، وكانت الذكريات تختلط بواقعى، فتبدو حقائق حينا، ورموزا حينا، وكأن الشعور بها يغمرنى، ويملأ جوانب نفسى». يسأله «الشناوى» عما إذا كان هذا الشعور أخرجه عن المألوف، فيجيب: «لم أصل إلى درجة الانجذاب وكنت دائما فى كامل وعيى، أخذتنى الرهبة والخشية والخشوع كل ما أخذ عندما كنت وحدى»، ويضيف: «زرت الأماكن المقدسة مرة واحدة، وكنت مع الناس ومع نفسى فى وقت واحد، لقد جرت العادة عندما يصل المرء إلى الكعبة، أو المسجد الحرام أن يتسلمه طائفة من الناس، يسمون فى مكة «المطوفين»، وفى المدنية «المزورين» أى الذين يقومون بإجراءات الزيارة لقبر الرسول عليه السلام، وحاولت جبهدى أن اتخلص من «المطوفين والمزورين»، لكن محاولاتى ذهبت هباء، ووجدتنى بين أيديهم أردد بلا وعى ما يقولونه، ووجدتنى فى الوقت نفسه وحدى وإن كنت فى صحبتهم، كنت شخصين، شخصية واعية بلا كلام، وشخصية متكلمة بلا وعى، كانت الشخصية المتكلمة بلا وعى ترد كلام المطوفين والمزورين، وكانت الشخصية الواعية بلا كلام تناجى ربها فى صدق وصمت وخشوع». يسأله «الشناوى»: «بماذا ناجيت ربك فى صمت وخشوع؟»، يجيب «طه»: «قلت له: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهى لا إله إلا أنت». وعما إذا كان سبق له أن ناجى ربه بهذا الدعاء، يقول «طه»: إنه يحفظه منذ زمن بعيد، ويؤكد: «هو من أصح ما روى من الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم»، ويضيف أنه سبق أن خاطب ربه به فى مؤتمر الحضارة المسيحية الذى انعقد فى فلورنسا عام 1951، وقال: «لم أكد أنتهى من هذا الدعاء حتى دوت قاعة المؤتمر بتصفيق شديد، وجاءتنى سيدة مسيحية وطلبت نسخة من الدعاء، وقالت لى وهى تبكى: خذ دموعى وإعجابى وبلغهما للإسلام الذى أحبه كثيرا، فقلت لها: لا داعى للدموع، إعجابك يكفى».