سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
أين تحفة برلين السينمائية؟.. تساؤلات مشروعة حول برمجة أفلام المسابقة الرسمية بالدورة ال76.. الجمهور ينتظر بشغف وتعطش رغم برودة الطقس فى ظل تراجع مستوى الأعمال المقدمة
على مدار سنوات طويلة، كان جمهور مهرجان برلين السينمائي الدولي على موعد سنوي مع تحفة سينمائية ينتظرها بشغف وتعطش، فيتنقلون بين دور العرض وشاشات السينما المختلفة بحثاً عن تلك الجوهرة التي تضم أفضل عناصر الفيلم الجيد، وكثيراً ما كان جمهور برلين الصادق والمحب لهذا المهرجان العريق يجد ضالته في الأيام الأولى من عمر كل دورة. في الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين، لا يزال الجمهور يبحث عن تلك التحفة المفقودة، عن تلك الجوهرة التي يفترض أن يزيح فريق البرمجة الستار عنها مقدماً إياها لجمهور المهرجان العريض الذي يستحق حقاً أن يشاهد أفضل ما تنتجه السينما العالمية.
ومع اقتراب انتهاء الدورة، يظل السؤال المحير يتردد في أروقة المهرجان: أين تحفة برلين هذا العام؟ فرغم الجهد الكبير الذي يبذله فريق البرمجة، إلا أن أفلام المسابقة الرسمية تحمل العديد من الألغاز وتثير الكثير من الاختيارات الجدلية التي تثير المناقشات والمنافسات المحتدمة بين النقاد والجمهور على حد سواء.
ربما آن الأوان لفريق برمجة الأفلام في المسابقة الرسمية أن يفتح آفاقاً أوسع لأفكار ذات قيمة حقيقية، بعيداً عن حصر الكثير من الاختيارات في دائرة حرية الجسد والميول والهوية الجندرية، وذلك رغم ما تتمتع به بعض هذه الأفلام من جودة وحرفية عالية في الصنعة والمعالجة لتلك النوعية من القضايا، فمفهوم السينما أوسع وأكثر تنوعاً من أن تختزل في ذلك فقط.
غياب العديد من المخرجين المخضرمين عن المشاركات في المسابقة الرسمية يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مكانة مهرجان برلين السينمائي مقارنة بنظيريه في كان وفينسيا. فقد بات واضحاً أن كثيراً من المخرجين الكبار يفضلون الآن الأضواء والشو الإعلامي الذي يصاحب المهرجان الإيطالي والفرنسي، متجنبين برلين الأكثر جدية وصرامة من حيث التنظيم، والوضوح في تبنيه القضايا الإنسانية والسياسة سواء اتفقنا مع ما يتبناه أو اختلفنا، وهذه مفارقة تستحق التأمل، فالمهرجان الأكثر جدية يخسر لصالح منافسيه. ربما تضم المسابقة الرسمية هذا العام تنوعاً على مستوى التجريب، مثل فيلم "تقليم شجرة الورد" الذي رغم عبثية أحداثه وشطحات أفكاره المقدمة، إلا أنه يحمل الكثير من التميز والمفاجات غير المتوقعة، لكن على النقيض تماماً، نجد فيلم "Nightborn" الذي يطرح تساؤلاً مهماً حول قدرته على المنافسة وأحقيته في المشاركة بالمسابقة الرسمية، خاصة أن العمل لا يتخطى مرحلة أفلام "الفيشار" كما يطلق على الأعمال محدودة الفكر والتي تعرضها المنصات كنوع من التسلية الوقتية التي تستهلك ثم تنسى. أما فيلم "Rose" للنجمة ساندرا هولر والمشارك في المسابقة الرسمية، فقد جاء مخيباً للآمال هو الآخر، ليس فقط لفشل المخرج في الإقناع حتى بالشكل المطلوب لشخصية بطلته، حين ترتدي البطلة ملابس الرجال وتقنع من حولها أنها رجل لتتمتع بالحرية التي يتمتع بها الرجال، ولكن لأن الحدوتة ذاتها لا تحمل شيئاً يستحق التوثيق أو التأريخ لتكون فيلماً سينمائياً يضاف إلى مكتبة السينما العالمية. الفكرة وإن كانت مثيرة للاهتمام نظرياً، إلا أن المعالجة الفنية جاءت سطحية ولم ترتق إلى مستوى الطموح. ورغم كل هذه التساؤلات المشروعة التي تحوم حول غياب تحفة برلين السينمائية حتى الآن، إلا أن المسابقة تضم بصيص أمل يتمثل في فيلم "Everybody Digs Bill Evans" للمخرج جرانت جي، هذا الفيلم، الذي يتناول السيرة الذاتية لأسطورة الموسيقى بيل إيفانز، استطاع أن ينقل قصة حياة إيفانز الإنسانية برشاقة وخفة، رغم مأساوية السرد، حيث يقدم نموذجاً للفيلم الذي يجمع بين المتعة الفنية والعمق الإنساني، وربما يكون هو الأقرب ليكون تحفة هذه الدورة التي لا تزال تبحث عن هويتها.