مسلسل باب الحارة كتبت الدراما السورية واللبنانية بكمها القليل نسبيا صفحة جديدة في كتاب التحاور الفكري، والعودة للمناقشة الجدلية حول هوية الوطن بأصالته وما أثر فيه سلبيا وإيجابيا منذ بدأ الصراع بين الشرق والغرب بكل تفاصيله وراياته المزيفة واعتباراته العرقية والدينية خلال مئات السنين، والخلاف في الرؤية بين المؤثرات الخارجية والداخلية، وبدرجات متفاوتة حاولت بعض الأعمال الدرامية مواجهة أزمات مجتمعاتها وعدم الهروب والاستسهال فكانت الأقرب لعقل وقلب المشاهدين. بعيدا عن نسب المشاهدة وغيرها من التقييمات الفنية، فإن هذه المشاهد الدرامية بعناصرها المتفاعلة المختلفة لمست أوتارا فكرية علي درجة من الأهمية وبعضها اجتمع عليها أكثر من عمل دليلا علي ذلك، منها أن أي فرد في المجتمع يمكن أن يكون محور الأحداث إذا ما سلط الضوء عليه، وأن العديد من الأطراف المتباينة باتت تتداخل في كل حدث وتجعله عاما رغم خصوصيته، وأن كاتب الدراما لا يحتاج إلي أن يبتعد عن واقعه والشخوص من حوله والأحداث التي تمر بها لينسج عملا جيدا. والتفتت الأعمال الدرامية الشامية علي اختلافاتها إلي السلوكيات الفردية وتأثيرها وذهبت رغما عنها تبحث عن مكارم الأخلاق لتعود بالمتابعين لها إلي الهدف من الرسالات السماوية التي بعث بها المولي عز وجل إلي العالمين، وأنها السبيل الوحيد للخلاص، وإلي تأثير الحب والتلاحم الوجداني القوي بين البشر، كما عرجت هذه الدراميات تجاه محاولة تشخيص الأزمات والأمراض المجتمعية في طريقها لطرح بادرات حلول. النساء في طليعة النضال اتسمت الدراما السورية واللبنانية التي صادفها النجاح هذا العام بالمعالجة البسيطة التي مثلت السهل الممتنع، وإذا ما تناولنا عددا منها تصاعديا من الأقل بساطة إلي أكثرها، يأتي المسلسل السوري "حرائر" للكاتبة عنود خالد، واختارت فيه الكاتبة الصحفية والشاعرة "ماري عجمي" كمحور للأحداث، صاحبة الإسهام الكبير في الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية في سوريا وصاحبة أول مجلة عربية نسائية "العروس"، وقد تبعها العديد من النساء وأشهرهن الأديبة "نازك العابد" وغيرها، وفي ملحمة ماري عجمي الكثير من تفاصيل المجتمع وتطوره في وقت كانت تحاول فيه النساء إيجاد فرصة للتنفس وإثبات الذات، فقدمت ومن معها نموذجا للمرأة السورية العربية المكافحة من أجل بلادها وأسرتها مسلمة كانت أو مسيحية. وسبقت عجمي الرجال في الكفاح ضد الاحتلال العثماني في وقت لم يلتفت فيه الكثيرون إلي حقيقة أن الأتراك وسلطانهم محتلون وأنهم يجورون عليهم والدليل هو الفرق بين واقع المواطن في تركيا وحياة نظيره في مصر والشام، وما قادت معه شباب الشام إلي ثورة ونحو المعركة للتخلص من هذا الاحتلال حتي حل محله آخر ولكنه فرنسي هذه المرة، في أحد أشكاله المتلونة المستمرة حتي الآن بذات الأساليب التي تعتمد علي إلصاق التهم بالوطنيين ومحاولة تشويه الرموز واستمالة الضعاف والجهلة والطامعين في الثروة والسلطة. ربطت الكاتبة في سردها لمقتطفات من سيرة ماري عجمي بين التاريخ والحاضر ووضعت يدها بقوة علي الداء الأكثر خطورة والذي مثل الفارق بين زمن ماري رغم الصعوبات التي واجهتها والفترة الحالية، ويكمن ذلك في افتقاد الحاضر إلي العلم والوعي الذي يمكن من خلاله إدراك حقيقة العدو الذي لم يكف أذاه قط حتي وإن حاول الخداع بوجه حضاري مزيف. الوطن المشدود وكأنه استكمال للوجه التاريخي بآخر معاصر في مسلسل "غدا نلتقي" وفي أول تجربة كتابة للممثلين رامي حنا وإياد أبو الشامات، وهنا علامة استفهام كبيرة لأن لجوء الممثلين إلي كتابة الأعمال الدرامية في السنوات الخمس الأخيرة أصبحت ظاهرة تستحق التوقف عندها ودراستها بتمعن، وفي هذا العمل دارت الأحداث حول شخصية "وردة الشام" التي مثلت الوطن المشدود من قبل طرفين أحدهما يتشدق بالثورة واستخدام القوة لإحداث تغيير لا يستوعبه، وآخر يدافع عن جيش بلاده وله الحق في ذلك، ولكنه لا يعترف بأن هناك أخطاء يجب العمل علي إصلاحها. وبعيدا عن صحة وجهة نظر أي من الطرفين من عدمه فإن نتيجة الصراع الحتمية هي خسائر في النفوس والأرواح يقابلها مغانم كبيرة للعدو المستأسد في الخارج والمنتشي بنجاحه في تأجيج نيران الفتنة، وفي فلك وردة شخصيات أخري تقع جميعها تحت وطأة الجهل، فتبدو فاقدة للقدرة علي التفكير مقيدة بقشور دينية مزيفة وعادات وتقاليد لم يدركوا المغزي منها في زمانها وإن كانت تصلح لزمنهم أم لا. ومع تطور الأحداث التي تشتد معها المعركة إلي حد سيل الدماء وإحداث الحرائق والخراب تتجلي الأزمة الحقيقية التي سبقتهم إليها عنود في عملها، ألا وهي الجهل ومن ثم الغشاوة وعدم وضوح الرؤية وبالتالي اللجوء إلي الحل السلبي وهو الهروب إلي عالم يظنونه أفضل، ويعرج الكاتبان بدورهما إلي سلوكيات الأفراد وكيف أن التخلي عن الأخلاق القويمة يمثل جزءا كبيرا من الأزمة . مجتمعات تتحلل ومن زاوية أخري في مسلسل "العراب- نادي الشرق"، وفي تجربة جديدة في الكتابة للممثل "رافي وهبي"، يبدو أنه هذه المرة يدين فكر الغابة إن جاز أن نسميه فكرا والسيطرة من قبل حاشية توحشت وبات يصعب علي أي نظام التخلص منها وهي تشبه مجموعات الضغط الصهيونية التي تتحكم في كل شيء بالولايات المتحدةالأمريكية، إلا أنها وعلي الجانب الآخر ورغم سلبياتها فإن البديل اسوأ بكثير، لأنه تخلي كليا عن الحد الأدني من وازع الضمير ، إلي حد أنه لا يتواني عن فعل جرائم كالحرق والقتل لتحقيق أهدافه، وأساليب قذرة أخري لم يلجأ إليها الحاليون أو السابقون لهم قط. ومن ناحية أخري فهناك صراع بين الثقافة التي تبدو حالمة أحيانا وبعيدة عن الواقع عند روائي صاحب فكر من جانب وبين القوة السائدة التي تمثلها شخصية "أبو عاليا" من جانب آخر والتي تدور حولها الأحداث وتتسم هذه القوة بالخشونة والحدة، بل ولا تقبل النقد في أحيان كثيرة، رغم محاولاتها التحلي بالتحضر، والمثير أن هذه القوة التي بدت غاشمة في سيطرتها في أوقات كثيرة ذهبت ضحية مجموعة مخربة تحاول أن تمرر مجموعة من المشروعات المشبوهة. واقترب رافي كثيرا من الأزمة الأخطر والمرض العضال المتمثل في تفكك الروابط العائلية والأسرية، بل والاجتماعية ككل التي حاولت الأجيال السابقة باستماتة الحفاظ عليها، ولكن المؤثرات الخارجية نجحت في أن تغتال كل صفات السلوك الحميد في الأبناء والأجيال اللاحقة، فلم يعد هناك وجود إلا فيما ندر للصدق والأمانة والعفة، خاصة فيمن يلهثون خلف السلطة والنفوذ، حيث ارتبطت عندهم معاني التحضر القادمة من أوروبا بالحرية في الكذب والخداع وممارسة الرذيلة في أي وقت ودون حياء أو خجل، ليبدو أن المجتمع يتحلل، ورغم هذه الصورة القاتمة إلا أن هناك لهذا الداء دواء يمكن للدراما أن تساهم في البحث عنه. أخلاق الحارة وإن كان هذا الدواء لم يتجل في العمل السابق فربما نتلمسه بمتابعة ما يحاول مسلسل "باب الحارة" في جزئه السابع أن يقوم به ومؤلفيه عثمان جحا وسليمان عبد العزيز، وإن ظلت شخصية أبو عصام زعيم الحارة محورا للأحداث التي تجاوزت الحدود وربطت ما يحدث فيها بالمرحلة التاريخية التي تمر بها ومواجهة المحتل الفرنسي الذي لا يتواني عن أن يستخدم كل أسلوب قذر للسيطرة علي أراضي الشام وحاراتها، ويعينه علي ذلك شرذمة خائنة ممن لا تمتد جذورهم في أراضيها. وفي تشخيص الداء تتجلي عدة خطوط من بينها أن القدرة علي المقاومة منبعها الرئيسي هو التماسك المجتمعي والتمسك بأخلاق الحارة، الشهامة والشجاعة والتضحية، فنجد من يحاول لفترة طويلة أن ينافس الزعيم ويستخدم كل ما لديه من قوة للانقضاض علي الزعامة، ؛ يتخلي عن هذا الطموح عندما يستشعر الخطر . ومن عوامل القوة أيضا التي باتت أكثر مناطق الضعف حاليا مما يسمح للعدو بالمرور من خلالها هي العلاقة بين أبناء العقائد المختلفة وتحديدا المسلمين والمسيحيين واليهود، ففي زمن أبو عصام كانت كل المشاكل بينهم لا تخرج عن نطاق الحارة أو الحارات المتجاورة، ومهما كانت صعوبة المشكلة أو الأزمة فإن الكبار أو كما كانوا يطلقون عليهم "العضاوات" يجلسون ويتحاورون ويصلون إلي الحل المناسب الذي يلتزم به الجميع، ورغم أن محاولات الاستعمار خلال عشرات السنوات لإحداث الفتنة بينهم باءت بالفشل، ولكنه نجح في بعض المناطق بعد أن نالت الشام استقلالها بعدما تمكنوا أولا من إبعادهم عن أخلاقيات الحارة وأهمها التكاتف والتكافل والتراحم. تنعكس أحداث "باب الحارة" علي الواقع، فالتحالفات الغربية مستمرة في عملها للقضاء علي الوطن العربي خاصة مراكزه القوية الثلاثة بغداد، دمشق، القاهرة، في غفلة من شباب أبناء هذا الوطن الذي افتقد لمكارم أخلاق الصدق والأمانة والعفة والشجاعة والإخلاص التي كانت تتسم بها الحارة، فأخذ كل منهم يفر بحثا عن أرض وسماء أخري، وهو لا يدرك أن جذوره إذا تقطعت فلا مجال للعودة. العلم دواء وإلي جانب الأعمال السورية السابقة هناك مسلسل سوري لبناني وهو "بنت الشهبندر" في جزئه الأول، للكاتب هوزان عكو صاحب رائعة "أسعد الوراق"، والذي تبني فيه شخصية راغب القبضاي، والأحداث من حوله التي يتتبع من خلالها نشأة الفتنة في مهدها التي بادر في استخدامها العثمانيون، ولكن في بيروت هذه المرة، إلا أن السلوكيات في هذا العصر قبل مائة وخمسين عاما أضعفت من أثر هذه الفتنة مقارنة بما عليه هذه الأيام ولا فرق في ذلك بين مسلم أو مسيحي، ولكن بيروتولبنان بشكل عام كانت الأكثر تأثرا بالغرب عبر التجارة المشتركة التي أباحت التبادل في كل شيء، ورويدا ضاعت كل السمات الأخلاقية البيروتية، كالكرامة والإخلاص والتضحية من أجل الآخرين والأمانة والعدل. ويضع عكو من يهتم ومازال يأمل في إنقاذ الوطن الأم من التشتت الذي يبدو أكثر وضوحا في لبنان التي تتصارع فيها عشرات القوي، أمام واحد من أهم الحلول، فلا حيلة لمواجهة المستعمر بوجهه الجديد الأكثر قبحا إلا بالعلم والثقافة، والتي سبق أن مكنت الآباء والأجداد من قهر العثماني بمسمياته البالية المختلفة كالباب العالي والأستانة وغيرها، ثم المستعمر الفرنسي، ليكتشف الناس رويدا أن عليهم أن يثوروا ضد المغتصب. الحب سبيل للخلق القويم اتسمت الأعمال الدرامية التي مال إليها الجمهور بالبساطة في التناول ، وتجلي ذلك في الكوميديا الرومانسية اللبنانية "قلبي دق" للكاتبة والممثلة وبطلة العمل كارين رزق الله، ، وتكشف في هذا العمل بحساسية ووعي بالواقع اللبناني التناقض الذي يعاني منه المجتمع خاصة في العادات والتقاليد الجامدة التي تختلف من منطقة لأخري، فنجد الطبيعة الرجعية الذكورية التي تسود في بعض المناطق علي حساب كل الأخلاقيات والحقوق، والعصبية إلي حد العنف واستخدام القوة في كل مناسبة من جانب، والأرستقراطية المقنعة التي تتطلب التبلد وكبت المشاعر والاهتمام بالشكل والمنظر العام علي حساب المضمون من جانب آخر، وكلا النموذجين لا يمكن أن يخلف إلا أجيالا تعاني من نواقص خطيرة يمكن لمن يتربص بهذه البلاد استغلالها. كان أكثر العوامل المؤثرة في هذا النص هو انسياب المشاعر التي بدت في أوقات كثيرة صادقة، ولأن المشاهد أو قل المواطن العربي من المحيط إلي الخليج يحتاج لهذه الجرعة الوجدانية حتي يستعيد بعضا من طبيعته وثقته في نفسه ومجتمعه، لهذا كانت أعلي نسبة مشاهدة، ولم يكن دافعهم الفضول لمعرفة بقية أحداث بقدر مواصلة الظفر بالأحاسيس التي تنساب في الأبدان فتخلق حالة مختلفة، كما تعاملت الكاتبة مع الأخلاقيات والصفات الحميدة برؤية مختلفة، فكان الصدق والصراحة جزءا من مشاعر الحب كمنبع لكل سلوك قويم، الحب بكل أنواعه، فإذا تعلم الإنسان كيف يحب عاش سعيدا وكسب دنياه وآخرته.