يبدو أن منطقة الشرق الأوسط قد دخلت بالفعل فى "النفق الكبير" الذى لطالما حذر منه الخبراء، فنحن اليوم أمام عملية إعادة صياغة شاملة لموازين القوى، تقودها واشنطن تحت مسمى "الغضب الملحمي"، وتقابلها طهران باستراتيجية "الأرض المحروقة" فى البر والبحر. لم يعد البيت الأبيض يتحدث بلغة الدبلوماسية المواربة؛ فالإدارة الأمريكية الحالية وضعت سقفاً زمنياً حاسماً يتراوح بين أربعة وخمسة أسابيع لإنهاء العمليات العسكرية. هذا "التايمر" السياسى والعسكرى هل يعكس ثقة مفرطة فى القوة النارية التى استهدفت حتى الآن أكثر من 3000 موقع استراتيجى داخل العمق الإيراني، أم نقص أسلحة وذخير غير معلن للعالم ؟ واشنطن تراهن على الضربة القاضية التى تشل قدرات الخصم النووية والعسكرية، بل وتذهب أبعد من ذلك بمناقشة "اليوم التالي" واختيار ملامح القيادة القادمة فى طهران، فى محاولة لفرض واقع جيوسياسى جديد ينهى إرث أربعة عقود من العداء. على الجانب الآخر، تبدو طهران وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، لم تغلق إيران مضيق هرمز رسمياً، لكنها جعلت من عبوره "مغامرة انتحارية". ومن خلال استحضار ذكرى احتراق أكبر ناقلة نفط أمريكية وهلى الناقلة "بريجتون" عام 1987، ليبعث الحرس الثورى برسالة مشفرة لأمريكا "نحن نمتلك مفاتيح الطاقة العالمية، وتكلفة الحرب ستُدفع فى محطات الوقود من نيويورك إلى طوكيو". الضربة التى طالت مراكز التكنولوجيا فى "بئر السبع" والقواعد الأمريكية فى المنطقة تؤكد أن الرد الإيرانى ليس دفاعياً محضاً، بل هو محاولة لجر الخصم إلى "حرب استنزاف" طويلة الأمد، وهو الفخ الذى يخشاه المخطط العسكرى الأمريكي. وفى تطور خطير نجد أنه لا تتوقف أصداء هذه الحرب عند حدود إيران؛ فالعراق تحول مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات من خلال استهداف شركات الطاقة الأمريكية فى البصرة، مما يضع إمدادات النفط على المحك. وفى القارة العجوز، يبدو "الرعب الألماني" مبرراً؛ فالمستشار شولتس يدرك أن انهيار الدولة فى بلد يقطنه 90 مليون نسمة يعنى "تسونامي" لجوء قد يبتلع استقرار أوروبا لسنوات طويلة، فنجد برلين تصرخ بضرورة الحفاظ على "هيكل الدولة" لتجنب "سورنة" إيران، وهو ما يضع ضغطاً سياسياً كبيراً على الحليف الأمريكي. نحن الآن فى مرحلة "عض الأصابع" فنجد أن واشنطن تمتلك التكنولوجيا والذخائر، لكن إيران تمتلك الجغرافيا والقدرة على الصبر والتحرك عبر الوكلاء لنجد أنفسنا أما سؤال هام الآن.. هل تنجح "الغضب الملحمي" فى فرض الاستسلام السريع، أم أن مضيق هرمز والجبال الإيرانية سيتحولان إلى ثقب أسود يبتلع أحلام الحسم العسكرى السريع ويغير وجه العالم للأبد ؟