عندما دخلت الولاياتالمتحدة بقواتها في العراق، قبل أكثر من عقدين من الزمان، ودون مقاومة تذكر، لم يكن الأمر أكثر من مغامرة محسوبة للغاية، فالتداعيات مهما بلغت ذروتها لن تمس الأمن القومي الأمريكي، وإن كانت العملية برمتها قد كلفت واشنطن ملايين الدولارات، وآلاف الأرواح من الجنود، مما أثار غضبا شعبيا كبيرا، إلا أن البعد الجغرافي، والناجم عن ابتعاد أرض المعركة عن الحدود الأمريكية، أضفى قدرا معقولا من الأمان لصانع القرار الأمريكي، فرد الفعل لن يتجاوز الموجودين داخل الإقليم البعيد، في الوقت الذي لن يتسبب فيه وجود بغداد في ذلك الوقت داخل قائمة الدول الفاشلة، خسائر أو تهديد للولايات المتحدة، بقدر ما يحقق لها مكاسب في إطار تنفيذ خطة كانت مرسومة بإحكام، حملت عنوانا واحدا وهو "الشرق الأوسط الجديد". ولعل الحروب التي خاضتها واشنطن بعيدا عن مناطقها الجغرافية، كثيرة ومتنوعة، بدءً من فيتنام، مرورا بالعراق وأفغانستان، وحتى مؤخرا في ضوء هجمات عابرة على إيران، وما بينها من معارك، لم تحقق الكثير من أهدافها، وإن ظهر عكس ذلك، فالخسائر كانت فادحة، حتى وإن لم تطال الأمن القومي بمفهومه التقليدي، فهي كانت كفيلة لتساهم في حالة من التآكل التدريجي، في مكانة واشنطن الدولية، سواء على المستوى الإنساني أو الأخلاقي، وحتى على النطاق السياسي التقليدي، فدفعت نحو لجوء قطاع كبير من دول العالم إلى انتهاز فرصة، أو بالأحرى بوادر، صعود قوى منافسة، للتحالف معها، خاصة وأن ثمة حروب ضروس أسقطت دولا بعينها في هاوية الفشل، فتقوت بفضلها شوكة خصوم أمريكا. النموذج العراقي، يمثل نموذجا مهما في هذا الإطار، فعندما سقطت بغداد في 2003، تفشت الميليشيات الإيرانية، وأخرى موالية لها في الداخل، وكانت التهديد الرئيسي للقوات الأمريكية هناك، بينما أضعفت شوكة حلفاء واشنطن الإقليميين، من دول الجوار، ولو نسبيا، وهو ما حاولت الولاياتالمتحدة الاستفادة منه بعد ذلك عبر سياسة استبدال الحلفاء القدامى، بأخرين جدد، ولكن دون تحقيق جدوى كبيرة، خاصة مع فشل المخطط الأكبر وهو الربيع العربي، لتعود أمريكا مجددا إلى التقارب مع حلفائها الأصليين في منطقة الشرق الأوسط، بدءً من عام 2017. وهنا كانت هناك تداعيات ملموسة على الولاياتالمتحدة، عندما خاضت معركتها لتحويل دولة قائمة بالفعل إلى نموذج فاشل، وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت المعركة في المحيط الجغرافي لواشنطن نفسها، على غرار المستجدات الأخيرة في فنزويلا، بعدما تمكنت القوات الأمريكية من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وما سوف يعقب ذلك من أحداث، قد يتخللها قدرا كبيرا من الفوضى. والواقع أننا هنا لسنا بصدد تقييم سياسات مادورو أو في المقابل السياسات الأمريكية، وإنما نحن في محاولة لاستقراء المستقبل، خاصة وأن دخول الولاياتالمتحدة في جبهة صراع مباشر مع دولة جار، تعد تجربة جديدة تماما، لم يسبقها من قبل سوى معركة خليج الخنازير في كوبا، في الستينات من القرن الماضي، وهي معركة لم تستغرق الكثير من الوقت، وتجارب أخرى قصيرة في إطار الحرب الباردة، سواء في بنما أو جرينادا في الثمانينات، وهي جزر صغيرة من حيث المساحة مقارنة بفنزويلا، بينما طالت تهديدات الرئيس دونالد ترامب دولا أخرى في منطقة الجوار على غرار كولومبيا، وهو ما يطرح تساؤلا مهما حول ما إذا كانت واشنطن سوف تستطيع أن تتحمل نتائج ما بعد التغيير الجذري الذي يشهده محيطها الجغرافي، في لحظة مفصلية في تاريخ أمريكا اللاتينية بأسره. الفارق الجوهري بين مغامرة أمريكا في العراق ومقامراتها في مناطق الجوار، يتجلى في كون الأولى أسفر عن دولة فاشلة يمكن تدوير تداعياتها خارج الوعي الأمريكي اليومي، بينما الأخيرة إن لم يتم تداركها سريعا فسوف تعيش على الحدود، ليس فقط حدود الجغرافيا، وإنما أيضا في حدود حياة المواطن، في ضوء ما قد تسفر عنه من نتائج أمنية وسياسية وما قد تترتب عليه من ظواهر ترتبط بالهجرة والتهريب، وهي نتائج طبيعية للفوضى، حال حدوثها. المقامرة الأمريكية في محيطها الجغرافي ليست مجرد امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التدخلات الخارجية، بقدر ما تمثل لحظة اختبار حقيقية لقدرة واشنطن على تحمل نتائج سياسات لم تعد بعيدة عن بيتها الداخلي، فالفوضى حين تصنع على مسافة آلاف الأميال يمكن احتواؤها أو تجاهلها، بل ويمكن الاستفادة منها في بعض الأحيان، أما حين تتشكل على تخوم الحدود، فإنها تتحول من ملف في غرف صنع القرار إلى واقع يومي يفرض نفسه على الأمن والاقتصاد والسياسة الداخلية. وهنا يمكننا القول بأن التحدي الحقيقي هنا ليس في مجرد إعادة تشكيل خريطة نفوذ، بل في الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا، يدور حول ما إذا كانت القوى الأكبر في العالم يمكنها احتواء التداعيات المترتبة على مغامرتها الجديدة، أم أنها يمكنها أن تعيش طويلا إلى جوار نموذج فشل شاركت في صناعته، أم أن القرب الجغرافي سيفرض عليها، عاجلا أم آجلا، ثمنا يدفعها إلى إعادة النظر في اتخاذ مثل هذا السلوك في المستقبل.