خرج الشعب حزنا وغيظا على شهداء الجيش والشرطة من أبناء مصر الذين قتلوا برصاص الغدر الصهيونى على الحدود، وقفوا على كوبرى الجامعة، جامعة القاهرة، وليست جامعة تل أبيب، فما كان من حكامنا الحكماء الصارمين الصامتين عن إهانة تراب الوطن ودماء الوطن إلا أن كرروا التجربة الإسرائلية البارعة، بناء جدار عازل بين السفارة والشعب، جدار بطول ما يقرب من نصف كوبرى الجامعة، وأكملوه بالإجراءات الأمنية المناسبة للحالة بسد جميع منازل ومخارج المشاة من ناحية سفارة السيد يتسحاق ليفانون السفير الصهيونى فى مصر، وتمت المهمة بنجاح خلال وقت قياسى قبل عودة السيد السفير للقاهرة من إجازة قضاها بالدولة الصديقة، عاد سيادته لمقر سفارة إسرائيل بعد أن تم الانتهاء من الجدار الذى صرح السيد محافظ الجيزة أنه لم يتكلف سوى 20 ألف جنيه فقط، طبعا لم يدفعها سيادته أو سيادة من أعطوه أمر التنفيذ من جيوبهم الخاصة، بل من أموال الشعب الذى بنوا الجدار ليحرقوا له دمه (ويخزقوا) عينه كلما مر ذاهبا أو عائدا عبر كوبرى الجامعة، وليذكروه أنه هنا تقبع سفارة لا يستطيع أحد المساس بها، وسفير لا يجرؤ أحد أن يطلب منه الرحيل، وحتى تكتمل الصورة المخزية فإن فيلا السيد السفير فى حى المعادى تم إغلاق مزيد من الشوارع حولها لتتسع دائرة الإغلاق لأكثر من عشر شوارع، وبعد أن كانت تغلق جميع الشوارع الملاصقة لها أصبحت تلتهم صفاً ثانياً من شوارع المعادى حتى أصبحت تقسم الحى لنصفين، شرق وغرب السفارة، وعندما ذهبنا لإجراء تظاهرة موازية لما كان يحدث على كوبرى الجامعة كانت أقرب مسافة للمقر الرئاسى لسيادة السفير تبعد ما لا يقل عن 500 متر!!! وهى مسافة كافية بخلاف الأسوار العالية والبوابات الضخمة لمنع ضجيج أصواتنا الصارخة عن آذان السفير وعائلته. نفس منطق القوة والعزل والحلول الحاسمة لكل ما يقلق أو يثير الإزعاج للسادة الحكام الموقرين، ابن جدارا من الخرسانة أو من البشر، بنى جدار الأمن المركزى الأسود بلونه الكريه، وحول الميدان والصينية الشهيرة تراص جنود الأمن المركزى بعصيهم وخوذاتهم فى تحفز من يستعد لهجوم غاشم، بينما زرعت الصينية فى ليلة واحدة بزهور شيطانية تذكرنى بزهور زيارات مبارك التى كانت تتراص فى ساعات بطول طريق سيره، ويتم جمعها بمجرد مروره، وكأننا لا نستحق كشعب أن نرى جمالها، كما لا نستحق الآن أن نستمر فى شم عبير الحرية فى ميدان النور والحرية. جدار الخرسانة وجدار عساكر الأمن المركزى سبقه جدار آخر، لكنه هذه المرة على عقول من يريد الحركة أو حتى الكلام، جدار سجون المحاكمات العسكرية وتجاوز الخط الأحمر الذى صار شديد السواد بقائمة تضم 12 ألفا من مساجين الأحكام العسكرية السريعة والنافذة بقوة قانون الطوارئ، الذى ما زال ساريا رغم أن راعيه الأول قد تم خلعه، ورغم أن ثورة قامت وشعبا أسقط نظاما، ولكن القانون الأسود ما زال له من يحميه ويرعاه ليكون مبررا لكثير من التجاوزات فى حق الثورة والثوار، وحاميا لرعاة المحاكمات التى يبدو أنها لن تتوقف الآن، وباتت مشروطة حسب تصريحات رئيس هيئة القضاء العسكرى بانتهاء عمل القانون سيئ السمعة الذى لا نعرف على وجه التحديد متى ينتهى ومن سينهيه، المجلس أم ثورة جديدة. الأسوار والحوائط والسدود السوداء تعلو لتحجب خلفها الثورة والثوار وتعيدهم قلة كما بدأوا، بينما تبدو مليونيات إيقاظ الثورة حزينة كحزن أمهات الشهداء على دماء الأبناء بعد أن أهانتهم سنابك الشرطة أمام (أكاديمية مبارك للأمن) التى يحاكم بها محاطا بأبنائه وعبيده، بينما يدافع عنه فريق من جلابيب النفط التى جاءت لترد جميل حرب قبض ثمنها المخلوع، بعد أن قدم شهداء مصر وأبطالا من جنود مصر ليحاربوا على أرض ليست لهم ومن أجل وطن لم يكلف أبناؤه أنفسهم سوى دفع الدنانير لاستئجار من ينوب عنهم فى الذود عنه. الثورة لم تمت ولن تموت، فلها ثوار يحمونها حتى ولو من خلف ظهور عساكر الأمن وجدار السفارة.