يومان كاملان في عاصمة القياصرة، لا أصدِّقُ جمال هذه المدينة، أهل سان بطرسبرج يحتفون حقاً بكل هؤلاء المشجعين، المدينة لا تنام، المطاعم والحانات والمقاهي، محال البقالة، الصيدليات، حتى الشمس لم تغرب طوال يومين كاملين. أفطرُ في مطعم أمام الفندق، أطلبُ طبقاً من الأجبان المشكلة وقطعاً من الخبز، أغمسُ قطعة من الخبز في طبق الزيت الفخاري البني الصغير أمامي، أتذوقه متوقعاً طعم زيت الزيتون، ولكن... ما هذا؟! إنه زيت، لكنه ليس زيت زيتون، أعرفُ هذا الطعم، لكنه قوي جداً عما اعتدته، الذاكرة لا تسعفني ما هذا الطعم، سألتُ النادلة فأجابتني ببساطة: زيت عباد الشمس، كان طعم "اللب السوري" هو ما أفتشُ عنه في ذاكرتي. أحقاً؟ هل زيت عباد الشمس بهذه الجودة؟ هل طعمه ورائحته بهذه القوة؟ أيتناولونه هنا كما نتناول زيت الزيتون؟ إذا فما كنه السائل الأصفر الباهت، الذي يباع لدينا في عبوات ذهبية وعليه صور حقول عباد الشمس؟ إنه لا يمت بصلة لهذا الذي أمامي. أما العسل، المقدَّم أيضاً في طبق مماثل لطبق الزيت، فرغم أنني تذوقتُ عسل السدر الأفغاني، واشتريتُ أفخر أنواع العسل اليمني من صنعاء، وأبهرتُ بائع عسل جبلي في الطريق لأوريكا بالمغرب، بسبب خبرتي في العسل وطرق اختباره، أُجْزِمُ بأنني لم أتذوق عسلاً بهذا الطعم الشهي من قبل. شردت عيناي في اللاشيء وأنا أفكرُ لماذا الطعام هنا بهذه الجودة، لماذا السماء هنا بهذه الزُّرقة، لماذا لم أُولدُ هنا؟! نفضتُ الأسئلة الوجودية عن رأسي، مع تناول القهوة السوداء، أثناء تدخين غليوني خارج المطعم، أعدتُ الكوب وقررتُ السيرَ في اتجاهٍ لم أستكشفه من الشارع الذي أقطنه. أسير خمس دقائق لأجدَ عجوزاً تبيعُ التوت الأحمر، والأزرق والكرز، أدقِّقُ في الأسعار ولا أُصدِّق، هناك خطأ، أستخدمُ تطبيق جوجل للترجمة، فتؤكد العجوزُ أن هذا سعر الكيلو، إنه لا يتجاوز دولارين، أنقدها حوالي نصف دولار بالعملة المحلية، فتحاولُ أن تسألني عما سأشتري، أحاولُ التوضيح لها أنني فقط أريدُ تذوقَ حبة واحدة من كل صنف، لا تفهم. أمدُّ يدي وآخذُ حبة من كل نوع وأتناولها وهي تنظرُ لي في حيرة، تعتقدُ أنني سأختارُ ما أشتريه بناءً على الطعم، لكنني أقولُ لها: "سباسيبا" بالروسية، فلا تفهم، وعندما أنصرفُ من أمام بضاعتها على الرصيف، تجري خلفي مبتسمة وتعيدُ لي نقودي، أحاولُ أن أشرحَ لها أنني فقط أردتُ التذوق، وهذا ثمنُ ما تذوقته، فترفض وتعود لي بكيس بلاستيكي صغير فيه حبات انتقتها من بضاعتها على الرصيف مع نقودي. أشعرُ بالحرج من كرم هذه البائعة، أحاولُ مرة أخرى أن أدفع لها، فتشير لي بأن انصرف، هل اعتقدتْ أنني لا أملكُ ثمن طعامي؟ ملابسي لا توحي بأنني مشرَّد...! أتركها وأسيرُ خطوتين، فأجد أُماً تدفعُ عربة رضيع، تحاولُ دخول محل، لكن المزلاج المثبت أعلى الباب، لإبقائه مغلقاً لحفظ الدفء في الشتاء، يحولُ دون دخولها، أفتحُ لها الباب، وأساعدها لتتسلل رائحةُ مخبوزات شهية عبر فتحتي أنفي إلى خلايا التذوق في المخ، بل أُقسمُ أنني طعمتها في لساني، تشكرني الأُم قائلة: "سباسيبا" فأحاولُ الرد بالروسية أن عفواً، فأُخطئ النطق فتصحِّح لي مبتسمة: باجووستا، تقولها متهجئة الأحرف كأنها تُعلم طفلها الرضيع...! أبتسمُ وأتركها مسرعاً لأخذ جولة في المكان، المعدة مليئة بإفطار شهي، لم يستقر أكثر من 10 دقائق، ولا مكان لكل ما أمامي من مسيلات اللعاب، كما أنني قررتُ أين سأتغدى اليوم، ما العمل؟!
أحدِّدُ ما سأتذوقه هنا، وأقرِّرُ أن آتي للإفطار هنا صباح الغد. لم أشترِ تذكرة مباراة مصر وروسيا، اشتريتُ تذكرتين للمباراتين الأخريين للمنتخب المصري، لأن عدداً كبيراً من الأصدقاء الروس- العرب، حذروني من احتمال وقوع شغب أو أحداث عنف عقب المباراة، نعم أنا هنا لأشجع صلاح، لكنني الآن في الثامنة والثلاثين، ولم أكن يوماً رياضياً ولا سريعاً في الجري أو بارعاً في عراك الشوارع، إذاً السلامة الشخصية أولوية، لكنني سأقومُ بواجبي كمشجع تجاه محمد صلاح، وهكذا أخذتُ علم صلاح وبدأتُ مسيرة طويلة. المسافة من الفندق إلى منطقة التشجيع، التي أعدَّتها شركة مصرية راعية للمنتخب، استغرقتْ ضعف المقرر، فلم أستطِع السير لمدة 10 دقائق متصلة من دون التوقف لمثلها أو أكثر...! مصريون، مغاربة، إيرانيون، برازيليون، سعوديون، وبالطبع أهل البلد من الروس، توقفتُ عن حصر الجنسيات، أُسر مع أطفالهم، شباب وبنات، حرفياً كل من انتبه للعلم، كان يوقفني ليلتقط صورة مع العلم، باستثناء الروس كانوا أيضاً يحرصون على التقاط صورة معي شخصياً، بعد ساعة اعتقدتُ أنني سأكونُ وجه اليوم، والأكثر انتشاراً على صفحة "في كونتاكت" وهو الموقع الروسي البديل لكل مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي التي نعرفها. 6 ساعات تقريباً، أرفعُ علم محمد صلاح، وأقطعُ به شوارع مدينة سان بطرسبرج، فخور به، وفخور بأنني أشجعه، هذا الرجل لا يعلم كم محبته في القلوب، والأمر لا يقتصر على مصر والوطن العربي، بل تجاوز ذلك، الأطفال يهتفون باسمه، وينبهون ذويهم للعلم، كانت رحلة مرهقة حقاً، قدماي متعبتان، والمعدة تطلب حقها مما وعدتها به...! اشتقتُ للأرز، اليوم لا مزيد من البطاطس تحت أي شكل من الأشكال. بحثتُ عن مطعم بنكهة شرقية، والمطاعم الأوزبكية تتنافس في الجودة والأسعار، وجدتُ ضالتي واخترتُ مطعماً بناءً على التقييمات وصور الزوار. وصلتُ وبدأتُ أنتقي، شوربة لحم ضأن مع القليل من الخضر والأعشاب، "مانتي" لا يمكن أن تفوته عندما تدخل مطعماً أوزبكيا، والملك هو أرز "بلاف" المطهو بالثوم ولحم الضأن والجزر والزبيب إلى درجة النضج التام، لكن أكولاً مثلي لم يكتف، فزِدتُ سيخاً من قطع خاصرة الضأن المشوي على الفحم، وختمتها بالشاي الأخضر. بعض الخيارات الصحية ومحاولة إذابة نصف كيلو من الدهون التي تناولتها، مفيد لنفسيتي كيلا أشعر بالذنب...!
أثناء تدخيني خارج المطعم، مرَّتْ مجموعة من الشباب المصري أمام المطعم الأوزبكي، يحاولون اكتشاف ما هنالك، حاولتُ نصحهم بأنه جيد جداً، لكنني لا أعلم لماذا أحياناً نتخذ سلوكيات دفاعية تجاه بعضنا خلال السفر، فالشباب الذي كان متردداً في دخول المطعم حسم أمره ب "لا" بعدما نصحتهم بالمكان...! امتلأتْ المعدة وثقلت الخطوات، أصبحتُ أجرُّ نفسي جراً، أكبر مجهود أستطيعُ فعله هو طبع اسم الفندق في تطبيق التاكسي المحلي، واتنظاره ليحلمني للسرير، أجلسُ في المقعد الخلفي لسيارة كورية الصنع منتشرة في مصر وأنا أفكرُ في عدد السلالم التي سأجاهد لأصعدها حتى أصل للسرير، آه نسيت هناك ممرات طويلة متعرجة بعد السلالم، لماذا لم يمنحني الفندق غرفة قريبة من الدرج، أنا مُتعَب، بل مُنهَك، لم تتجاوز الشعيرات البيضاء في لحيتي 20، لكنني أشعر بأنني تجاوزت السبعين في هذه اللحظة، كيف مشيتُ اليوم كل هذه المسافة، لماذا أفعل هذا بنفسي، أتذكرُ الطعام والعجوز بائعة الكرز والمخبوزات التي سأتناولها في إفطار الغد فأتحمَّس قليلاً، لكن الألم في قدمي ينكِّل برأسي، ويوقظني من الأحلام الجميلة إلى واقع مُرتبك، حان وقت البحث عن مساج مناسب للقدمين. مُستلقياً على سرير غرفتي الفندقية، التلفزيون المسطح المثبت على الحائط يبث برنامجاً رياضيا باللغة الروسية، يُقيم المنتخب المصري الذي سيواجه نظيره الروسي غداً، وبالطبع صلاح هو محور البرنامج، أبحثُ عن مركز مساج للقدمين، أبحثُ بدقة، فالخطأ قد يقودني لمركز بيع المتعة، وجُل ما أريده أن تخفَّ ألسنة اللهب المشتعلة من الألم في قدمَيّ، آثار ذلك الكسر في الكاحل، و4 عمليات جراحية تعاقبني أشد عقاب على السير لمدة 6 ساعات تقريباً، أخيراً أجدُ مركزاً تايلاندياً وتقييمات الزوار تؤكد أنه مساج وليس واجهة لأنشطة أخرى، أهاتفهم لأتأكد من ساعات العمل، فتجيبني سيدة روسية بأنه يمكنني المجيء الآن فأقوم بالحجز.
مريح، هادئ، نظيف، امرأة تايلاندية في منتصف الخمسين، ستقوم بتدليك قدمَيّ ساعة كاملة، أستلقي على سرير المساج، رائحة العطور الآسيوية المنبعثة من مكان ما، موسيقى تجعل فتح جفونك بمثابة رفع 180 كجم، ثم .خخخخخخ عالية انبعثتْ من مكان ما بين حلقي وأنفي، انبعثتْ بصوت أفاقني من غفوة كنتُ فيها أسيرُ في شوارع بانكوك أتفحص الأفيال، وجدتُ "الماسوس" التايلاندية تخفي ضحكتها بيد، وتحاولُ أن تكمل عملها بالأخرى، أعتذرُ محرجاً من صوت شخيري الذي أيقظني، فتشير لي أنه لا مشكلة. انتهت الساعة، من فرط الراحة التي شعرتُ بها، لم أرغب في ارتداء الجوارب والحذاء، شرحتُ للمديرة الروسية ويبدو أنها صاحبة المركز، فابتسمت، وأخرجت لي خُفاً أبيض خفيفاً من القماش، كالمستخدم في الفنادق لكنه رقيق جداً، أعتقدُ أنه من الذي ترتديه السيدات، عقب طلاء الأظافر في صالونات التجميل...! خطوات قليلة قطعتها من باب المركز للتاكسي، لكن الجو كان بارداً حقاً، وقدماي شعرتا بالبرد أكثر من أي جزء آخر في جسدي، لكنه كان منعشاً جداً بعد تدليك لمدة ساعة بالزيوت الآسيوية العطرية، لا أذكرُ شيئاً من أحلام تلك الليلة، كان نوماً عميقاً جداً ولذيذاً. @MawlanaAlRazi يتبع