منذ اللحظة التى أثبتت القوات المسلحة انحيازها للثورة المصرية أصبح سقف المطالب الثورية يرتفع يوما بعد يوم، حتى أنها كانت أحيانا تتعارض مع شعارات الثورة نفسها، خاصة مع اختراق بعض التيارات لمجموعات الشباب الثورية. فقد ارتفعت المطالبات بهيكلة الشرطة وبتطهير القضاء والإعلام دون توضيح أهداف هذا الفكر الذى تحمس له الكثيرين دون أن يفكروا فى جدواه فى حين أنه لم يرفع أحد يوما شعارات إصلاح المؤسسات أو استقلاليتها بدلا من هيكلتها وتطهيرها. كانت هناك عملية تشويه ممنهج لكل مؤسسات الدولة صنعت حالة عامة من الغضب والثورة العارمة وفقدان الثقة فى كل ما هو غير ثورى وكل من لا ينتمون للثورة. أصيب الشباب بحالة من الإحباط بعدما صدر لهم أنهم لم يفعلوا شيئا وأن تغيير النظام مرهون بتغيير كل المؤسسات والقوانين لذلك كان الغضب المسيطر على النفوس يدفع لارتباك المشهد والاصطدام وحصار المؤسسات. لم يكن أحد يجرؤ على مواجهة من يطالبون بتسريح الشرطة وعمل شرطة جديدة وإلغاء أجهزة أمن الدولة والأمن القومى أو بيع الإعلام الحكومى أو من يحاصرون مجلس الوزراء والوزارات، خاصة وزارة الداخلية ومبانى أمن الدولة، أو من يغلقون مجمع التحرير ويحرقون المحاكم ويحاصرون القضاة وإلا اتهم بأنه من الفلول وبقايا النظام السابق. قد يرى البعض ذلك مبررا ووجيها عندما يصدر عن التيارات الدينية التى عانت التضييق والإقصاء والظلم على يد النظام السابق أما التيارات التى تنادى بسيادة القانون والسلمية ودولة المؤسسات فقد كان مستغربا منها مثل تلك المطالبات والأفعال، وإن كانت جميع التيارات تضع كل المطالب غير المنطقية والقانونية تحت مظلة الشرعية الثورية التى لا يقف أمامها أحد أو يرفضها. المنطقى لكل إنسان إصلاحى مسالم أن يرفض حصار أى مؤسسة من مؤسسات الدولة وإن كان بها بعض الفاسدين لأن التعميم والإقصاء والتخوين يصنع أعداء للثورة فى كل مؤسسة وفى قلب كل مضطهد مظلوم كما يصنع معارك وهمية لا طائل منها ويفوت على الدولة كفاءات لا يمكن تعويضها، فالدول لا تنهض بإزالة كل ما كان سابقا بإخفاقاته ونجاحاته والبداية من الصفر وإنما تبنى الأمجاد بإكمال كل نقص وقصورفى الموجود واستثمار كل نجاح قائم ثم البنيان على كل ذلك بجد وعمل وسن للقواعد التى تضبط أى مراحل قادمة فى البناء. لم تكن مطالب تطهير القضاء أو الإعلام أو هيكلة الداخلية تناقش فى إطار موضوعى هادئ يكشف مساوئ تلك الشعارات البراقة التى تخفى وراءها تدمير مؤسسات وقدرات الدولة بزعم أنها تنتمى للنظام القديم وليس للدولة ذاتها. ولم يطرح أحد حلولا مؤسسية وبرامج إصلاحية حقيقية ولم يسع أحد لاستحداث قوانين تكفل استقلال القضاء ونزاهة وحيادية الشرطة أو تحمى الإعلاميين فى الدولة من سطوة وتهديدات أى نظام يأتى لاحقا للحكم بحيث نحمى تلك المؤسسات حتى لو أتت عليها أنظمة فاسدة أو ديكتاتورية. كما لم يراع أحد البعد الإنسانى للعاملين فى تلك المؤسسات التى يطالب الثوار بتطهيرها أو بمعنى أدق تسريح كوادرها وأفرادها وإحلال غيرها بدلا منها. وحتى بالمنطق والعقل لم يفكر أحد أن إهدار كل الطاقات الأمنية والإعلامية وفى كل المؤسسات المختلفة يعنى تسليمهم لاعداءنا ليستخدموهم كأشواك وخناجر فى ظهورنا. وبالدهاء والحيلة لم نجد من يفكر كيف يستغل كل تلك الطاقات فى كشف الفساد والإصلاح الداخلى مقابل التصالح والعفو عن مظالم وفساد المرحلة السابقة. ولم نجد بين كل زعماء الثوريين آنذاك من يدعو جميع أفراد الشعب للتصالح مع بعضهم البعض ونبذ الخلافات ولم نجد من يسعى للمصالحات بين الشعب وكل من كان ينتمى للنظام السابق كما فعل "نيلسون مانديلا" حتى لا ينصرف الشعب عن توجهه الحقيقى للأمام بمعارك فرعية تجره عشرات السنين للوراء. كل ما رأيناه هو ارتفاع نبرة الغضب والإقصاء والانتقام والثأر فى كل خطاباتهم وحواراتهم وتصريحاتهم الرنانة البراقة، وانتقلت بالطبع تلك الحالة لشباب الثوار وبدورها لفئات المجتمع التى طال انتظارها لزعيم يجمع شتات شملها ويوحد فرقاءها ويحقن دماء أهلها ويستطيع أن يصلح ويقرب ويجمع شعبها على مشروع واحد وهدف مشترك ينتقلون به لمستقبل أكثر إشراقة. اعتادت بعض النخب والوجوه الإعلامية تصدير الإحباط للشعب ورهن نجاح الثورة بعمل دستور جديد والقصاص. ثم بدأت مرحلة تشكيك الشعب فى نوايا الجيش للاستمرار فى السلطة ولم يبالى الكثيرون بحساسية وضع الجيش بالنسبة للأمن القومى المصرى وضرورة الحفاظ عليه وعلى هيبته وأن اعترى إدارة المرحلة الانتقالية بعض القصور. بل لقد وصل الشطط للمطالبة بتقليص ميزانية الجيش والاستيلاء على الموارد الخدمية التى يديرها الجيش للإنفاق على التسليح وتقوية كفاءته العسكرية بدعوى أن هذه أموال الشعب يديرها الشعب والجيش فقط مسئولياته حربية وتأمين الحدود دون مراعاة أن تلك الشئون يجب أن تبقى سرية. ودون الحفاظ على الجيش بالبقاء بعيدا عن الشأن السياسى الذى كان يفرض عليه رغما عنه فى كل لحظة. وتكررت المطالبات بمجلس رئاسى مدنى مع كل خلاف أو صدام مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون رؤية أو وعى بكيفية اختيار من سيحكمون أو تحقيق التوافق بين توجهاتهم السياسية والثقافية والاقتصادية. كانت المطالبات بمجلس رئاسى مدنى تصطدم بصعوبة تنفيذ على أرض الواقع حيث الدمج والتوافق على جميع القرارات بين تيارات تنطلق من أيدلوجيات متناقضة هو ضرب من المستحيل، خاصة مع حب الزعامة والظهور الذى أصاب جميع زعماء وقادة تلك التيارات. وبالفعل أظهرت تلك النخب قدرا ضخما من التخبط فى الرؤى والأهداف فمن مرحلة المطالبة ببقاء الجيش انتقلوا لمرحلة الهتاف بسقوط حكم العسكر ومن المطالبة بالدستور أولا للهتاف بلا دستور تحت حكم العسكر. وللحديث بقية أن شاء الله.