فى نادٍ اعتاد أن يُدار بدقة عقارب الساعة، ويُحاط بهالة من الانضباط الصارم والحكمة المؤسسية، لم يعد ما يحدث داخل الأهلى مجرد تعثر نتائج أو كبوة موسم، بل ارتباك منظومة كاملة بدت - فجأة - عاجزة عن حماية إرثها. خروج مذل من كأس مصر أمام فريق من دورى أدنى، وتوديع مبكر ل«كأس عاصمة مصر»وتراجع إلى المركز الثالث فى الدورى المصرى الممتاز خلف الزمالك وبيراميدز، قبل الأمتار الأخيرة من السباق، مع تهديد حقيقى لفقدان مقعد فى دورى أبطال إفريقيا… كلها ليست سوى أعراض لمرض أعمق. الخلل لم يعد فنيًا فقط، بل إداري وقانوني وهيكلي، منظومة متشعبة تبدأ من قمة الهرم الإدارى، مرورًا بلجان تخطيط وكشافين، ومديرى تعاقدات.. وصولًا إلى جهاز فنى تغيّر أكثر من مرة، لكنها رغم هذا التضخم التنظيمى، أنتجت واحدة من أكثر فترات الانتقالات اضطرابًا، وأثقلت خزائن النادى بعقود ملغومة، وفتحت الباب لعقوبات قارية من الاتحاد الإفريقى لكرة القدم، فى لحظة كان يفترض أن يكون فيها الاستقرار هو العنوان. مفارقة مذهلة المفارقة أن الأهلى لم يسقط بسبب نقص إمكانيات، بل بسبب فائض هياكل بلا تناغم، وقرارات بلا رؤية موحدة، ومسئوليات متداخلة تذيب المساءلة. وسط هذه المتاهة يطرح السؤال نفسه: هل ما يتعرض له الأهلى مجرد موسم عاثر، أم نتيجة طبيعية لتراكم أخطاء فى الاختيار والتخطيط وإدارة التعاقدات؟ هذا التحقيق يفتح الملفات المغلقة، ويضع منظومة الكرة فى القلعة الحمراء أمام مرآة قاسية… بحثًا عن إجابة: كيف انكسر النموذج الذى طالما قُدّم باعتباره الأكثر صلابة فى الكرة المصرية؟ جبل إداري.. ونتائج هزيلة تبدأ المنظومة من الكابتن محمود الخطيب، رئيس النادى والمشرف العام على الكرة، مرورًا بسيد عبد الحفيظ نائب المشرف، ولجنة تخطيط يقودها الكابتن مختار مختار وتضم أسماءً بحجم زكريا ناصف، ثم المدير الرياضى محمد يوسف، فمدير الكرة وليد صلاح الدين، وصولًا إلى المدير الفنى الدنماركى ييس توروب. هيكل ضخم، متعدد الطبقات، يفترض أن ينتج قرارات دقيقة ومدروسة. لكن الواقع يقول إن تعدد الحلقات خلق تداخلًا فى الاختصاصات، وضبابية فى المساءلة، وتبادلًا ضمنيًا للمسئوليات عند الإخفاق. إخفاقات التعاقدات.. أزمة تقييم أم غياب رؤية؟ قائمة الصفقات المخيبة طويلة، وتمتد لسنوات، بما يعكس خللًا مزمنًا فى ملف «المهاجم الأجنبي» تحديدًا.. ومع تراكم الفشل.. كانت النتيجة القاسية: فترات انتقالات من سييء إلى أسوأ فى تاريخ النادي. من اللبنانى محمد غدار، إلى الكونغولى والتر بواليا، والتنزانى سيمون ميكيسونى، والفرنسى أنطونى موديست، والبرازيلى برونو سافيو، والمغربى رضا سليم، والتونسى محمد كريستو. استثناءات قليلة فقط كسرت القاعدة، مثل المغربى وليد أزارو، والفلسطينى وسام أبوعلي. الأزمة لم تعد فى اختيار اسم بعينه، بل فى فلسفة التعاقد نفسها: هل يختار الأهلى بناءً على احتياج فنى واضح؟ أم وفق فرص سوقية؟ أم بترشيحات لجنة اسكاوتنج تفتقر لمعايير ثابتة؟ وهل يملك المدير الفنى الكلمة الأولى، أم يُفرض عليه اللاعب ثم يُحاسب على عدم توظيفه؟ الفخ القانوني.. عقود تُكبّل القرار الأزمة لا تتوقف عند سوء الاختيار، بل تمتد إلى الصياغة القانونية للعقود. عقود السويسرى مارسيل كولر، والإسبانى روبيرو، والدنماركى ييس توروب، وضعت النادى أمام معادلة قاسية: إما الصبر على نتائج مخيبة، أو دفع تسويات بملايين الدولارات تجنبًا لعقوبات الاتحاد الدولى لكرة القدم. شبح إيقاف القيد، كما حدث مع الزمالك والإسماعيلى والاتحاد السكندرى، بات هاجسًا حاضرًا فى أى قرار فسخ أو تعديل تعاقد. وهنا يتبدى خلل آخر: كيف لنادٍ بحجم الأهلى أن يفتقر إلى إدارة تعاقدات محكمة قانونيًا، تحميه من الابتزاز المالى عند الإخفاق الفني؟ العقوبات الإفريقية.. ضربة إضافية عقوبات لجنة الانضباط فى الاتحاد الإفريقى لكرة القدم على خلفية أحداث مباراة الجيش الملكى، وحرمان الفريق من جماهيره أمام الترجى التونسى فى ربع نهائى دورى أبطال إفريقيا، رفعت من درجة تعقيد المشهد. الأهلى لا يخسر فقط أفضلية الأرض، بل يفقد عنصر الضغط الجماهيرى الذى طالما كان سلاحًا استراتيجيًا فى مبارياته القارية. قرارات إنقاذ.. رد فعل أم إصلاح جذري؟ إعلان الخطيب عن خصم %30 من الرواتب وتعليق %25 من العقود، وتقديم موعد السفر إلى تونس، وبدء إعادة هيكلة قطاع الكرة بقيادة ياسين منصور وسيد عبد الحفيظ.. كلها قرارات تعكس إدراكًا لحجم الأزمة. لكن السؤال الجوهري: هل تكفى القرارات المالية والانضباطية لعلاج خلل هيكلى ممتد لسنوات؟ تقليص الهيكل، إلغاء لجنة التخطيط، إعادة تعريف أدوار محمد يوسف، وإعفاء وليد صلاح الدين.. قد تكون خطوات تنظيمية ضرورية. لكن الإصلاح الحقيقى يبدأ من: 1. توحيد جهة القرار الفنى ومنحها صلاحيات كاملة مع مساءلة واضحة. 2. إعادة هيكلة إدارة التعاقدات قانونيًا لحماية النادى ماليًا. 3. وضع فلسفة فنية مستقرة لا تتغير بتغير المدرب. 4. إعادة الانضباط لغرفة الملابس التى بدت فى فترات كثيرة بلا قائد حقيقي. الأهلى لا يعانى من نقص موارد، ولا من غياب أسماء كبيرة، بل من تضخم إدارى بلا إنتاجية موازية، ومن خلل فى توزيع الصلاحيات، ومن تعاقدات تفتقر للرؤية طويلة المدى. الموسم لم ينته بعد، لكن المؤشرات مقلقة.. وإن لم يتحول الغضب إلى إصلاح مؤسسى عميق، فقد يكون الموسم الصفرى مجرد بداية لمنحنى أكثر خطورة. السؤال الآن: هل يمتلك الأهلى شجاعة الاعتراف بأن المشكلة فى المنظومة لا فى الأفراد؟ وهل تكون هذه الأزمة فرصة لإعادة البناء.. أم بداية تآكل بطيء لقمة طالما بدت عصية على السقوط. 1 3