في مجتمعاتٍ يتراجع فيها المعنى قبل الأرقام، لا تكون أزمة التعليم أزمة مناهج، بل أزمة وعي يُعاد تشكيله بصمت. وهنا يتبدّى الفارق بين خبيرٍ يُصلح الأعراض، وعالم اجتماعٍ يشتبك مع البنية.. الدكتور حسن البيلاوي كان من الفئة الثانية. لم يكن رجل مناهج، بل رجل أسئلة. لم يرَ المدرسة خدمةً عامة، بل بنيةَ سلطةٍ ومعرفة؛ فضاءً يُصاغ فيه تصور الإنسان عن ذاته، وتُعاد فيه كتابة علاقة المجتمع بمستقبله.
تلقيت دعوة لحضور احتفالية تكريمه. لم ألبِّ الدعوة لأسبابٍ ليس هذا مقام تفصيلها، لكن الغياب عن القاعة لا ينبغي أن يتحوّل إلى غيابٍ عن الشهادة. فثمة رجال لا يُكرَّمون بالتصفيق، بل بالإنصات العميق لما قالوه طوال عقود، وبالجرأة على الاعتراف بأننا لم نأخذ من أفكارهم ما يكفي.
على مدى أكثر من عقدٍ من الاقتراب والحوار، لم تكن جلساتنا تدور حول لوائح أو تحديثات إجرائية، بل كانت تنفتح على الفلسفة سؤالًا عن المعنى، وعلى علم الاجتماع تفكيكًا للبنية، وعلى السياسة بوصفها إدارةً للسلطة الرمزية داخل المجتمع. كان يرى في كل منهجٍ تصورًا ضمنيًا للإنسان، وفي كل صياغةٍ لسؤالٍ داخل الفصل تمريرًا لرؤيةٍ عن العدالة أو الامتثال.
كان يسأل بلا مواربة: من يُنتج المعرفة؟ ومن يُحدّد صورة المواطن؟ وهل المدرسة أداةُ حراكٍ اجتماعي، أم جهازٌ مُهذّب لإعادة إنتاج التفاوت؟ من نقد الإيديولوجيا إلى مساءلة البنية في «نقد الإيديولوجيا في التعليم والمجتمع» لم يُراجع الدكتور حسن البيلاوي مناهج، بل فكّك الإطار الذي يُنتجها. كشف الطبقات الخفية التي تتسلّل إلى اللغة والسرد والمثال، وسأل: أي إنسان نصنع بين السطور؟
وفي «الأنثوجرافيا النقدية في علم اجتماع المدرسة» اقترب من التفاصيل اليومية التي تبدو هامشية لكنها تكشف جوهر السلطة الرمزية داخل الصف. المدرسة عنده ليست مكانًا لتوزيع المعرفة، بل موقعًا لإعادة إنتاج المواقع الاجتماعية أو زحزحتها.
لم يكن مشروعه تجميلًا للواجهة، بل مساءلةً للأساس. لم يطالب بتحديث الأدوات فقط، بل بإعادة تعريف الغاية: شهادة أم وعي؟ امتثال أم نقد؟ استقرار ظاهري أم عدالة حقيقية؟ الطفولة.. خط الدفاع الأول حين تولّى قيادة المجلس العربي للطفولة والتنمية، باختيارٍ واعٍ من الأمير الراحل طلال بن عبدالعزيز آل سعود ( لروحه النبيلة السلام والسكينة)، لم يُدر مؤسسة، بل أعاد تعريف موقعها. على مدى عقدٍ ونصف، شهد المجلس تحوّلًا في الفلسفة قبل الهيكل. أدرك البيلاوي أن الطفولة ليست ملفًا اجتماعيًا، بل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الثقافي. فالأمم لا تُستنزف حين تُخترق حدودها فقط، بل حين يُعاد تشكيل وعي أجيالها خارج سياقها الحضاري.
إطلاق "الشبكة العربية للطفولة المبكرة" بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) لم يكن تنسيقًا مؤسسيًا عابرًا، بل إعلانًا بأن السنوات الأولى هي ساحة التأسيس الحقيقي للهوية والقدرة على التفكير. هناك تتشكّل اللغة التي سنفكّر بها، وحدود الممكن الذي سنجرؤ على تخيّله.
وفي تعاطيه مع قضية أطفال الشوارع، لم يتحدث عن رعاية، بل عن خلل بنيوي. الطفل الذي يُقصى من المدرسة ليس هامشًا، بل إنذار مبكر بتصدّع العدالة التعليمية. ومن دون عدالة في البدايات، لا استقرار في النهايات. في عهده، انتقل المجلس من منصة توصيات إلى منصة تأثير؛ من خطابٍ أخلاقي عن الطفولة إلى رؤية تجعل بناء الإنسان أولويةً سياسية لا بندًا إنسانيًا. التعليم.. معركة معنى في عالمٍ تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على إنتاج المعرفة، يصبح التعليم مسألة سيادة. الدول التي تفتقر إلى فلسفة تعليمية واضحة تُدار معرفيًا من الخارج، وتستورد نماذج لا تنتمي إلى سياقها. الدكتور البيلاوي فهم مبكرًا أن التعليم ليس قطاعًا خدميًا، بل معركة معنى. وحين يتراجع المعنى، تتراجع القدرة على التفكير، ويتقلّص الخيال الاجتماعي، وتصبح المجتمعات أقل استعدادًا لمواجهة أزماتها. .. في الختام أستاذنا الكبير، قد لا يحضر بعضنا قاعات التكريم، لكننا نحمل في وعينا أثر الحوارات التي أعادت تعريف المدرسة، والطفولة، والمجتمع ذاته. أفغنة الإقليم.. حين تتحول سوريا إلى نموذج يُعمَّم الجولاني.. من هامش الجهاد إلى واجهة المرحلة لقد علمتنا أن التعليم ليس وظيفة، بل مسؤولية حضارية. وأن الطفل ليس مستقبلًا مؤجّلًا، بل حاضرًا يتشكّل كل يوم. وأن الفكر إذا لم يتحوّل إلى سياسة، يبقى دينًا في أعناقنا. أما الحقيقة الأشد قسوة، فهي أن المجتمعات لا تخسر مفكريها حين يرحلون.. بل حين لا تُصغي إليهم وهم بيننا. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا