لا يمكن الحديث عن بناء الإنسان بمعزلٍ عن دور الأم، فتلك حقيقة عميقة تتجاوز حدود العاطفة إلى صميم تكوين المجتمعات واستقرارها؛ فالأم ليست مجرد طرف في منظومة الأسرة، بل هي المؤسسة التربوية الأولى التي يتشكّل داخلها وعي الإنسان وقيمه واتزانه النفسي. في كل حديث عن التعليم، تنصرف الأذهان إلى المدارس والمناهج والخطط الإصلاحية، لكن يبقى السؤال الأهم: من يضع البذرة الأولى لهذا التعليم؟ الطفل لا يتعلّم اللغة في الفصل الدراسي، بل يتلقاها أولًا من الأم. ولا يعرف معنى الرحمة أو الخوف أو الطمأنينة عبر الكتب، بل يختبرها في حضن الأم.
وإذا كان التعليم الحديث يؤكد أن السنوات الأولى من عمر الإنسان هي الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصيته، فإن الأم هي المعلم الذي يعمل في هذه المرحلة دون مناهج مكتوبة أو شهادات أكاديمية، وإنما بخبرة فطرية يندر أن تخطئ. اللافت أن القرآن الكريم لم يقدّم برّ الوالدين باعتباره مجرد قيمة اجتماعية، بل وضعه في مرتبة تالية مباشرة لعبادة الله، حين قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يخصّ القرآن الأم بذكر معاناتها وتضحيتها، في قوله سبحانه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾، في إشارة واضحة إلى أن رحلة الأمومة ليست لحظة عابرة، بل مسيرة طويلة من المشقة الجسدية والعاطفية والنفسية. وفي السياق ذاته، تكشف السنة النبوية عن إدراكٍ بالغ لثقل هذا الدور، حين جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأم في مقدمة من يستحق حسن الصحبة، مكررًا الإجابة ثلاث مرات عندما سُئل: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» فقال: «أمك... ثم أمك... ثم أمك». وهو ترتيب لا يعكس مجرد تكريم معنوي، بل اعتراف بحجم المسؤولية التي تتحملها الأم في صناعة الإنسان.
الأم، في جوهر دورها، لا تقوم فقط بالتربية، بل تمارس ما يمكن وصفه بالطب النفسي الفطري. فهي التي تعيد التوازن إلى طفلها عند الخوف، وتزرع فيه الثقة بعد الإخفاق، وتمنحه القدرة على تجاوز الأزمات الأولى التي تشكّل ملامح شخصيته المستقبلية. الشعور بالأمان العاطفي في الطفولة يمثل؛ بحسب دراسات علم النفس الحديثة، حجر الأساس للصحة النفسية لاحقًا، وهو الدور الذي تؤديه الأم غالبًا دون وعي نظري أو تدريب متخصص. لكن ما يميّز الأمومة حقًا هو استمراريتها. فدور الأم لا ينتهي عند مرحلة الطفولة، بل يتجدّد مع كل مرحلة يمر بها الأبناء. فهي تظل مصدر النصيحة والدعم النفسي حتى بعد أن يصبح الأبناء مستقلين بحياتهم، بل يتسع عطاؤها ليشمل الأحفاد، في مشهد إنساني يعكس طاقة فريدة من الحب لا تنضب بمرور الزمن. الشعر العربي عبّر عن هذه الحقيقة ببساطة مكثفة حين قال حافظ إبراهيم: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق فهذا التصوير لا يحمل مبالغة بلاغية بقدر ما يعكس حقيقة اجتماعية واضحة؛ إذ إن بناء الإنسان يظل المقدمة الطبيعية لبناء الأوطان، ولا يمكن لأي مشروع تنموي أو حضاري أن ينجح دون تأسيس تربوي سليم يبدأ داخل الأسرة، حيث تمثل الأم الركيزة الأساسية في هذا البناء.
ورغم التحولات الاجتماعية المتسارعة، وتزايد الأعباء الاقتصادية والمعيشية، ما زالت الأم تؤدي دورها بصمت، تجمع بين الحزم والحنان، وبين التوجيه والدعم، وبين التضحية والقدرة على الاستمرار دون انتظار مقابل. وهي بذلك تمارس نموذجًا فريدًا من القيادة، قيادة لا تعتمد على السلطة أو النفوذ، بل على التأثير العميق في تشكيل الإنسان ذاته.
إن الحديث عن الأم ليس احتفاءً عاطفيًا بقدر ما هو اعتراف بحقيقة اجتماعية وإنسانية ثابتة، فالأم تظل المدرسة الأولى، والطبيب النفسي الأقرب، والمصدر الأصدق للحب غير المشروط. وربما لهذا بقيت الأم عبر التاريخ رمزًا للرحمة والاستمرار، وبقي أثرها ممتدًا في حياة أبنائها، بل وفي حياة المجتمعات التي تتكوّن من هؤلاء الأبناء. ولكم في جبر الخواطر حياة! تطوير الإعلام متى وكيف! وفي زمن تتكاثر فيه الأسئلة حول مستقبل التربية وبناء الإنسان، ربما يكون من الحكمة أن نعيد النظر في هذا الدور الصامت الذي تمارسه الأم يوميًا، باعتباره حجر الأساس الذي تقوم عليه كل مشروعات الإصلاح الحقيقية. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا