100 ألف مكتب على مستوى الجمهورية.. ونصف مليون فتاة ضحية شهريا «الزواج الإسلامي وفق شرع الله.. لدينا جميع الأعمار والمؤهلات والمستويات الاجتماعية»، إعلان صغير تم نشره على صفحة تحمل اسم «خاطبة فيس بوك» يتابعها أكثر من 250 ألف شخص، من هنا بدأت رحلة "محررة فيتو" التي خاضت تجربة الزواج الإسلامي لتكشف كواليس وبيزنس تلك المكاتب التي تشير أرقام غير رسمية إلى أنها تعدت ال100 ألف على مستوى الجمهورية. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن نسبة العنوسة في مصر وصلت إلى 8 ملايين فتاة، أي بنسبة 40% من العدد الكلي للنساء، وهو رقم -وفقًا لما جاء في التقرير- قابل للارتفاع خلال الفترة المقبلة لعدة أسباب أبرزها الأزمة الاقتصادية، وانخفاض الأجور مقارنة بزيادة الأسعار. محررة "فيتو" بدأت رحلتها باتصال هاتفي عن الإعلان المقدم مشترطة أن يكون العريس ثريًا، وأن يتم الزواج بشرع الله، وجاء الرد بتحديد موعد بعد الحصول على البيانات تليفونيًا وهي بيانات تخضع لها كل فتاة وتتمثل حول «الاسم – السن – العمل – الحالة الاجتماعية هل سبق الزواج – مواصفات العريس – الجنسية». الثانية ظهرًا، وقفت محررة "فيتو" في الموعد المحدد أمام شقة متوسطة المساحة بالطابق الأول في أحد عقارات شارع المنشية بالجيزة، وجدته بيتًا عاديًا لا تميزه عن سائر الوحدات السكنية سوى لافتة مكتوب عليها «حقق حلمك لتيسير الزواج.. لدينا جميع الجنسيات». سيدة في العقد الثالث من عمرها تسمى «ياسمين» محامية سابقة هكذا عرفت نفسها، تتولى عملية الاستقبال، واتضح فيما بعد أنها مالكة المكتب كما عرفنا لاحقًا وذلك بالشراكة مع شقيقها «سيف»، وبعد الترحيب تبدأ في سرد لماذا قبلت أن تعمل في هذا الأمر، مؤكدة أنها تقدم خيرًا للبشرية من خلال تزويج الفتيات في تلك الشقة التي تتكون من حجرتين وصالة. مكتب صغير في المواجهة، تخترقه أشعة الشمس بالكاد، لا يوجد أحد سوى «ياسمين» وملفات أكثر من 60 بنتًا، أكدت مالكة المكتب أن نصفهن على الأقل تزوجن أما الباقي ففي انتظار "بيت العدل". السيدة التي تدرك قلق الفتيات -بحكم عملها منذ 10 سنوات- تبدأ بطمأنتهن قائلة «الملفات ديه بنسلمها للبنات بعد ما يجوزوا وبنبارك ليهم، إحنا مهمتنا نقرب المسافات من خلال كورس زواج إسلامي علشان يقدروا يختاروا شريك حياتهم». رغم الإجابة عن الأسئلة في الاتصال الذي يسبق المقابلة، لكن السيدة التي تدعى «ياسمين» أصرت على معرفة «الاسم - السن - العمل - مواصفات العريس»، أما أن يكون العريس ثريًا فلم تظهر المحامية السابقة أي مشكلة قائلة «عندي ناس مستواهم المادي كويس ومرتبهم بيبدأ من 4 آلاف جنيه». «ياسمين» التي تعمل وحدها في المكتب دون أي موظفين آخرين، بعد الانتهاء من المقابلة التقليدية تدخل في مرحلة "الوصايا العشر" التي يجب أن تنفذها الفتاة لإنجاز مشروع الزواج، ورغم أنها وصايا مكررة على شاكلة الاهتمام بالمظهر الخارجي، وأن تكون شخصية اجتماعية و«تتكلم بلغة العيون»، فإن الوصايا الأخرى كانت هي مثار الاندهاش...! لكي تتزوج زواجًا إسلاميًا كما تزعم يجب أولًا خلع الحجاب، هذا الفرق بين الإعلان والحقيقة، تبعتها السيدة بنصائح أخرى منها الإكثار من «الميك آب» فالرجل يحب المرأة الجميلة، وعليها أن تترك الملابس الواسعة، على أن تفعل ما يحلو لها بعد «ما تجيب رجل الزبون» على حد قولها. الأمر لم يقف عند حد النصائح فشملت الوصايا العشر الخروج في أفراح والرقص أمامه حين يخطبها، والأخيرة كانت عدم إظهار قوة شخصيتها «الراجل لازم تباني قدامه ضعيفة علشان تحسسيه برجولته» هكذا أنهت الحديث في هذا الجزء. الخطوة الثالثة بدأت مع "محررة فيتو" حين عُرض عليها عريسان الأول 28 سنة ويعمل في مصنع غزل ونسيج ويتقاضى 4 آلاف جنيه في الشهر، والثاني محام دخله 3500 جنيه، وبعد عرض صورهما اختارت المحررة أحدهما لتتمكن من استكمال رحلتها. اتضح بعد ذلك أن طريقة التواصل بعد الاختيار تكون من خلال ترك رقم الهاتف، وفقًا لما ودفع 300 جنيه ليس لها الحق في استرجاعها لو حدث مشكلة قبل فترة الخطوبة. تجدر الإشارة هنا إلى أن دراسات غير رسمية أجرتها منظمات مهتمة بشأن المرأة تشير إلى أن هذه النوعية من المراكز تحصل من كل فتاة على مبلغ يتراوح ما بين 200 و500 جنيه، فيما تحدد بعض المراكز الأخرى «الفيزيتا» بحسب مستوى العريس كما أوضحت الدراسات ذاتها أن عدد الفتيات اللاتي يرتدن تلك المراكز يقارب نصف مليون فتاة شهريًا، وهذا الرقم معرض للزيادة مع زيادة نسبة العنوسة، وارتفاع نسبة الإحباط بينهن نتيجة لأسباب كثيرة أهمها ما يعانينه بين أسرهن. وفى تحليلها لهذا الأمر قالت الدكتورة شادية القناوي، أستاذ علم الاجتماع جامعة عين شمس: مثل تلك المكاتب أهون بكثير من غيرها التي تكون بابًا آخر لزواج الفتيات من عرب فيما يسمى «دعارة مقننة»، والفهم الخاطئ للمرأة التي لم تتزوج وحالة الضغط التي تقع فيها الفتيات، وإيمان شريحة كبيرة من الأمهات بدور «الخاطبة» جميعها أسباب تدفع الفتيات إلى طرق تلك الأبواب. إلا أن إضافة كلمة «إسلامي» هو نوع من النصب لطمأنة الفتاة أن كل شيء لن يكون خارج إطار التعليم الإسلامي وإن كان ما يحدث عكس ذلك.