شخصيًا، أوقن أن ما كان لى سوف يأتينى، ولو كان في عمق المحيط، كما أوقن أن ما ليس لى لن يأتينى، ولو كان بينى وبينه قيد ذراع، كما أوقن أن ما أصابنى لم يكن ليخطئنى، وما أخطأنى لم يكن ليصيبني.. يقول ربنا جل وعلا: «وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم» (يونس: 107).. في ظل أنظمة الحكم الاستبدادى، على الدعاة إلى الله والعاملين في الحقل العام أن يوطنوا أنفسهم على أنهم في أي لحظة يمكن أن يفاجأوا بمن يقتحمون عليهم دورهم ويقومون باعتقالهم، أو اقتيادهم إلى نيابة أمن الدولة العليا، ثم إلى الحبس الاحتياطي فترة من الزمن، قد تطول أو تقصر.. في السجن، كان لدى يقين بأن الله تعالى أراد لى الخير؛ أن أحفظ القرآن، وأقوم الليل تهجدًا، وأن أتحلى بالصبر والحلم، وأستدرك ما فاتنى في سالف الأيام.. وتبين لى أن السجين يستطيع أن يعوض الحرية المصادرة بشيء أعز وأغلى وهو أن يعيش مع الله، وأن يكون موصولا به، فذلك يهون عليه الكثير من العذابات وآلالام والأوجاع.. في كثير من الليالى، ذقت حلاوة المناجاة مع الله.. أبثه شكواى ولواعج قلبى وضعفى وقلة حيلتى.. وكان سبحانه يتنزل على بواسع رحمته وفيض جوده ومنه وكرمه، راحة ورضا وسكينة واطمئنانًا.. في تلك الفترة، صفت نفسى من كدر الحياة الدنيا ولم يعد لدى انشغال بأى من سفسافها.. أقبلت على الآخرة بشوق، إيثارًا لما عند الله تعالى وما أعده لعباده من رضوان ونعيم.. أدركت بيقين أنها فترة حساب ومراجعة وتقويم لما فات من أحداث ومواقف وأخطاء وخطايا في زمن الحرية.. لقد كانت فترة السجن تدريبًا لك على الحياة مع الله، وها أنت قد ذقت حلاوتها وأيقنت من عظم نتائجها، وأنه سبحانه حفظك ورعاك، فكن نعم العبد الشاكر، الذاكر، المستغفر، الأواب، الهين، اللين، المتسامح، الكريم، الألوف، العطوف، والمتواضع، وهى كلها صفات المخبتين العابدين.. تروى كتب السيرة أن الحبيب (صلى الله عليه وسلم)، وهو يدخل مكة فاتحًا في العام الثامن للهجرة وحوله الكتائب والرايات، وقد وقف عمه العباس مع أبى سفيان خلف صخرة يرقبان المشهد، فيقول أبو سفيان: يا أبا الفضل، لقد صار ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا.. فيرد العباس قائلا: يا أبا سفيان إنها النبوة.. وتروى كتب السيرة أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قد أحنى هامته لله، حتى أن طرف لحيته ليمس ظهر ناقته تواضعًا لله؛ صاحب النصر، وواهب الحياة والوجود، ومالك الملك والملكوت.. هكذا يجب أن يكون العبد، امتثالا وعرفانًا بجميل الله عليه.. ألم يقل سبحانه: «وما بكم من نعمة فمن الله»؟