لا يهمنى ما أطلق عليه زلزال إعلان ترشيح خيرت الشاطر للرئاسة، ولا جنسية أم حازم أبو إسماعيل, ولا كاريزما أبو الفتوح وعمرو موسى،ولا قبول أحمد شفيق، ولا رومانسية حمدين صباحى، ولا بكائيات أيمن نور، ولا جاذبية الست بثينة، ولا حتى قنبلة عمر سليمان. لا يهمنى كل هذا أمام ما يتعرض له كرسى الرئاسة الرفيع من كآبة المنظر وسوء المُنْقَلَب..اختلط الجد بالهزل، ثم صار هزلاً كاملاً..تُرِكَت شروط وضوابط التقدم دون إحكام يحفظ للمنصب هيبته ووقاره، فصار موقع الرئاسة إعلاناً فى صفحات الوظائف الخالية! باستثناء نفر قليل من رموز العمل السياسى والعام، كان هناك طابور طويل من المتقدمين لسحب أوراق الترشيح، أشكال وشخصيات غريبة تذكِّرنا بالمُتَرَدِّيَة والنَّطِيحة وما أكل منها الكلب، ورأينا المستهبل واللاسع والوضيع، بل و«الرَّقيع»!..رأينا السباك والفران والتُّرَبى والصُّرَماتى والقهوجى، وأسجل احترامى الكامل لتلك المهن، لكنى أستثنى من الاحترام أصحابها الواقفين فى طابور سحب أوراق الترشيح بالشبشب والمطواة وسجائر البانجو، ناهيكم عن المهدى المنتظر والمحشِّش المحتمل لرئاسة الجمهورية! فى تقديرى أننا أمام نتائج كارثية لما يحدث..نتائج أراها قد تفت فى عضد هيبة مؤسسة رئاسة جمهورية مصر بأن يسقط اعتبار كرسى الرئاسة أمام طوفان السخرية والاستهزاء من صَرْح المؤسسة الرئاسية المهيب، بل والاستهزاء بمصر والمصريين أنفسهم، بصورة بدا أنها فاقت ما كان يقال عن كافور الإخشيدى حاكم مصر«المخصى»! أشعر بألم عميق من كل هذا الغبار الساخر المثار حول كرسى الرئاسة المبجل أو الذى كان يوماً مبجلاً..ما أقوله ليس على سبيل «طق الحَنك»، وإنما هو رصد دقيق لما يتردد بالشارع ويصب فى النتيجة التى يخشاها كثيرون بل ويرتعدون منها..لهذا سأنقل صوراً من بعض مايترد، وأبدأ بالصُّرَماتى الذى قيل إن أحدهم قد سأله ألا ترى أن الكرسى واسع عليك؟ فقال مفيش مشاكل نحُط له فَرْشة..وأسمع من يقول إن الحشاش المتقدم لسحب أوراق الترشيح أعلن فى أول تصريح له أنه سيختار ثلاثة نواب للرئيس من بين المرشحين، وعندما سألوه عن السبب قال لأننى أرى أن الكرسى يتسع لأربعة، سألوه كيف؟ قال سوف أقلبه لنجلس عليه نحن الأربعة مرتاحين!..ولما تقدم الأخ القهوجى قيل لاعجب أن ينظر القهوجى إلى كرسى الرئاسة كما ينظر إلى كرسى المعَسِّل..فى المشهد أيضاً كانت الصورة الصادمة للمتقدم للرئاسة الذى ضبطوا معه «جوان بانجو» داخل اللجنة وقال إنه يسعى إلى رَوْشنة البروتوكولات الرسمية وسوف يبدأ باعتماد السلام الوطنى نشيد «كده بانجو ياقمر»..أما أعقل المتقدمين وأكثرهم رصانة كان الأخ السباك الذى أعلن برنامجه فى كلمة واحدة هى مكافحة «الكوع»..هذا مجرد غَيْض من فَيْض مما يتردد، وبات واضحاً أنه اجتراء وقح على الموقع الرفيع..اجتراء يقوِّض المنظومة القِيَمِيَّة لهرم الدولة، فيبدو الرأس عند القدم والقدم فى مقام الرأس! ربما أبدو كلاسيكى النزعة فيما يتعلق بتبجيل مؤسسات الدولة السيادية، وقد أبدو متشدداً إلى حد التطرف فى المطالبة بعدم الاقتراب منها على الأقل فى هذه المرحلة الخطيرة وسط التسيب والانفلات والفوضى والحديث عن إسقاط الدولة وتفكيكها، فإذا اتفقت معى فبها ونعمت، وإذا لم تتفق فمنك لله! بمناسبة الحفاظ على هيبة رأس الدولة، أذكر حكاية حكاها لى صديق لا أشك فى صدقه إطلاقاً، وقد أقسم لى أنها حدثت لقريب له يدعى عبده الطباخ..سافر عبده إلى الأردن بحثاً عن عمل أيام الملك حسين رحمه الله، وهناك عمل طباخاً بمطعم متواضع، وعندما عاد إلى مصر فى أول إجازة، قابله صديق وسأله عن مكان عمله، فقال عبده ربنا كرمنى واشتغلت طباخ فى البلاط الملكى عند جلالة الملك حسين..انتهت إجازة عبده وعاد إلى الأردن، أراد صديقه أن يرسل له خطاباً، فكتب الخطاب لكن عبده: لم يكن قد ترك له عنوانه ليراسله عليه، فوضع الخطاب فى المظروف وكتب عليه من الخارج يصل ويسلَّم إلى الملك حسين ومنه إلى الأسطى عبده الطباخ، ثم ألقاه فى صندوق البريد، ووصل الخطاب إلى الأردن‘وبعد يومين وصل عبده إلى مطار القاهرة، ليصلى ركعتين شكر لله ويقسم ألا يغادر مصر مهما كانت الظروف! أختم بقفشة ظهرت فى ظل البطالة..سألت الأم ابنها العاطل: رايح فين يابنى؟ قال لها:رايح أدوَّر على شغل، قالت له: والنبى لو لقيته ابقى سَلِّم لى عليه..الآن قد تقول الأم لابنها العاطل وهى توقظه: قوم يا بنى يمكن ربنا يكرمك أنا سامعة أنهم طالبين رَيِّس!..حبيبى القارئ الجميل بذمتك يا شيخ ألست معى فى أننا نعيش أزهى عصور المهلبية؟!