في روايته الجديدة "الأرمغان"، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يتخذ الكاتب والروائي شريف لطفي من ثنائية "الحلم" و"الكابوس" مجازا فنيا لتصوير ثنائية "الممكن والمستحيل"، "المثال والواقع"، "الأمل والإحباط"، في مغامرة فنية طموح سعى لأن تكون "تأريخا فنيا" و"تسجيلا روائيا" لما تصطنعه السلطة الغاشمة بأذرعها الباطشة من أساليب وإجراءات وآليات لإحكام السيطرة على شعوبها المقهورة، وتكريس الأوضاع وإحكام السيطرة وسد المنافذ بما يحول ويمنع من التفكير أو الحلم، مجرد حلم، للخروج من هذه الدائرة الجهنمية والبحث عن ثغرة، قد تتسع لتصبح ثغرات، للإعلان عن حلم الشعوب بالتغيير، بالخلاص، بالثورة. مغامرة فنية محفوفة بالمخاطر، تستدعي أن يكون الفنان المغامر مدركا لصعوبة وتبعات خوضها مع التركيز الشديد في صوغ ونسج تجربته الفنية، وهذا نجح فيه شريف لطفي في تجربته الروائية الثانية، إذ قرر أن يلتجئ إلى قناع التاريخ ودهاليز العقل الباطن كإطار محكم لروايته "الأرمغان". "الأرمغان" فكلمة من أصل فارسي بمعنى "الهدية" أو "هدية المسافر"، كانت شائعة الاستخدام في العصر العثماني، وما زالت تستخدم حتى الآن في عامية مدينة حلب الشهباء بسوريا. تنطلق أحداث الرواية حين يستيقظ السلطان ذات صباح مهموما مؤرقا بسبب "حلم مزعج" رآه في نومه، "كابوس" أزعجه وأقلق منامه، فيستدعي نائبه الداهية ويأمره فورا بإحضار "ضارب الرمال" و"مفسر الأحلام" لمعرفة تفسير هذا الكابوس اللعين، في الوقت الذي تصله الأنباء عن شيوع "الأحلام" في أوساط الرعية، يتداولون بينهم "أحلاما" رآها بسطاء مثلهم، أناس من المصريين، فسرها لهم "الشيخ مهدي" كل بحسب ما رآه وحلم به. وعبر فصول الرواية، تتكشف الأحداث شيئا فشيئا، ففي مواجهة "الحلم المزعج" أو "كابوس" السلطان، الذي أخبره بمدلوله ومعناه "مفسر الأحلام"، الصبي الموهوب في تفسيرها، يرى أربعة من الرعية، هم على الترتيب: "جابر النقلي"، "زينب البلانة"، "أحمد السقاء"، و"فاطمة الجارية"، أربعة أحلام متتابعة، يشير كل حلم منها بدلالته وتفسيره إلى ما أشعل غضب السلطان وأثار ثائرته، فيقرر الاستعانة بنائبه الداهية، لمواجهة ظاهرة تفشي الأحلام بين الرعية والبحث عن سبل مواجهتها. فبماذا أشار عليه نائبه وكاتم أسراره؟ وكيف واجه أحلام الرعية؟ وهل نجح في القضاء عليها فعلا؟ وماذا كان مصير المصريين الأربعة الذين حلموا بما لم يحلم به غيرهم، لكن وفي الوقت ذاته تكاثرت تلك الأحلام وتناسلت وتوالدت لتتحول إلى أحلام جديدة تتناقل من منزل إلى منزل دون أن تراه عيون السلطان و"بصاصين السلطنة"؟ كيف استنبتت السلطة آلية "الكابوس المضاد" لقمع "حلم التغيير"؟ وبين مواجهات السلطان وحاشيته وقوته الباطشة لأحلام الرعية وتناسلها، وباستخدام تقنية "القطع" أو "المونتاج السينمائي" تتتابع أحداث الرواية في حقبة حالكة من تاريخ مصر في العصر المملوكي، وإن كانت ورغم أنها "مصر المحروسة" في زمن سلطان المماليك، فإنها لا تكاد تختلف في كثير أو قليل عن "مصر المحروسة" في زمن سلاطين القرن الحادي والعشرين، وإن اختلفت الأسماء والوجوه والرموز والمناصب وحتى لو اختلفت "عناوين الصحف" التي سنفاجأ بأنها واحدة، في لعبة سردية محبوكة ومتعمدة، ستستوقف القارئ وتجذبه إلى مواصلة القراءة والكشف عن مفاتيح اللعبة. ويبدو التماثل شاهدا وقائما بين بنية الرواية التخيلية وشعارات الثورة الأربع التي رفعها المصريون ورددها الملايين في 25 يناير 2011، وما تلاها، كما يبدو انحياز الروائي من خلال شخوصه إلى تجسيد التوازي الصارخ بين ما جرى في مصر المحروسة 2011 وبين ما جرى فيها أيضا في زمان سابق (عصر المماليك إذ ثمة إشارات دالة في وصف الأماكن وأسمائها والإحالات التاريخية الشارحة التي أفاض المؤلف في استخدامها على امتداد صفحات الرواية).