عُدنا إلى ذلك اليوم الذي وقع فيه الرئيس المصري أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل ونهاية 30 عامًا من الصراع العربي- الإسرائيلي، والحروب والكراهية في الشرق الأوسط مانشيتات عريضة وتصريحات رسمية متفرقة وخطابات رئاسية متبادلة، ومفاوضات سرية متواصلة، وعقبات طارئة قبل ساعات من توقيع الاتفاق، وخطابان تاريخيان للسادات أمام لجنتي الشؤون الخارجية بالكونجرس الأمريكي، عقب التوقيع، واستقبال شعبي وبرلماني حافل له عند عودته إلى أرض الوطن، وتأييد دولي واسع لمعاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل. كانت هذه صورة طبق الأصل من المشهد العام في مصر قبل أربعين عامًا من اتفاق السلام كما تناولته الصحافة المصرية بمزيج من الفخر والإعزاز والإعجاز، واصفين ذلك اليوم بأنه لحظة تاريخية لميلاد السلام في منطقة الشرق الأوسط. حملت التغطية الصحفية فى الأيام الأولى لتوقيع معاهدة السلام كواليس ما دار بين الرؤساء الثلاثة، السادات وبيجن وكارتر، وكشفت عن وثائق سرية للاتفاقية. «التحرير» طالعت الثلاثة أيام الأولى لتوقيع المعاهدة: اليوم الأول جاء مانشيت الأهرام يوم التوقيع: «السادات وكارتر وبيجين يوقعون اليوم حملت التغطية الصحفية فى الأيام الأولى لتوقيع معاهدة السلام كواليس ما دار بين الرؤساء الثلاثة، السادات وبيجن وكارتر، وكشفت عن وثائق سرية للاتفاقية. «التحرير» طالعت الثلاثة أيام الأولى لتوقيع المعاهدة: اليوم الأول جاء مانشيت الأهرام يوم التوقيع: «السادات وكارتر وبيجين يوقعون اليوم اتفاق السلام»، ملحقا به صورة تجمع بين الرئيسين المصري والإسرائيلي، ثم تلا ذلك الاجتماع المفاجئ بين السادات وبيجين، لتسوية كل المسائل المعلقة، والخطاب المتبادل بينهما حول مستقبل القضية الفلسطينية، وتوقيع كارتر على الاتفاقية شاهدا، وبابا الفاتيكان يخطب أمام 50 ألف مُصلٍّ داعيًا للصلاة من أجل نجاح المعاهدة في إقرار السلام بين مصر وإسرائيل بعد سنوات طويلة من الحرب والتوتر، وأسفل الصفحة نوهت الجريدة بملحق خاص يتم نشره في عدد الغد عن وثائق السلام بين الجانبين. اليوم الثاني كان المانشيت الرئيسي للجريدة القومية «الخطوة الأولى من السلام بعد 30 عامًا من الحروب» يتذيله ثلاث صور تجمع بين الرؤساء الثلاثة "السادات وكارتر وبيجين"، ثم عناوين أخرى وصفية أخذت الصفحة كاملة بشأن اتفاق الحكم الذاتي للفلسطينيين، والانسحاب من العريش خلال شهرين، ومن مناطق البترول خلال 7 شهور، وأن أمريكا تتعهد بالمشاركة في مراحل المفاوضات، وإسرائيل ملتزمة بالتسوية الشاملة، ورفع الحظر عن النشاط السياسي في الضفة وغزة، والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في سجون إسرائيل. وفي ذيل الصفحة عنونت «السادات في خطاب تاريخي بعد التوقيع.. شعب فلسطين أحق بالمساندة.. والرئيس يدعو كارتر للدخول في حوار مع ممثلي الشعب الفلسطيني، والحكم الذاتي لا ينبع من الإرادة الإسرائيلية ولن نقبل تجاهل حق الفلسطينيين.. لا بديل عن انتقال السلطة لشعب فلسطين واحترام حقه في تقرير المصير». خطاب للتاريخ وفي الصفحات الداخلية تناولت بعثة الجريدة في واشنطن وقائع الاحتفال التاريخي بتوقيع معاهدة السلام في البيت الأبيض، وتأكيد أنه قبل ساعات معدودة من التوقيع تم حل مشكلتي البترول والانسحاب من العريش. بعد توقيع الاتفاقية ألقى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر كلمة أكد خلالها عزم الولاياتالمتحدة على المشاركة الكاملة في كل مراحل التسوية الشاملة، وأنه "يجب أن نكرس أنفسنا من أجل سلام أوسع نطاقا، سلام قائم على العدل لكل الذين قاسوا في الشرق الأوسط". ثم ألقى الرئيس المصري خطابا دعا فيه الولاياتالمتحدة والعالم أجمع إلى مساندة قضية الشعب الفلسطيني الذي عانى كثيرا من الظلم الفادح واستمرار تجاهل حقوقهم الوطنية، قائلا إنهم في حاجة شديدة للاطمئنان باتخاذ الخطوة الأولى على الطريق إلى حق تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة، ودعا كارتر إلى ضرورة البدء في حوار معهم. بيجين يصف السادات بالجندي المجهول وقال بيجين في كلمته إن "الشعب اليهودي يرى أنه لن يكون هناك مزيد من الحروب، وهذا يوم عظيم في تاريخ أمتين قامت بينهما الحروب خمس مرات. دعونا ننسى هذه الذكرى ونذكر شهداءنا الذين سقطوا في ساحات الحرب"، واصفًا الرئيس المصري بالجندي المجهول في عملية السلام. وطبقا لنصوص المعاهدة وملاحقها فإن عودة مصر لممارسة سيادتها الكاملة على سيناء سوف تتم بمجرد انسحاب إسرائيل من هذه المناطق على مرحلتين، الأولى خلال 9 شهور إلى خط العريش- رأس محمد، والأخرى من خط العريش- رأس محمد حتى الحدود الدولية التي كانت بين مصر وفلسطين تحت الانتداب البريطاني. اليوم الثالث وألقى السادات خطابين أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس، أكد خلالهما أنه "بعد المعاهدة نحتاج لبناء الثقة، ومفاوضات الحكم الذاتي اختبار حقيقي للنيات، ولن نكون (شرطي المنطقة) لكننا سنواجه التدخل الأجنبي بلا محاور ولا أحلاف لحماية العالم العربي وإفريقيا من العدوان الخارجي". كما جدد كارتر دعوته للعالم العربي إلى الانضمام إلى مسيرة السلام الشامل بين مصر وإسرائيل؛ لإنهاء هذا الصراع الدامي وتلافي مزيد من الضحايا الأبرياء والدماء والدمار. إسرائيل تحتفل عاشت إسرائيل أجواء من الاحتفالات الشعبية والرسمية التي لم يسبق لها مثيل بمناسبة توقيع المعاهدة، وتمت كتابة كلمة السلام في الصحف باللغتين العربية والعبرية، وتوافد آلاف الإسرائيليين على حائط المبكى للصلاة. وتصدرت الصفحة الأولى من صحيفة "هآرتس" صورة لحمامة بيضاء تحمل في منقارها غصن الزيتون وتحتها كلمة "السلام" باللغات الثلاث "العربية والعبرية والإنجليزية"، وجاءت افتتاحية صحيفة "دافار" باللغتين العبرية والعربية. وأصدرت صحيفتا "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" ملاحق خاصة ملونة ومليئة بالصور، وزينت الأخيرة صفحتها الأولى بأعلام مصر وإسرائيل والولاياتالمتحدة. كما نددت صحيفة "هآرتس" بالجماعات الإسرائيلية المتطرفة التي قد يؤدي نشاطها إلى فشل عملية السلام. الشارع يفرح تناولت جريدة الأهرام ردود الشارع المصري وفرحته بتوقيع المعاهدة واستقبالهم الحافل للرئيس المصري عقب عودته من الولاياتالمتحدة. وعلى غير العادة خف الزحام من الشوارع، حيث حرص الجميع على مشاهدة اللحظة التاريخية لتوقيع المعاهدة عبر الأقمار الصناعية وأمام شاشات التليفزيون في البيوت والمقاهي. أقيمت الاحتفالات في المساجد والكنائس والشوارع أسبوعًا كاملا، وتم تخصيص عنوان خطبة الجمعة في جميع المساجد عن السلام وأثره في بناء المجتمع، فضلا عن الدروس والمحاضرات طوال هذا الأسبوع بشرح معاني السلام ودلالته في الإسلام. "دقات السلام" بالكنائس وأعلن البابا شنودة، بطريرك الكرازة المرقسية، أن الكنائس في جميع المحافظات ستقيم احتفالات مستمرة حتى عودة الرئيس القائد إلى أرض الوطن، ودقت أجراس الكنائس القبطية لمدة عشر دقائق "دقات السلام" التي تستخدم ليلة عيد الميلاد من كل عام إيذانًا بمولد السيد المسيح، ملك السلام. وقررت وزارة التربية والتعليم على كل المديريات التعليمية تخصيص الدرس الأول في جميع المدارس للحديث عن اتفاق السلام وتوجيه التحية للرئيس البطل أنور السادات، قائد الحرب والسلام. الحكيم: لا عذر لنا بعد المعاهدة من بناء المستقبل تحت عنوان "الحركة والجمود" تناول الكاتب والروائي الكبير توفيق الحكيم أبرز المحطات التاريخية التي عاصرها في حياته منذ العشرينيات وتوقيع دستور 1923 والمعاهدة التي سماها النحاس باشا بمعاهدة الشرف والاستقلال دون أن تزحزح الاحتلال البريطاني، إلى أن جاءت معاهدة الجلاء عام 1954، والاستقلال المشروط بإمكان عودة الاحتلال إذا لاح خطر حرب أو اعتداء على بلد مجاور لمصر. ذكر الحكيم في مقالته أن المهم عنده "الحركة وليس الجمود، الفعل وليس النقد، البناء لا الهدم، ووضع طوبة واحدة خير من صيحة فارغة، والتحرك خطوة أهم من وقوف عقيم"، ورؤيته لهذه المعاهدة نفس نظرته المستبشرة التي لازمته منذ أكثر من خمسين عامًا يتطلع فيها إلى مصر وهي تنهض لتبني مستقبلها بعد أن قعدت طويلا لا تنبس بكلمة بناء، لأنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فلا عذر لنا -إذن- بعد المعاهدة والسلام من بناء مستقبلنا المشرق بالإنتاج.