الحضارة المصرية مصدر فخر لنا، نحن نباهي الشعوب بما لدينا من آثار يعود تاريخ بعضها لأكثر من 7 آلاف عام، ولكن ماذا عن ما تركه البشر قبل تلك المدة ب 7 آلاف عام أخرى. أظهرت الاكتشافات الأحفورية التي تمت في آخر 30 عامًا أن أقدم هيكل عظمي للإنسان يعود إلى نحو نصف مليون عام مضت، ورغم ذلك فإن "التاريخ" المسجل لدينا يبدأ منذ 4 أو 5 آلاف عام فقط قبل الميلاد، وهي الفترة التي ظهرت فيها الكتابة السومرية في منطقة ما بين النهرين (العراق حاليًا)، وأيضًا بالتزامن مع ظهور كيانات موحدة في مصر والصين، لكن قبل بداية "التأريخ"، مرت آلاف الأعوام التي لم يترك الإنسان فيها أثرا يذكر، عدا نقوش ورسوم خطها في جوانب كهوف مختلفة حول العالم. ترجع أغلب النقوش الحجرية إلى العصر الحجري الحديث، في الفترة 12000 عام قبل الميلاد، وإن كان بعضها أقدم بكثير، وقد ظهرت بوادر للكتابة بالصور والنقوش أو بالرموز في الفترة من عام 7000 إلى 9000 قبل الميلاد، وتلك النقوش موجودة في القارات جميعها عدا قارة أنتاركتيكا، لكن توجد بكثافة في إفريقيا وإسكندنافيا وسيبيريا ترجع أغلب النقوش الحجرية إلى العصر الحجري الحديث، في الفترة 12000 عام قبل الميلاد، وإن كان بعضها أقدم بكثير، وقد ظهرت بوادر للكتابة بالصور والنقوش أو بالرموز في الفترة من عام 7000 إلى 9000 قبل الميلاد، وتلك النقوش موجودة في القارات جميعها عدا قارة أنتاركتيكا، لكن توجد بكثافة في إفريقيا وإسكندنافيا وسيبيريا وجنوب غرب أمريكا الشمالية وأستراليا. كهوف تاسيلي هناك العديد من النظريات لتفسير وجود هذه النقوش، طبقا لمكان وزمان ونوع هذه الرسوم، لكن بعضها مثل لغزًا للعلماء، وبخاصة ما اكتشف في كهوف تاسيلي في الجزائر. الخبراء قدروا عُمر تلك الرسوم والنقوش بأكثر من عشرين ألف سنة أي منذ مائتي قرن، وقد كان الوصول إلي اكتشاف هذه الكهوف صعبا ومتأخرا، نتيجة لوقوعها في قلب منطقة (جبارين) على الحدود الليبية الجزائرية، وهي منطقة صحراوية قاحلة، والمناخ فيها شديد الحرارة. النقوش والرسوم نفسها غريبة للغاية، فهي تظهر مخلوقات بشرية تطير في السماء وترتدي ما يشبه بأجهزة طيران، إضافة إلى سفن فضاء ورجال ونساء يرتدون ثيابا حديثة كالتي نرتديها في زماننا الحالي، ورجال يرتدون لباس الضفادع البشرية، ورجال آخرون يجرون نحو أجسام أسطوانية غامضة. هناك الكثير من التفسيرات لهذه النقوش، فالبعض يرى أنها آثار تركتها كائنات فضائية، وآخرون يرجحون أنها لحضارة "أطلانتس" المفقودة، وربما كانت صنيعة خيال إنساني جامح، لكن بالتأكيد من ترك تلك النقوش أراد أن يثير حيرتنا. "نحن هنا" بعيدًا عن ألغاز تاسيلي، فإن باقي النقوش التي تركها الإنسان في القارات المعمورة هي رسوم لقوافل أو تضاريس جغرافية كالأنهار، كما تظهر أحيانا أجهزة موسيقية كالأجاس الحجرية التي وجدت بالهند، وتبين أنشطته في الصيد، كما تحوي بعضها معاني دينية.. كلها رسالات أراد أن يتركها أسلافنا كي يقولوا إنهم كانوا هنا. النقوش بدأت تلعب دورًا أكثر تعقيدًا من كونها وسيلة لتسجيل بعض أعمال البشر فقط، فنشهد في العصر البرونزي أنه تم استخدامها بإسكندنافيا للإشارة إلى بعض الحدود الإقليمية بين القبائل، وأحيانا بعض المدلولات الدينية، كما تظهر الاختلاف بين اللغات والمعتقدات الدينية بين القبائل المتجاورة، وفي نقوش "سيبيريا" تبدو كما لو كانت جُمل بدائية مكتوبة، وإن كانت غير مفهومة للآن. على رغم من اكتشاف العديد من الأدوات التي ترجع إلى آلاف السنوات، مثل الحراب وأدوات القطع المصنوعة من الحجارة إضافة إلى "تمائم" وغيرها، إلا أن النقوش والرسومات هي أول تغيير يصنعه الإنسان في الطبيعة، دون أن يكون في حاجة فعلية له عكس أدواته التي استخدمها من أجل البقاء، أو حتى في معتقداته الدينية. المتتبع لمسيرة الحضارة عبر العصور المختلفة، يجد نفسه يتتبع تاريخ تطور الرسم وأنماطه التي تشعبت واختلفت على مر السنين، فإبداع الإنسان خرج من الكهوف، وبدأ في البناء والتشييد، وعرف أكثر كيف يستثمر بيئته في حياة "مستقرة"، فاكتشف الزراعة واستأنس الحيوانات، وتطورت معه أساليب الرسم أكثر، وتشعبت أهدافه، لكن هذه قصة أخرى.