في الوقت الذي تعيش فيه إيران حالة من الاحتقان نتيجة الكثير من الاحتجاجات، أصبح العلماء في الآونة الأخيرة الهدف الرئيسي لنظام الملالي دون أسباب واضحة. استهداف واعتقالات أحدث تلك الانتهاكات قيام السلطات الإيرانية، باعتقال 3 علماء بيئة في إحدى مدن مقاطعة هرمزغان جنوبي، والذين لم يتم معرفة أسباب توقيفهم، إضافة ل8 علماء بيئة تم اعتقالهم مطلع العام الحالي ففي يناير الماضي أوقفت حكومة الملالي 8 أعضاء في جمعية حماية الحيوانات البرية، إحدى أهم المنظمات الناشطة في حماية البيئة، بتهمة التجسس. تأتي هذه الاعتقالات وسط أنباء عن مساعي طهران ونظام الملالي لإسكات مجموعة من نشطاء البيئة، كشفت عن تورط الحرس الثوري في دفن نفايات نووية في البلاد، بحسب صحيفة "العرب اليوم". انتحار أم تصفية؟ وأضافت "الصحيفة" أن أحد الموقوفين الذين يحملون الجنسية الكندية ويدعى كاووس سيد إمامي توفي في السجن قبل نحو أسبوعين، وزعمت السلطات الإيرانية انتحاره، وهو ما شككت فيه عائلته وأكدت تلقيه تهديدات مسبقًا. كان إعلان السلطات الإيرانية انتحار أستاذ علم الاجتماع في جامعات طهران والناشط البيئي كاووس سيد إمامي بعد أيام قليلة من اعتقاله ونقله إلى سجن إيفين، قد أثار صدمة كبيرة في الشارع الإيراني. بينما قال مسؤولون في القضاء: إن "(إمامي) متورط بقضية تجسس"، بينما شكك مسؤولون داخل الحكومة ونواب في البرلمان في الرواية الرسمية، مطالبين المسؤولين عن الأجهزة الأمنية بالشفافية حول مقتله. يأتي إعلان انتحار سيد إمامي بعدما أثارت حالات وفاة مشابهة الشهر الماضي في صفوف معتقلي الاحتجاجات جدلًا في البرلمان والشارع الإيراني. من جانبهم، شكك معتقلون سابقون في رواية السلطات الأمنية، واستبعدوا توفر أدوات قد تساعد على الانتحار في السجون الإيرانية، في ظل إجراءات أمنية مشددة من سلطة السجون. كما كشف أحد تلامذة إمامي، في تصريحات إعلامية دون الكشف عن هويته، أن الرجل لم ينتحر، وإنما تمت تصفيته بالسجن لاكتشافه ومجموعته تورط الحرس الثوري في عمليات دفن نفايات نووية سامة في صحراء لوط ومناطق كردستان وخوزستان الإيرانية. وهزت الواقعة الشارع الإيراني المحتقن، خاصة أنها الثالثة من نوعها، بعد حالتي وفاة مماثلتين خلال الشهرين الماضيين في خطوط معتقلي الاحتجاجات الأخيرة. كندا تطالب بإجابات في المقابل دعت الحكومة الكندية، "إيران" إلى إجراء تحقيق شامل وشفاف في مقتل الأكاديمي والناشط البيئي الإيراني - الكندي. وقال المساعد البرلماني لوزير الخارجية الكندي عمر الغبرة: إن "كندا قلقة للغاية حول الظروف المحيطة بوفاة الناشط البيئي سيد إمامي"، مضيفًا خلال جلسة استماع يومية في البرلمان "ندعو الحكومة الإيرانية لإجراء تحقيق شامل وشفاف في وفاته.. نحن نطالب بأجوبة". ولا تحظى كندا بتأثير كبير على إيران منذ إغلاق سفارتها في طهران عام 2012 وهو العام الذي صنفت فيه "إيران" على قائمة داعمي الإرهاب، ولذلك تولى الدبلوماسيون الكنديون في تركيا جمع المعلومات المتعلقة بوفاة سيد إمامي. تجسس "السحالي"! وفي محاولة لاحتواء الاحتقان، حاولت الحكومة الإيرانية نفي التهم الموجهة ضدها من خلال زعم رئيس الأركان السابق للقوات المسلحة الإيرانية أن جواسيس غربيين استخدموا "السحالي" التى يمكنها اجتذاب الموجات الذرية للتجسس على البرنامج النووى الإيرانى، حسبما أفادت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية. وردا على أسئلة وسائل الإعلام المحلية حول الاعتقال الأخير لعلماء البيئة، قال حسن فيروز آبادي المستشار العسكرى للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئى: إنه "لا يعرف تفاصيل القضية، إلا أن الغرب كان كثيرًا ما يستخدم السياح والعلماء والبيئيين للتجسس على إيران". خطوة استباقية وحول أسباب الاعتقالات الأخيرة، يرى الكاتب والمحلل السياسي أسامة الهتيمي أن اعتقال إيران لعدد من العلماء وخبراء البيئة خاصة في مجال حماية الحيوانات، يأتي بعد أيام من مقتل عالم البيئة الإيراني - الكندي كافوس سيد إمامي داخل سجنه 11 فبراير الجاري على خلفية اتهامه بالتجسس- حيث ادعى النظام الإيراني وكعادته مع كل حالات الوفاة داخل السجون والمعتقلات أنه مات منتحرًا، بينما أبدت أسرته شكوكًا حول هذا الادعاء، ومن ثم فإن ثمة احتمالين للتوسع في عملية استهداف علماء البيئة: الأول: أن يكون ذلك خطوة استباقية واحترازية من قبل الأجهزة الأمنية الإيرانية خشية أن يكون هناك مخطط من قبل علماء وخبراء البيئة للتحرك احتجاجا على مقتل زميلهم إمامي، خاصة أن البلاد تشهد حالة من الاضطرابات والتوترات السياسية منذ نهاية 2017 وحتى الآن.. غير أن اعتقال عدد آخر من علماء البيئة قبل وفاة إمامي يقلل من هذا الاحتمال. أدلة تورط وأضاف الهتيمي في تصريحات ل"التحرير"، أن الاحتمال الثاني وهو وفق ظني الأقرب للمنطق وتطورات الأحداث في إيران هو أن يكون لدى نظام الملالي أدلة تثبت تورط عدد من زملاء "إمامي" وأصدقائه في نفس التهمة التي وجهت له، بمعنى أن يكون "إمامي" عضوًا في شبكة تجسس تضم عددًا من علماء البيئة، خاصة أنه سبق ذلك تصريح لحسن فيروز آبادي المستشار العسكري للمرشد الإيراني، اتهم فيه دولًا غربية باستخدام سياح وعلماء بيئة للتجسس على أنشطة البلاد النووية عبر الزواحف والحيوانات القادرة على "التقاط الموجات الذرية". وأشار إلى تصريح المدعي العام في طهران عباس جعفري بأن منظمة صندوق تراث الحياة البرية الفارسية التي أسسها "إمامي" أنشئت قبل عقد من الزمن كستار لتجميع معلومات سرية في مجالي الدفاع والصواريخ، وأن المتهمين في القضية وبتوجيه من ضباط وكالة الاستخبارات الأمريكية وجهاز الموساد "الإسرائيلي" نفذوا مهمة ثلاثية تركز على البيئة، متسللين إلى المجتمع العلمي وجامعي معلومات عن مراكز حساسة وحيوية في البلاد بما فيها قواعد عسكرية". وأوضح الهتيمي أنه من المرجح أن يكون استهداف من تم اعتقالهم هم مجموعة من العلماء والخبراء المتعاونين مع "إمامي" في مشاريعه البيئية والتي كان من بينها مشروع "مراقبة الفهد الآسيوي" الذي يمنح هؤلاء العلماء والخبراء الفرصة للعمل في أنحاء واسعة في بعض المحافظاتالإيرانية - حيث تنتشر مواقع عسكرية ومواقع اختبار صواريخ. إرهاب النشطاء من جانبه أكد المحلل السياسي محمد عبادي مدير مركز جدار للدراسات أن النظام الإيراني تلاحقه هواجس الاستهداف دائما، ممن يصفهم بقوى الاستكبار والشر، لذلك يلاحق عدة فئات مظنّة التجسس، منهم علماء الطاقة النووية، وعلماء البيئة. وقال عبادي ل"التحرير": "هذه المرة ليست الأولى التي يوقف فيه عدد من علماء ونشطاء البيئة على خلفية التجسس، وتعمد السلطات الإيرانية الضبابية وإخفاء المعلومات بعيدًا عن أعين المنظمات الحقوقية والإعلام، مما يهدد سلامة الموقوفين، ويُثبت تهم التجسس ضدهم". وأوضح أن هذه الاعتقالات التعسفية ضد نشطاء البيئة، جاءت لإشاعة جو من الإرهاب ضدهم بالمجالات الأخرى في أعقاب الانتفاضة الشعبية الأخيرة التي طالبت بسقوط نظام ولاية الفقيه، خوفا من اشتعال الانتفاضة مرة أخرى. وأضاف عبادي "ستمتد الاعتقالات لتشمل كل من يحمل جواز سفر أجنبيا، بالتهمة الجاهزة مسبقة وهي التجسس، لإحكام القبضة الأمنية، وحتى لا يفكر هؤلاء النشطاء، بأن حصولهم على جنسية أخرى، ستحميهم من بطش الأجهزة الأمنية في البلاد، أو سطوة الحرس الثوري". واختتم المحلل السياسي قائلًا: "على مجلس الأمن والمنظمات الحقوقية الدولية، التصدي للاعتقالات التعسفية والإعدامات في إيران بشكل جدي وبخطوات واقعية، لردع النظام الإيراني عن الانتهاكات المروعة بحق الأبرياء من أبناء الشعب الإيراني". قلق حقوقي ودفعت الاتهامات منظمات حقوق إنسان دولية للتعبير عن قلقها على مصير الناشطين والمحتجين المعتقلين، وسط مخاوف من استخدام إيران تهم التجسس، للنيل من معارضيها وإسكات الأصوات الغاضبة التي خرجت ضد الحكومة مؤخرًا. واتهمت "العفو الدولية" في تقريرها "إيران" بممارسة القمع الشديد لحرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي، واللجوء للتعذيب داخل السجون ومنع الرعاية الصحية للمعتقلين، وإجراء محاكمات غير عادلة، أُعدِم على أثرها المئات العام الماضي، من بينهم أشخاص كانوا دون سن الثامنة عشرة عندما أدينوا. وأعربت منظمات حقوق إنسان دولية عن بالغ قلقها على مصير المحتجين في إيران، مطالبة المقررة الدولية الخاصة بحقوق الإنسان في إيران، أسماء جهانغير، بمتابعة جدية للمعتقلين بأي طريقة ممكنة، بينما طالبت كل من منظمتي "هيومان رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية، السلطات الإيرانية بإطلاق سراح المعتقلين في الاحتجاجات الأخيرة.