الإعلانات تعكس الكثير عن ثقافة الشعوب، كما أنها تشير بدقة إلى التغيرات الاقتصادية التى تؤثر سلبًا أو إيجابًا فى قدرتها الشرائية. الاختفاء شبه الكامل لإعلانات السلع الغذائية فى رمضان لا يخفى على أحد. فمنذ سنوات قليلة لم تكن شاشة رمضان تخلو من إعلانات غنائية راقصة عن أنواع مختلفة من الزيت والسمن والزبادى والأجبان والحلويات الرمضانية والوجبات السريعة والمطاعم التى تقدم السحور والإفطار، وتتنافس للحصول على حصة من إنفاق الأسرة المتوسطة الصائمة. الآن لا توجد منافسة سوى بين شركات المحمول والتسويق العقارى والسلع المعمرة الفاخرة. الأولى لم يعد حتى بقدرة شرائح المجتمع محدودة الدخل الاستغناء عن خدماتها فى عصر التواصل وتبادل المعلومات الرقمية. أما الثانية والثالثة فهما تتوجهان بإعلاناتهما لشريحة قادرة لا يؤثر انهيار القيمة الشرائية للجنيه على نهمها الدائم للاستهلاك الترفى، وحاجتها إلى تبديل المسكن كل بضع سنوات، سواء بقصد الابتعاد عن زحام المركز بالنزوح إلى الأطراف، أو ابتغاء لمزيد من الخصوصية والاطمئنان فى تجمعات سكنية مغلقة يتم تأمينها جيدًا فى مجتمع يدفعه الفقر المتزايد والانهيارات الطبقية إلى مزيد من العنف. النوع الآخر يتمثل فى طوفان إعلانات طلب التبرعات من القادرين، الذى يؤكد انهيار مفهوم الدولة الناجحة التى ترعى تقديم الخدمات لمواطنيها بامتلاكها القدرة على صناعة تنمية فى جميع المجالات، توفر مظلة للرعاية الصحية والاجتماعية الشاملة بعيدًا عن المهانة التى يحملها مبدأ "ربنا يجعل بيوت المحسنين عمار"، مهما تحدثنا عن ضرورة وأهمية التكافل الاجتماعى. لا مانع مطلقًا من حث أهل الخير على التبرع لمشروعات خدمية، بشرط ألا يكون ذلك بديلاً عن دور الدولة فى تقديم تلك الخدمات. أجدادنا وآباؤنا قدموا التبرعات لمرافق تملكها الدولة كالإسعاف على سبيل المثال للمساعدة على تحسين قدراتها الخدمية. لكن لم يطالبهم أحد بالتبرع لإنشاء مرفق جديد للإسعاف تديره جمعية خيرية. إعلانات التبرع لتوفير الإفطار لملايين الصائمين، وكسوة ملايين الفقراء، وتوصيل المياه النظيفة إلى جحورهم، وإنشاء بيت للطعام يقوم على مدى العام بمساعدة ملايين الأسر الريفية، يمثل اعترافًا من نظام الدولة بالتقصير فى تقديم تلك الخدمات كنتيجة حتمية لانحيازاته الخاطئة، وإساءة توزيعه للثروة على المحاسيب والفئات المستثناة، وإعفاء المليارديرات من الضرائب والجمارك، ودعم مصانعهم، وفشله الذريع فى ترتيب الأولويات والتعامل معها بعلم ومهارة وفقًا لخطة مدروسة. الغباب التام لإعلانات الصابون ومساحيق الغسيل لا يشير فقط إلى انهيار القدرة الشرائية، بل ربما يرمز إلى اختفاء قيمة النظافة من حياتنا وأولها بالطبع نظافة اليد، ويشير بوضوح إلى مائدة رمضانية عامرة بأطباق ستظل متسخة بعد تناول الطعام.