لم تشهد العلاقات الاقتصادية بين دولتى تركياوروسيا متانة وقوة فى التنسيق سياسيا واقتصاديا منذ فترة كما هى فى الوقت الراهن. ولعبت التجارة الدولية بين البلدين دورًا مؤثرًا للغاية فى عقد الاتفاقيات الثنائية والإقليمية وتجاوز التوترات والأحداث العارضة. لتبدو للجميع أن العلاقة الاقتصادية بينهما مزدهرة وتقف على أرض صلبة، خاصة بعد الاتفاق بين الجانبين على إنشاء صندوق استثمار مشترك لبلديهما برأس مال مليار دولار لدعم الاستثمار المباشر وتمويل قائمة من المشروعات التنموية، ثم الإعلان مؤخرا عن اتخاذ خطوات جادة للتعامل التجاري بين البلدين بالعملات المحلية. سبق أن توقع الكثيرون توتر العلاقة على خلفية حادث إسقاط سلاح الجو التركي للقاذفة الروسية في سوريا فى نوفمبر 2015 بزعم اختراقها للأجواء التركية، بالإضافة إلى الخلافات فى الرؤى السياسية والعسكرية التى تبنتها كل دولة على حدة تجاه حل الأزمة السورية آنذاك، إلى أن تم الاتفاق والتنسيق بينهما وأعلنوا الحرب ضد التنظيم الداعشي فى سوريا. ثم ترددت تكهنات مؤخرا عن احتمالية تحرك قاس من جانب روسيا عقب مقتل السفير الروسي أندريه كارلوف لدى تركيا. غير أن رد الفعل التركي السريع على الحادث أسقط الحسابات فلم تفسد العلاقات. فقد أطلقت تركيا اسم السفير المغتال على الشارع الذي تقع فيه السفارة الروسية في أنقرة تكريمًا لذكراه، كما أسرعت فى إجراء التحقيقات لكشف ملابسات الحادث، وأعلنت عن تعاونها مع المحققين الروس من العناصر الدبلوماسية وأجهزة الاستخبارات.
وقد قدر حجم التبادل التجاري بين تركياوروسيا عام 2015 بنحو 24 مليار دولار، ثلثاها تقريبًا لصالح روسيا من عوائد صادرات الطاقة كالغاز الطبيعي ومنتجات النفط والفحم والمعادن بمنتجاتها إلى تركيا التي تستورد نحو 99٪ من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، ويقدر بنحو 14 مليار متر مكعب سنويا من روسيا. أيضا هناك مئات الناقلات التي تحمل النفط من مواني البحر الأسود المطلة على الحدود الروسية إلى الأسواق الدولية من خلال مضيق البوسفور والدردنيل. كما تشمل واردات روسيا من تركيا على المنسوجات والمواد الغذائية والآلات والمعدات والأجهزة المنزلية بنسب تترواح بين 20٪ و24٪ من إجمالي حجم وارداتها.
ثم تأتي مشروعات الطاقة فى مقدمة خطط التعاون بين تركياوروسيا، فقد تم التوقيع على اتفاقية بين الحكومتين حول بناء خط أنابيب الغاز "السيل التركي" المكون من أربعة خطوط في مؤتمر الطاقة العالمي في أكتوبر 2016 لضمان تنوع طرق النقل والتصدير الدائم والآمن للغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية. وتتضمن المرحلة الأولى من المشروع على مد الخط الأول الذي ينتهي فى الأراضي التركية بطاقة استيعابية نحو 16 مليار متر مكعب سنويا لسد احتياجاتها من الغاز الطبيعي. أيضا هناك مشروع إنشاء محطة أكويو النووية بمساعدة الخبراء الروسيين لتغطية الاستهلاك التركي المتوقع من الكهرباء بحلول عام 2022.
وعلى صعيد السياحة، أصبحت تركيا هي الوجهة المفضلة بالنسبة للسياحة الروسية، حيث بلغت نسبتهم نحو ١٠٪ من إجمالي عدد الزوار في عام ٢٠١٥. وبرغم الانخفاض في التدفق السياحي الروسي بنحو 78٪ خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2016 بعد الحظر المؤقت للسفر إلى تركيا عقب حادث الطائرة، فإن معدل الزيادة فى عدد السياح الروس عاد للارتفاع تدريجيا بنهاية العام ومن المتوقع -حسب الحجوزات الجارية- أن يصل إلى 3 ملايين زائر لتركيا فى عام 2017.
أتوقع أن تدفع حتمية المواءمة بين مقتضيات السياسة والمتطلبات الاقتصادية إلى استمرار نمو العلاقات خاصة التجارية بين روسياوتركيا خلال عام 2017، وما يليه لتعظيم المكاسب بموجب التوافق في الرؤية السياسية حاليا فيما يخص الأزمة السورية وتشعب المصالح الاقتصادية وتعدد المشروعات التنموية المشتركة والمخطط لها بين البلدين. كما أن البلدين يعانيان من ضغوط خارجية عديدة نتج عنها تعثر فى الظروف الاقتصادية الداخلية وانخفاض في معدلات التنمية مما فرض تحديات أمام صناع القرار.
فعلى المستوى الخارجي، تعاني روسيا ماليا نتيجة انخفاض أسعار النفط العالمي وعائد صادراته. بالإضافة إلى الحصار والعقوبات الاقتصادية الصارمة التى فرضتها الدول الأوروبية عليها بعد الاحتلال العسكري الروسي للقرم ومناطق شرق أوكرانيا. في حين توترت العلاقة التركية الأمريكية بسبب رفض الأخيرة تسليمها زعيم المعارضة التركية المقيم على أرضها، فضلا عن وعود ترامب الاقتصادية تجاه الدول النامية التى تسببت فى فرض حالة من القلق والترقب على الوضع الاقتصادي العالمي.
وعلى المستوى الداخلي، تسعى تركيا إلى النهوض من عثرتها الاقتصادية، حيث انخفضت معدلات السياحة، وتقلص حجم الاستثمار الأجنبي المباشر، وانخفضت قيمة الليرة بنحو 20٪ خلال عام 2016 عقب محاولة المعارضة للإطاحة بالرئيس أردوغان. أما الاقتصاد الروسي فيواجه أزمات أشد نتيجة انخفاض عائدات صادرات النفط وهى المصدر الرئيسي للدخل القومي، مما أدى إلى عدم القدرة على دفع المرتبات أحيانا، وارتفاع معدلات البطالة، وتوقف عدد من المشروعات الاستثمارية، وتعرض القطاع المصرفي لضغوط شديدة، الأمر الذي أسفر عنه فى النهاية تحقيق معدل نمو بالسالب. لذا يسعى الرئيس بوتين إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار لتنشيط التبادل التجاري وخفض أسعار المواد الغذائية واستيراد المواد الخام اللازمة للصناعة. وتهدف روسيا خلال عام 2017 إلى تحقيق معدل نمو يتراوح بين 1٪ و١.٥٪، وخفض معدل التضخم إلى ٥.١٪ ، وخفض عجز الموازنة إلى ٣٪ من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لتحقيق مزيد من الاستقرار الاقتصادي في نهاية العام الجديد. ومن ثم سيعمل الطرفان على تقوية العلاقات والمضي قدما لتحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال التبادل التجاري والسياحي ومشروعات الطاقة لدعم موقفهما السياسي داخليا ومواجهة التحديات الخارجية المتوقعة فى ظل سياسة أمريكة جديدة متوقعة وأحوال شرق أوسطية غير مفهومة!