قلت أمس إن مشهد واقعنا الراهن الذى يشغى بعناصر فوضى تكاد لا تقع تحت حصر، بينما الوطن دولة ومجتمعا وشعبا فى حرب حقيقية شديدة القذارة فرضتها علينا عصابة فاشية مجرمة وخائنة، تقود حلفا من المخربين والقتلة يتلقون دعما لا محدودا من خارج الحدود.. هذا المشهد يحتاج، لكى نحصل على النصر بسرعة وبأقل كلفة ممكنة، أن نستجمع قوانا التى تبدو مبعثرة، وأن نوجه الجهد كله إلى نقطة بداية مدروسة، حيث تقع الحلقة الرئيسية التى إذا نجحنا فى الدق عليها بقوة وحذق حتى تنكسر فسوف تتداعى خلفها باقى حلقات المؤامرة الدنيئة. وأوضحت فى سطور الأمس أن تلك الحلقة الرئيسية التى يجب أن نذهب فورا وبغير تلكؤ للإمساك بها والتعامل معها هى فى الواقع حلقتان متطابقتان وملتصقتان، أولاهما حلقة «الأمن» والثانية حلقة «السياسة»، وبينما الأولى تحظى الآن باهتمام معقول فإن الثانية تعانى من إهمال ملحوظ أدى إلى تراكم أخطاء بعضها خطير، لكن لأن السياسة بطبيعتها لا تعرف فرصا ضائعة لا يمكن تعويضها، وهناك دائما فرص جديدة تنتجها التفاعلات يستطيع الذى يستحق ولا تأخذه الغفلة إلى حيث يهزم نفسه بنفسه، أن يفوز بها ويغتنمها، فقد أشرت فى ختام سطور الأمس إلى أن الأقدار أهدتنا فعلا فرصة ثمينة لو أحسنّا التعامل معها فسوف نتمكن من علاج كثير من الأخطاء والخطايا السياسية التى تركناها تتراكم، منذ نجاح ثورة 30 يونيو فى إزاحة الكابوس الإخوانى من على صدر الدولة المصرية وحتى الساعة.. هذه الفرصة هى استحقاق إقرار الدستور الجديد الذى نقترب حثيثا من موعد الاستفتاء عليه، وهو مناسبة يمكن بسهولة استغلالها سياسيا بطريقة تجعلها نقطة تحول كيفى ودراماتيكى يقلب المشهد الردىء الحالى رأسا على عقب، فتبدو الصورة أكثر وضوحا وأقل التباسا «للناظر إليها فى الداخل أو فى الخارج»، وكذلك فإن الإدارة الجيدة لهذا الاستحقاق سوف تؤدى قطعا إلى إزاحة نسبة كبيرة من عناصر الفوضى وصنع بيئة أكثر نظافة من شأنها حرمان عصابات الشر والإرهاب من بعض أخطر ما فى ترسانتهم من ذرائع وأسلحة الخراب، كما ستعرى تماما جثتهم العفنة من خرق وأسمال «أكاذيب الشرعية». ربما تسأل عزيزى القارئ، هل إقرار مشروع الدستور الجديد من جانب جمهور الناخبين هو الشرط الوحيد لصنع مشهد مغاير لما هو قائم حاليا؟! وإجابتى أن حصول المشروع على شرعية الرضا الشعبى بأى نسبة «طبعا أفضل لو كان بنسبة كبيرة» هو أمر شديد الأهمية، وسوف يكون له تأثير إيجابى هائل، لأنه سيمكننا من الشروع الفورى فى عملية بناء المستقبل الذى نحلم به، تلك التى تعطلت وجرى تعويقها عمدا منذ ثورة 25 يناير حتى الآن، ولا هدف للإجرام والعربدة الإخوانية الحالية إلا استمرار هذا التعويق والتعطيل.. ومع ذلك فإن نتيجة التصويت فى الاستفتاء حتى لو جاءت سلبية «وهو احتمال صعب» فلن يفقد الاستحقاق كل آثاره الإيجابية لا سيما إذا وفرنا له الحدود القصوى من النزاهة والشفافية فضلا عن كثافة حضور الناخبين أمام لجان الاقتراع، فمجرد إتمامه على هذا النحو كاف لإحداث تغيير حقيقى وملموس فى ملامح المشهد السياسى. طبعا، سوف يكون أمرا رائعا أن ننجح فى تخليص المشروع الدستورى الذى سوف يعرض على الشعب من بضع سلبيات وسد بعض الثغرات التى ما زالت تشوه مناطق مهمة فى بنيانه، بما قد يوفر لعصابات الشر والجريمة مادة للتشهير به والشوشرة على إنجازات ومكاسب تاريخية وثورية حقا انطوت عليها أغلب بنوده «خصوصا فى منظومة الحريات والحقوق الإنسانية»، ولكن الواجب الوطنى يفرض على الجميع التحلى بروح المسؤولية واتساع الأفق والوعى بأن أى وثيقة دستورية ليست نصا مقدسا ولا أبديا، وهى فى النهاية مشدودة ومحكومة بالظروف والمعطيات وتوازنات القوى التى جرى صياغة وصناعة النص الدستورى تحت ظلالها، غير أن هذه الظروف والمعطيات والتوازنات ليس بمقدورها التمرد والإفلات من صرامة قوانين ونواميس التغيير والتطور الدائمين.. صباح الخير.