رغم الصخب الدائر فى البلاد وارتفاع حدة الخطاب السياسى، والمشاركة الواسعة من القوى والجماعات والأحزاب السياسية الضاغطة فى اتجاه إلغاء نتائج الانتخابات، فإن قدرة كل هذه العناصر فى معادلة الصراع السياسى تبدو متضائلة ومتراجعة أمام قوة القانون الذى، وفيما يبدو سيكون هو الحكم الحاسم والعنصر الأكثر ثقلاً فى كفتى المعادلة السياسية بالبلاد. ويأتى قرار المحكمة الدستورية العليا بنظر طعنى عدم دستورية قانون العزل والنظام الانتخابى للبرلمان فى يوم واحد وقبل 48 ساعة من جولة الإعادة ليؤكد أن القانون هو الذى سيحسم الأمر، وأن قضاة مصر هم أصحاب اليد العليا، إما بحل الأزمة القائمة ومواصلة المرحلة الانتقالية، أو بإعادة الموقف كله للمربع صفر والبدء مجدداً من نقطة بناء الدستور. السيناريو الأول يتحدث عن إبطال قرار لجنة الانتخابات الرئاسية بأحقيتها إحالة قانون العزل السياسى للمحكمة الدستورية العليا، وهنا سيدور الحديث عن خطأ فى الإجراءات يترتب عليه إعادة الانتخابات الرئاسية مجدداً فى البداية.. ولا يتوقف السيناريو الأول على مسألة إعادة الانتخابات، بل سيمتد لخطوة أكثر تعقيداً تتعلق بانسحاب لجنة الانتخابات الرئاسية من المشهد، كونها المسئولة مباشرة عن هذا الخطأ الجسيم، وهى ليست مضطرة لذلك بحكم القانون، وإنما بحكم المواءمة السياسية أمام الرأى العام، حيث ستفقد كل صدقية مرجعيتها القانونية أمام الناخبين، وهنا سيصيب الارتباك كل جوانب المشهد الانتخابى الرئاسى، مما يستوجب إعادة الحديث مجدداً عن بدء العملية الانتخابية من بداية تشكيل لجنتها الانتخابية. السيناريو الثانى يرتبط بحكم الدستورية العليا بدستورية قرار الإحالة، لتعيد الهدوء والاستقرار إلى المشهد الانتخابى ومواصلة الانتخابات الرئاسية، وهو القرار الذى سيوفر قوة دفع لحملة المرشح أحمد شفيق تعيد التوازن، بعد التراجع الذى تسبب فيه الحكم القضائى فى قضية الرئيس السابق حسنى مبارك. غير أن السيناريو السابق لا يمثل الاستقرار المطلوب للانتخابات الرئاسية، حيث ما زال السيناريو الثالث للطعن فى الموضوع قائما، وليس مستبعداً أن تحكم المحكمة الدستورية مستقبلاً بعدم دستورية القانون، مما يفتح الباب لحديث جاد وحقيقى عن مدى شرعية الرئيس المنتخب على خلفية انتخابات تمت خارج إطار القانون وجرى خلالها استبعاد مرشح وصل للمرحلة الأخيرة من السباق وحرمانه من حقوقه السياسية. ويأتى السيناريو الرابع المتعلق بإبطال الانتخابات البرلمانية، ليزيد الصورة تعقيداً، على خلفية عدم وجود أداة لتنفيذ حكم الدستورية العليا بإبطال الانتخابات لو جاء الحكم هكذا، الأمر الذى سيعنى إدخال البلاد فى المزيد من الغموض السياسى، ويزيد من علامات الاستفهام حول حقيقة الأوضاع، أما أن قرار عدم دستورية النظام الانتخابى سيدخل فى إطار رؤية قانونية أكثر شمولاً واتساعاً. المشهد يطرح تساؤلاً جاداً عن سيناريو لحل كل الأزمات ويعيدنا إلى المربع صفر.. هل ستتم إزاحة شفيق مقابل حل البرلمان بغرفتيه، وإعادة الانتخابات الرئاسية من بدايتها، مع إصدار إعلان دستورى مكمل يتضمن قواعد تشكيل تأسيسية الدستور.. ليهدأ المجتمع ويبدأ من حيث كان يجب أن يبدأ.. أم إقرار الأوضاع القائمة واستكمال الخطوة الأخيرة للمرحلة الانتقالية، وتأجيل حسم مصير ملف البرلمان لجولة تالية، ليستمر الصراع مجدداً مع استمرار الحسم القانونى للأزمات.