تحل اليوم 28 أكتوبر ذكرى رحيل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1889/ 1973)، فهل تعرف كيف تعاملت السينما مع إبداعه القصصي والروائي؟ وكيف قدمته هو شخصيًّا على الشاشة؟ وهل اقتحم صاحب (الأيام) دنيا السينما وعمل بها كما خاض مجالات الرواية والترجمة، علمًا بأن سطوع نجم الرجل ترافق مع انطلاق صناعة السينما في مصر؟ أجل... لقد شاهد الجمهور المصري أول فيلم روائي عام 1923 وهو (في بلاد توت عنخ آمون) للمخرج الإيطالي فيكتور روسيتو، ثم توالت الأفلام بعد ذلك، وكان طه حسين قد عاد من أوروبا عام 1919 ليلتحق بهيئة التدريس في الجامعة المصرية الوليدة، وعندما عرض أول فيلم مصري ناطق (أولاد الذوات) لمحمد كريم، في عام 1932، تعرض طه حسين لحملة شعواء من قبل الحكومة، فأقالته من منصبه، حيث كان عميدًا لكلية الآداب! أرأيت.. كيف سارت الصناعة والرجل في زمن واحد؟ ومع ذلك، فقد تأخرت السينما طويلا حتى انتبهت إلى أعماله، وذلك عندما أقدم المنتج والمخرج إبراهيم عز الدين على تحقيق فيلم (ظهور الإسلام)، وقد كتب في مقدمة الفيلم هذا النص بالحرف (إبراهيم عز الدين يقدم ظهور الإسلام (الوعد الحق) قصة وحوار عميد الأدب العربي طه حسين باشا). لم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث جاء في مقدمة الفيلم أيضا (سيناريو طه حسين باشا/ الأستاذ إبراهيم عز الدين)، أي أن صاحب (الفتنة الكبرى) كتب السيناريو والحوار لفيلم سينمائي عرض للمرة الأولى في 19 أبريل عام 1951، أي بعد أن نال الرجل رتبة الباشوية من الملك فاروق وتقلد منصب وزير المعارف في حكومة الوفد. وبالمناسبة صاغ طه حسين الحوار بلغة عربية فصحى بالغة الرشاقة، فانظر كيف كان الناس يقبلون على مشاهدة أفلام ينطق أبطالها بلسان عربي مبين! المرة الثانية التي ازدانت بها الشاشة باسم طه حسين حدثت في 1959 عندما أقدم المخرج بركات على إنتاج وإخراج فيلم (دعاء الكروان)، حيث كتب في المقدمة (القصة الخالدة للدكتور طه حسين)، وقد حُذف لقب الباشا بعد أن ألغى نظام يوليو 1952 تلك الألقاب العثمانية. في هذا الفيلم استمع الجمهور إلى صوت طه حسين شخصيًّا وهو يلقي آخر عبارة في الفيلم بعد مصرع أحمد مظهر، بينما صوت الكروان يضيء الفضاء بدعائه الشهير. قال الأستاذ العميد بصوته الرخيم: (دعاء الكروان... أترينه كان يُرجّع صوته هذا الترجيع حين صُرعت هنادي في ذلك الفضاء العريض). أما آخر مرة تناولت فيها السينما أحد أعمال طه حسين، فكانت عام 1970 عندما أقدم بركات على إخراج فيلم (الحب الضائع) وقد كتب في المقدمة بالحرف (قصة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين)، والفيلم كما تعرف بطولة سعاد حسني ورشدي أباظة وزبيدة ثروت. في 1979، أي بعد رحيل العميد بست سنوات عرضت سينما ديانا في 19 فبراير فيلم (قاهر الظلام) للمخرج عاطف سالم، وهو يتناول قبسات من سيرة طه حسين، حيث تقمص النجم محمود ياسين شخصية العميد، وفي نهاية الفيلم كتب على الشاشة (تحية للرجل الذي قهر الظلام). حقا... لقد قهر العميد ظلمة المصريين وأنار لهم طريق العقل والعلم، لكن مع عصر مبارك اختفى طه حسين تمامًا من على الشاشة، لا قصصه ولا سيرته، وظهر نجوم جدد بملابس العصور الوسطى، فاحتل الفضائيات أصحاب اللحى والعمائم، وسقطت مصر العظيمة في مستنقع الجهل والتخلف.