فى أعقاب توقيع الاتفاق التاريخى بين إيرانوالولاياتالمتحدة ومعها القوى الكبرى، بات من الحتمى أن تأخذ مصر المبادرة وتفتح حوارا مباشرا مع طهران يتجاوز الحساسيات القديمة القائمة منذ انتصار الثورة الإيرانية فى عام 1979. ولم يعد من الممكن فى هذا الصدد التحجج بحساسية الموقف المصرى وارتباطه بدول الخليج العربى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التى تمنع البدء فى مثل هذا الحوار والاستئناف الكامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. فمن المؤكد أن وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى ومعه نظراءه الأوروبيين وروسيا والصين لم يكونوا ليقضوا نحو ثلاثة أسابيع من المفاوضات المكثفة مع إيران لو لم تكن هناك قناعة بأهمية دورها وأنها، بجانب تركيا، من القوى الإقليمية القليلة الباقية المتماسكة بعد انهيار العراقوسوريا ودخول المنطقة العربية برمتها فى مرحلة ستطول من الاضطرابات المذهبية والعرقية والسياسية. ورغم أن الولاياتالمتحدة أكدت أن المفاوضات مع إيران اقتصرت على الملف النووى فقط، ولم تشمل خلافات أخرى عديدة تتعلق بالدور الذى تلعبه طهران فى عديد من النزاعات الإقليمية الجارية سواء فى العراق أو سوريا أو لبنان أو فلسطين أو اليمن، فإنه من غير المتصور أن لا يؤدى الاتفاق الإيرانى-الغربى إلى تطوير تفاهمات بين الطرفين بشأن هذه الملفات الإقليمية أيضا. وفى هذا الإطار، يكون تدخل مصر وفتح حوار مباشر مع إيران أمرا شديد الأهمية، فى ضوء غياب أى طرف عربى فاعل قادر على القيام بهذا الدور فى هذه المرحلة، خصوصًا أن الاتفاق الغربى-الإيرانى سيؤدى بكل تأكيد إلى تصاعد نفوذ طهران، فى ضوء المبالغ المالية الضخمة التى ستتدفق عليها فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ. ومقابل الدور السعودى الذى يتحكم فيه إلى درجة كبيرة البُعد المذهبى والصراع السنى-الشيعى المتصاعد منذ غزو واحتلال الولاياتالمتحدة للعراق فى عام 2003، فإن مصر لا يوجد لديها نفس هذه الحساسية، ومن المفترض أنها تمثل فهما أكثر اعتدالا للدين، لا يلعب فيه البعد الطائفى نفس الأهمية كما هو الحال بالنسبة إلى الرياض. كما أنه من غير المفهوم أن تكون كل دول الخليج العربى تقريبا لها وجود دبلوماسى رسمى فى إيران، بينما تبقى مصر متوجسة من اتخاذ هذه الخطوة، أساسا بسبب الخشية من إثارة غضب المملكة السعودية، نظرا إلى الدور الذى لعبته فى دعم الاقتصاد المصرى سواء فى عهد المخلوع مبارك، أو بالطبع، وبشكل أكبر فى أعقاب الإطاحة بالرئيس الإخوانى المعزول محمد مرسى فى 3 يوليو 2013. نحتاج إلى تفاهمات مع إيران تقلل بدورها من نزعاتها التوسعية والرغبة فى الهيمنة على المنطقة العربية سواء لأسباب مذهبية، أو بدرجة أكبر بناء على الفخر بحضارة فارسية تمتد بدورها آلاف السنين. كما أن التفاهم المصرى-الإيرانى وفتح حوار مباشر بين الطرفين من شأنه أيضا أن يؤدى إلى تهدئة التوتر القائم بين إيران والمملكة السعودية، الذى بلغ درجة أن المسؤولين السعوديين، منذ عهد الملك الراحل عبد الله، يعتبرون أن طهران هى «رأس الأفعى» وتمثل خطرا على أمن منطقة الخليج يفوق خطر إسرائيل. وتدرك إسرائيل هذه المخاوف الخليجية تماما، إلى درجة أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو اقترح إقامة تحالف عربى-إسرائيلى لمواجهة خطر التهديد الإيرانى. هذا التصعيد فى المواجهة مع إيران لن يفيدنا فى وقت تموج فيه المنطقة باضطرابات ستطول لسنوات قادمة. ولو كانت الولاياتالمتحدة وحلفاؤها الغربيون قد شعروا ولو لوهلة قصيرة أن إيران على وشك الانهيار أو أنها غير متماسكة، لما كانوا اهتموا بقضاء هذه الأسابيع المتواصلة من المفاوضات الشاقة معها. ومن هنا تأتى أهمية الدور المصرى فى الحوار مع إيران، لمصلحة مصر ولمصلحة المنطقة برمتها.