رانيا يحيي: السيسي أرسل لجميع السيدات رسائل طمأنينة.. فيديو    نقابة الصحفيين تقر مقترحات لإصلاحات هيكلية بمشروع العلاج    "حجازي"يتفقد سير العملية التعليمية بالمدرسة الحكومية الدولية بأكتوبر    إصلاح أعطال الكهرباء الليلية بمدينة طور سيناء    وفد أممى يزور مشروعات الإسكان بالغردقة    برلمانى: الدول الداعمة والراعية للإرهاب حجر عثرة أمام خطط التنمية    المبعوث الأمريكي لإيران: ردنا سيكون قاسيا    عماد متعب: مصطفى محمد مستقبل منتخب مصر.. وأرفض الهجوم عليه    رمضان صبحي يحسم الجدل حول تصريحاته عن انضمام محمد صلاح للمنتخب في أولمبياد طوكيو    أخبار الطقس.. الجمعة تحسن ملحوظ في القاهرة والمحافظات    بعد غلق كوبري الجلاء.. ننشر الخطة البديلة للحركة المرورية    تعرف على فارق السن بين محمد الشرنوبي وخطيبته راندا رياض    سعد الصغير يدعو لشعبان عبد الرحيم من أمام الكعبة    بالفيديو| خالد الجندي: أي شيخ يفتي بعيدًا عن القانون آثم ونصاب    التأمين الصحي: نحرص على التواصل مع المواطنين وفقا لطبيعة كل محافظة    تفاصيل جولة محافظ القليوبية المفاجئة لمدينة قها    محافظ القليوبية يُشارك بالمؤتمر السنوى لأمراض الكبد والجهاز الهضمى    «بلومبرج»: الولايات المتحدة تتوصل لاتفاق تجارة من حيث المبدأ مع الصين    مصطفى محمد يرد على هجوم أحمد بلال    الإسبانى لويس جارسيا مديرا فنيا لنادى الشباب السعودى    فريدة الشوباشى ل"إكسترا نيوز": منتديات الشباب مدت جسور التواصل بين مصر والعالم    رحلة سعيدة تبدأ عروضها بطنطا    تحرير 12 محضرًا لمخابز مخالفة ومحال في الدقهلية    محتجو لبنان يغنون أمام البنوك تعبيرا عن القلق على مدخراتهم    تراجع الدولار أمام الجنيه في ختام تعاملات اليوم الخميس    شاهد.. هشام طلعت مصطفى يفتتح مكتب الشهر العقاري بالرحاب    ماذا قال سعد الصغير عن شعبان عبد الرحيم أمام الكعبة.. فيديو    آثار مصر المنهوبة    بالصور.. "عاشور": وضع حجر الأساس لأكاديمية المحاماة قريبًا    محافظ سوهاج: رفع درجة الاستعداد ل«القصوى» تحسبًا لسوء الأحوال الجوية    قطاع غزة بين حماس والجهاد    جريمة في الذاكرة..صغار ولكن قتلة    إنشاء مركز لتدريب أطفال التوحد بمديرية الشباب بالغربية    الجهاز الطبي بالإسماعيلي يطمئن الجمهور على لاعبي الفريق    دعاء نزول المطر.. يغفر الذنوب ويستجاب لمن شهد سقوط الأمطار    الجزائر: مرشح رئاسي يحذر من جر الانتخابات إلى العنف    الداخلية تعلن الإفراج بالعفو عن 456 سجينًا    شرطة الرعاية اللاحقة تُقدم مساعدات عينية ومادية لعدد من أسر المسجونين والمفرج عنهم    محافظ بني سويف يحيل مسؤولي الإشغالات والبيئة بالواسطى للتحقيق    عاجل.. إصابة 5 أشخاص في انهيار عقار بمنطقة بولااق أبو العلا    حكم قراءة الفاتحة للميت وخلف الإمام في الصلاة    نائب: تراجع معدل التضخم يؤكد نجاح برنامج الإصلاح المالى والاقتصادى    المركزي الأوروبي يبقي على سياسته النقدية دون تغيير في أول اجتماع برئاسة لاجارد    رغم رحيله.. الدكتور "فهمي حجازي" يعيش في ذاكرة محبيه    هل يجوز هبة مالي لأبنائي حال حياتي    آلاف المتظاهرين في العاصمة الجزائرية ومحاولة لاقتحام مركز انتخابي    «السيسي» يتحدث عن فترة حكم«مرسي»: «كنا هنضيع»    بالصور.. السفير الأمريكي بالقاهرة يشيد بمستوى طلاب مدرسة الطاقة الشمسية بأسوان    افتتاح فعاليات المؤتمر الأول لمركز جراحة الأوعية الدموية بجامعة المنصورة    اشتروا بهارات وسوداني.. مدبولي و4 وزراء في «جولة سيلفي» بأسوان    أهلي 2005 يلتقي طلائع الجيش في بطولة القاهرة    نصر عالمي جديد.. النخلة على قائمة التراث لدى "اليونسكو"    شاهد| رسالة من الرئيس السيسي للرجال بشأن المرأة؟    حملات موسعة على الإشغالات بشوارع الطالبية    الأهلي نيوز : حل لغز أيمن أشرف في الأهلي .. وكيف يحل فايلر الأزمة    وزير التعليم العالي يصدر قرارًا بإغلاق 6 مراكز للدروس الخصوصية في طنطا    للتدفئة في البرد.. اصنعي «بودرة السحلب» في دقيقة واحدة    سبورتنج يتأهل لملاقاة فيروفيارو في نصف نهائي أفريقيا لسيدات السلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لواء أ. ح. حسام سويلم يكتب:
مخطط الأطماع الإيرانية التوسعية في المنطقة
نشر في الوفد يوم 17 - 12 - 2013

كان طبيعياً أن يثير الاتفاق النووي الذي أبرمته مجموعة دول 5+1 مع إيران في جنيف في 24 نوفمبر الماضي قلق ومخاوف معظم دول منطقة الشرق الأوسط، بما فيها تلك المواجهة لايران مثل سوريا وحزب الله، فضلاً عن اسرائيل
حيث شعر الجميع بأنه كما باعت أمريكا أصدقاءها في المنطقة وعلى رأسهم دول الخليج في هذه الصفقة من أجل تجنب التورط في حرب اقليمية ضد ايران تسعى إليها اسرائيل، وهو ما ليس من مبادئ الرئيس الأمريكي أوباما الذي تعهد بعدم توريط أمريكا في حروب أخرى، فإن ايران أيضاً باعت أصدقاءها في المنطقة، وعلى رأسهم سوريا وحزب الله من أجل تمرير هذه الصفقة التي تكفل لها اعتراف الغرب ببرنامجها النووي، وما يعنيه ذلك من اعتبار ايران دولة نووية وبالتالي قوة اقليمية عظمى، فضلاً عما تكفله هذه الصفقة من رفع العقوبات المفروضة على ايران التي انهكتها اقتصادياً واجتماعياً.
وإذا كان الاتفاق المؤقت الذي تم ابرامه «6 شهور فقط» قد قيد حرية ايران في تخصيب اليورانيوم بنسبة 5٪ فضلاً عن ايقاف التخصيب بنسبة 20٪ «400 كجم حتى الآن»، إلي جانب إذابة نصف هذه الكمية، وايقاف العمل في مفاعل فصل البلوتونيوم وصنع الماء الثقيل في مفاعل «آراك» مع السماح بالتفتيش المفتوح والمفاجئ لجميع المنشآت النووية الايرانية بواسطة لجان الوكالة الى الوكالة الدولية للطاقة النووية، إلا أن هذا الاتفاق لم يمنع نهائياً تخصيب اليورانيوم أو ازالة منشآته والتي تشمل منشآت التخصيب في «نانانز» و«فاردو» ومنشأة انتاج غاز F-6 «هيكو فلورايد» وهي المرحلة السابقة للتخصيب، فضلاً عن استمرار عمل مناجم اليورانيوم في انتاجه، وكذا مفاعل بوشهر، وهو ما يعني أنه في أية لحظة يمكن لايران استئناف نشاط جميع برامجها النووية في حالة فشل المفاوضات النهائية بعد انتهاء الستة أشهر مدة فعالية الاتفاق المؤقت الحالي، واتخاذ قرار سياسي من خامينئي بصنع السلاح النووي، وهو ما يضغط الحرس الثوري لتنفيذه.
تجاهل الاتفاق لمخطط ايران التوسعي في المنطقة
إن أبرز ما يثير مخاوف دول منطقة الخليج العربية هو تجاهل هذا الاتفاق لمخاطر التوسع الايراني في المنطقة على كل اتساعها من سوريا ولبنان وغزة شرقاً الى دول مجلس التعاون الخليجي غرباً، ومن دول المغرب العربي شمالاً حتى اريتريا عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وبلدان شرق وغرب أفريقيا، وهو الأمر الذي أثار العديد من المخاوف لدى دول المنطقة، حيث لم يعد خافياً على أحد أن للنظام الايراني مخططاً لضرب وتفكيك منظومة دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها السعودية، وليس لدى هذا النظام مانع في التعامل مع اسرائيل وتنظيم القاعدة الارهابي، بل الشيطان نفسه، من أجل تحقيق هذا الهدف، وقد أفاد مؤخراً قيادي بارز في كتلة «التحالف الوطني» الشيعي التي تسيطر عليه حكومة المالكي في العراق أن المتشددين في القيادة الايرانية يعتبرون السعودية «العدو رقم 1» قبل اسرائيل بالنسبة لهم، خصوصاً فيما يتعلق بتوسيع النفوذ الايراني في المنطقة، وأكد أن الهدف الحقيقي لايران في سعيها للتحول الى قوة نووية اقليمية عظمى هو نزع المكانة الدينية التي تتمتع بها السعودية باشرافها على الأماكن المقدسة وفرض السيطرة الايرانية عليها، وما يستتبع ذلك من توسع النفوذ الايراني في كل المنطقة، وما التصريحات الايرانية الرنانة ضد اسرائيل لا تعدو كونها جزءاً من الاستراتيجية المتعلقة بهذا الهدف للتأثير على الرأى العام في الخليج والعالم العربي.
ولم يستبعد هذا القيادي الشيعي البارز اعادة احياء خطط تقسيم النفوذ بين ايران واسرائيل، لأن ذلك سيعجل في تقدير المتشددين الايرانيين بضرب الاستقرار في السعودية وتدمير بنية مجلس التعاون الخليجي، واعتبار التعاون مع اسرائيل من أهم خياراتهم لتنفيذ مخططهم، على اعتبار أن ذلك سيوفر غطاء أمريكيا وأوربيا تساعد على تحقيق اللوبيات الاسرائيلية في أمريكا وأوروبا، لذلك لم يكن تعمد اصطحاب روحاني لممثل اليهود في البرلمان الايراني «سيامك مرة صدق» الى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي من فراغ، ولكن لتحسين صورة ايران في اسرائيل ويهود امريكا وأوروبا، وتمهيداً لتسهيل الامر على اسرائيل في قبول التعاون مستقبلاً مع ايران.
وينهض المخطط الايراني على تقسيم السعودية الى ثلاث أو اربع دويلات عرقياً ومذهبياً، وباعتبار ذلك يصب في المخطط الأمريكي للشرق الأوسط الكبير القائم على أساس تقسيم دول المنطقة الى دويلات عديدة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، وما سيستتبع ذلك من ضم بلدان الخليج قاطبة بعد اضعافها إلى منطقة النفوذ الإيراني، وارغامها على طلب الحماية العسكرية المباشرة من إيران، من بوابة وجود تجمعات شيعية كبيرة في هذه الدول، وسيساعد على تنفيذ هذا المخطط أن الغرب لن يجازف بالتدخل العسكري البري في المنطقة تفادياً لمواجهات واسعة مع القوة البشرية المسلحة الكاسحة لايران، الى جانب الجماعات الاسلامية المتشددة وفي مقدمتها تنظيم القاعدة، وسيفضل التوصل الى اتفاق مع ايران باعتبارها الأقوى نفوذاً في المنطقة والتي ستضمن له تدفق النفط الى الاسواق العالمية، وكل ذلك في المخطط الايراني مرهون بنجاح التقارب الراهن مع أمريكا، وهو الهدف الرئيسي من وراء قبول ايران بالاتفاق النووي المؤقت الأخير.
الرؤية الأمريكية للاتفاق مع إيران
أما من جهة أمريكا فإن عملية التطبيع مع ايران ضمن استراتيجية أمريكية ليست بالجديدة، ذلك أن الولايات المتحدة منذ زمن تسعى إلى التحدث مع ايران التي يحكمها نظام متعدد الأقطاب، حيث يتكون من مراكز قوى محافظة وأخرى غير محافظة بما يسمح ببعض المناورة في بناء العلاقة، ذلك أن الولايات المتحدة لم تستطع تجاهل أن ايران نجحت في السنوات العشر الماضية في مد نفوذها وتأثيرها في كل أسيا الوسطى وأفغانستان والشرق الأوسط، وأنها بالفعل تحولت إلى لاعب اقليمي رئيسي أمام ضعف اللاعبين الآخرين، كما لا تستطيع أمريكا تجاهل أنه عندما هبط الجيش الامريكي في العراق عام 2003، وقبل ذلك في أفغانستان عام 2001، احتاجت امريكا للتفاهم مع ايران، وأيضاً عندما استقرت القوات الأمريكية في العراق بعد ذلك، كان لابد من تفاهم مع ايران يمنع قيامها بتشجيع أنصارها على مهاجمة الولايات المتحدة، بمعنى آخر لم تنقطع حالة الصراع والتفاوض والتبادل والاعتماد بين الولايات المتحدة وايران.. ولهذا فإن القول بأن ايران غير مسئولة تجاه محيطها العربي وعلاقاتها الدولية في المنطقة، فيه الكثير من التبسيط لأن ايران استمرت في برنامجها النووي الذي يزعج اسرائيل والولايات المتحدة في ذات الوقت الذي اتبعت فيه سياسة براجماتية على صعيد كل من العراق وأفغانستان وآسيا الوسطى ولبنان وسوريا.
لذلك فإن الأشهر الستة القادمة ستكشف ما اذا كانت التسوية المؤقتة التي أنجزها اتفاق جنيف الأخير، اقتصرت فقط على الملف النووي، أم أنها شملت أيضاً سياسة إيران الخارجية، خصوصاً دورها في العالم العربي وهو أكثر ما يقلق الدول الرافضة أو الحذرة من هذا الاتفاق، هذا من دون الخوض في النظام الايراني الديني الحاكم، وهو بكل المقاييس نظام حكم فردي خاضع لكلمة المرشد، وما يعنيه ذلك من انتهاك لمفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان.. الى غير ذلك من لغو لا يجدي في لغة المصالح الرئيسية للدول.
موقف الداخل الإيراني
انقسم الرأي العام الداخلي في ايران حول اتفاق جنيف الأخير، فقد لقى الاتفاق موافقة المعتدلين في ايران وترحاباً كبيراً في معظم القطاعات خصوصاً فئة الشباب التي تعاني من البطالة التي ارتفعت إلى 15٪ بسبب العقوبات الاقتصادية وما نتج عنها من تداعيات سلبية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، والأمل في أن يحقق لهم هذا الاتفاق التطلع الى مستقبل أكثر اشراقاً، وفي المقابل هاجم المتشددون خاصة في قوات الحرس الثوري والباسيج شبه العسكرية الاتفاق، وهو ما عبر عنه محمد رضا نافذي القائد المتشدد لقوات الباسيج قائلاً «لن نقوض عقيدتنا ببعض المفاوضات».
إلا أن المتشددين التزموا الصمت مؤقتاً وبشكل مدروس، غير راغبين في المخاطرة بمواجهة علنية مع المرشد خامينئي الذي أبدى ترحيباً حذراً بالاتفاق، ويرى الخبراء أن هذا الصمت قد لا يدوم، ويعتقدون أن اشارة صغيرة من خامينئي قد تدفع المتشددين في الخروج في مظاهرات حاشدة بمشاركة مئات الآلاف في الشوارع، فضلاً عن سيل الانتقادات التي ستطلقها وسائل الاعلام التابعة للدولة ويسيطر عليها المتشددون، وفي الواقع أن المتشددين في ايران يتحينون الوقت المناسب وينظرون من بعيد ليختاروا الفرصة المناسبة للانقضاض عند أي اشارة على التراجع أو الضعف أو الاستسلام، وعندما تحين الفرصة فسوف يردون الضربة ويبحثون عن ذريعة لاختلاق العقبات خلال المفاوضات الرئيسية القادمة بعد ستة أشهر.
ورغم أن بعض قادة المتشددين من ناقدي أمريكا قد أعلنوا بعد الاتفاق «أن الجمهورية تقف بشكل أساسي ضد العجرفة الأمريكية، ولن تصل الى اتفاق معهم على الاطلاق»، الا أن هؤلاء المتشددين يبدون في قرارة أنفسهم سعادة بالاتفاق الذي يعترف بمطلبهم الأساسي وغير التفاوضي حول حق ايران في مواصلة تخصيب اليورانيوم، فضلاً عن توقف أمريكا وحلفائها في الغرب عند توظيف اجهزة مخابراتهم في السعي لاسقاط النظام الديني الحاكم في ايران، أضف الى ذلك علاقتهم المهمة مع المرشد خامينئي الذي لولا مباركته لما كان هذا الاتفاق، فهو الذي أوحى للمفاوضين الايرانيين بفكرة تغيير المسار واختبار مصداقية أوباما بشأن التوصل الى اتفاق نووي، فإذا ما رأى خامينئي أن المفاوضات النهائية لن تحقق في نتائجها المتوقعة المصالح والأهداف الايرانية فبمقدوره تحويل المسار مرة أخرى إذا ما أراد، لذلك صار المتشددون أكثر حذراً في تصريحاتهم تحسباً لكل الاحتمالات مستقبلاً، فمنهم من يقول إن ايران في الوقت الراهن أكثر التزاما من أي وقت مضى، في حين يقول الجنرال حسين سلامي قائد الحرس الثوري «لقد أظهرنا مرونة كافية، وينبغي الآن رفع كل العقوبات، والا فامكانية الغاء الاتفاق النووي المؤقت قائمة»، أما أحمد بخشايش عضو البرلمان المحافظ فقد صرح قائلا: «كونوا على يقين من أن روحاني سيتعرض لضغوط كبيرة من داخل ايران، وإن لم ترفع العقوبات كلية، فمن الممكن إلغاء الاتفاق المؤقت بسهولة»، وكانت لجنة حماية المصالح الايرانية، وهى جماعة متشددة أصدرت بياناً انتقدت فيه المفاوضين قائلة: «إنهم أحرقوا كل أوراقهم الرابحة في المرحلة الأولى.. وأن هذه الصفقة تتشابه بشكل كبير مع صفقة العراق «ابان حكم صدام حسين» النفط مقابل الغذاء، اننا نعطي كثيراً للحصول على قليل، إننا نحتفظ بالحق في الاحتجاج ضد هذا الاتفاق»، وأغلب الاحتمالات أن المتشددين سيلجأون إلى الاحتجاج فقط إذا ما أعطيت اشارة آية الله خامينئي أو أحد مساعديه في وسائل الإعلام أو في صلاة الجمعة.
ولأن هؤلاء المتشددين - سواء من رجال الدين أو قادة الحرس الثوري - قد سيطروا خلال السنوات العشر الماضية على مصادر القوة - الجيش والمخابرات والقضاء وأجهزة الاعلام وساحات صلاة الجمعة، فضلاً عن دائرة كبيرة من الشركات التي تديرها الدولة، وقد تنامت هذه السلطات في ظل رئاسة أحمدي نجاد، وكانوا يروجون دون كلل لفكرة أن ايران ستقاوم الغرب الى الأبد بغض النظر عن العواقب وبمرور الوقت ازدادت هذه الطبقة ثراء ونفوذاً على الرغم من تردي الأوضاع الاقتصادية في ايران، فإن الرئيس حسن روحاني إدراكاً منه لهذه الحقيقة يبذل جهوداً ضخمة لتطمين الايرانيين بأنه لن يتنازل عن التخصيب اطلاقاً، ولتهدئة الحملة ضد اتفاق جنيف يحرص روحاني على التأكيد في كل تصريحاته على أنه لن يتنازل أيضاً عن ضرورة رفع كافة العقوبات وفك الحصار الاقتصادي المضروب على ايران.
تأثير الاتفاق على دول الخليج العربية
لم تخف دول الخليج العربية مخاوفها من اتفاق جنيف بين ايران ومجموعة دول 5+1 لأنه جاد على حساب أمنها المهدد من قبل ايران، وهو ما عبرت عنه مجلة «فورين بوليس» الأمريكية بأن هذا الاتفاق يعد خيانة لاصدقاء أمريكا الخليجيين في المنطقة خاصة السعودية، وأنه سيفتح الباب أمام سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، وهو السباق الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى بصورة أكثر دراماتيكية، وأرجعت المجلة مخاوف دول الخليج الى أن ايران سيكون لديها القدرة بشكل دائم على تخصيب اليورانيوم وهو عنصر أساسي لتطوير أي سلاح نووي، كما أن القيود التي فرضها الاتفاق لن تكون دائمة ومن الممكن أن تتحلل منها ايران في أي وقت لاسيما وأن ايران ليست دولة ديمقراطية مستقرة مثل اليابان يمكن الوثوق في تعهداتها، كما أن قادتها يتسمون بالعقلية الدموية الراعية للارهاب.
ولقد تعمقت المخاوف العربية وخصوصاً الخليجية من هذه الصفقة لأن المفاوضات بشأنها أولاً خالفت القاعدة الدولية المتبعة، وهى اشراك دول الجوار فيما يدور لأنها معنية مباشرة به، كما كان اشراك دول الجوار في المفاوضات مع كوريا الشمالية حول نفس الغرض، وهو التخفيف من الحظر النووي الكوري الشمالي، حيث شاركت 6 دول في التفاوضات أبرزها من دول الجوار اليابان وكوريا الجنوبية، وثانياً لأن إيران قابضة على الحراك السياسي في أكثر ن بلد عربي، حيث لها تدخل مباشر في العراق وسوريا ولبنان، كما أنها محركة لجزء من الاضطراب السياسي والعسكري في اليمن والبحرين بشكل غير مباشر، حيث أتاحت العشر سنوات الأخيرة لإيران أن تمد وجودها ونفوذها في الخاصرة العربية حتى وصلت الى مصر والسودان ومضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر حيث النفوذ والوجود العسكري الايراني في اريتريا المشرفة على هذا المضيق.
ومن الطبيعي أن يكون رد فعل دول الخليج مشوباً بالقلق، فلديهم الكثير عن الشكوك حول هذا الاتفاق، كما أن لديهم الكثير من المخاوف حول الاتجاهات الخفية فيما يتعلق بعودة ايران للتدخل في شئون العالم العربي، خاصة الدول العربية الخليجية التي تقع في بؤرة المشروع الإيراني لبسط الهيمنة الايرانية على منطقة الشرق الأوسط بدءا بمنطقة الخليج، ومن ثم فإن سماح الولايات المتحدة باطلاق يد ايران في برنامجها النووي من حيث استمرار عمليات التخصيب يعني في النهاية قبول الولايات المتحدة والغرب عموماً لمبدأ «ايران نووية»، وما لذلك من مردودات سلبية على الأمن الخليجي رغم التسليم بحقيقة استخدام ايران سلاحها النووي في حالة انتاجه، ولكن من الطبيعي أن يكون مثل هذا السلاح وسيلة رئيسية في يد ايران لابتزاز دول الخليج العربية والضغط عليها للقبول بالمطالب الايرانية الاستراتيجية، لاسيما فيما يتعلق بمشاركتها كطرف رئيسي في منظومة الأمن الخليجي، وما يستدعيه ذلك من الحصول على تسهيلات عسكرية في دول الخليج، وحماية التجمعات الشيعية الكبيرة في هذه الدول.. الى غير ذلك من ضرورات الاعتراف بايران كقوة اقليمية نووية عظمى في منطقة الشرق الأوسط، وربما تعود ايران في ظل تفاهمها الأخير مع أمريكا إلى القبول بجعل ايران تمثل رجل الشرطة الأمريكي في المنطقة، وهو الوضع الذي كانت عليه ايران قبل الثورة الخومينية عام 1979 أثناء نظام حكم الشاه.
وقد بلغت مخاوف دول الخليج الى حد وصف أحد المعلقين الخليجيين الاتفاق الأخير بأنه أخطر من أحداث 11 سبتمبر 2011 الارهابية التي ضربت أمريكاآنذاك، ليس فقط لأن ادارة أوباما في هذا الاتفاق باعت المنطقة كما يقول البعض، وأنها تخلت عن التحالف التاريخي مع الخليجيين، ذلك أن ادارة أوباما تجاهلت حتى حليفها المقدس في المنطقة «اسرائيل» بهذا الاتفاق، ولكن لاعتقاد الخليجيين أن ايران استطاعت خداع الادارة الأمريكية، ومررت اتفاقاً لا يعني وقف برنامجها النووي أو تعطيله من أجل الوصول لاتفاق نهائى بل لأن ايران استطاعت الخروج من عنق الزجاجة، أي العقوبات الاقتصادية التي اسقطتها بهذا الاتفاق، وخدعت ادارة أوباما بخدعة تفوق الخدعة الروسية لادارته في ملف الازمة السورية بعد استخدام الأسد أسلحته الكيماوية.
وفي التقدير الاستراتيجي الخليجي أن هدف ايران الرئيسي منذ عهد الشاه، هو أن تكون «شرطي المنطقة» كما ذكرنا آنفا، وما فعله الرئيس الايراني روحاني وفريقه أنه كان أكثر ذكاء من أحمدي نجاد - الرئيس الايراني في السابق - للوصول الى هذا الهدف، حيث استخدم روحاني مع الغرب - وتحديداً ادارة اوباما - أسلوباً مختلفاً وأذكى من أسلوب نجاد وفريقه، وبالتالي استطاع روحاني تمرير ما يريد تمريره على الغرب، ومن هنا يمكن فهم مباركة المرشد خامينئي للاتفاق، وقوله «إن ايران بحاجة للمزيد من هذه الخطوات الذكية»، وهى بالطبع «التقية السياسية» التي لم يستوعبها نجاد سابقاً، مثله مثل أوباما الذي لم يستوعبها حتى الآن.
لذلك لم يكن غريباً، وفي اطار «التقية السياسية» التي تمارسها ايران، أن تسارع ايران الى طمأنة دول الخليج - خاصة السعودية - وتدعوها للعمل مع ايران من أجل ارساء السلام والاستقرار في المنطقة، مشددة على الأهمية البالغة للمملكة في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي، ويقوم وزير الخارجية الايراني بجولة زيارات في عدد من دول الخليج «الكويت وعمان وقطر والامارات» أعلن خلالها عن استعداده لزيارة السعودية داعياً الى توسيع علاقات ايران مع هذه الدولة، وفي الكويت خاطب وزير الخارجية الايراني دول الخليج قائلا: «كونوا على ثقة أن ايران لا تخطو أي خطوة تكون على حساب أي بلد من بلدانكم»، مضيفاً أن اتفاق بلاده النووي مع المجتمع الدولي ل «صالح كل المنطقة واستقرارها وأمنها»، مع قوله «اننا مستعدون للتفاوض مع شركاتنا في أي وقت ترغبون فيه».
ومن البديهي أن «التصريحات الايجابية» و«النيات الحسنة» من قبل ايران لا يمكن أن تنهي الخلافات العميقة بين ايران دول الخليج، فمن المؤكد أن الأزمة الخليجية - الايرانية عميقة وخطيرة، ولا يمكن أن تحل فقط بمثل هذه التصريحات، خصوصاً وأن الخليجيين من دون استثناء يتذكرون عقلانية رفسنجاني ودعاءه، وانفتاح خاتمي ورقيه، ورغم كل ذلك لم يتحقق شىء، وها هى ايران اليوم في نفس المكان الذي قد وصلت إليه، فلماذا على الخليجيين اليوم تصديق ايران فقط لمجرد وعود وتصريحات؟! هذا علماً أن طهران اليوم - وهذا هو المهم - في حاجة ماسة لطمأنة الخليجيين وتحديداً السعودية، وذلك لتحقيق عدة أمور أبرزها تحييد الدول الخليجية للتفرغ للتفاوض مع امريكا، واستغلال ادارة أوباما أكبر قدر ممكن خلال الثلاثة أعوام الباقية من عمر هذه الادارة في البيت الأبيض، الأمر الثالث ان ايران في حاجة ماسة للوقت الآن لاستكمال مشروعها النووي الذي يفوق عمره عمر الثورة الخومينية.
وقد أعاد الاتفاق النووي بين ايران ومجموعة دول 5+1 الحديث حول ضرورة قيام الدول العربية الخليجية بتبني مشروعات نووية وطنية في بلادها لحماية نفسها من الابتزاز النووي الايراني المرضي عنه من قبل الدول الكبرى، وبالفعل بدأت عدة دول خليجية التفكير في ذلك منها السعودية والامارات لتطوير برامج لاستخدام الطاقة النووية للاستخدامات السلمية، لا تشتمل بشكل واضح على تخصيب اليورانيوم أو فصل البلوتونيوم، بل يجري شراء هذه البرامج النووية جاهزة من دول مثل فرنسا، رغم حرص هذه الدول الخليجية على ابقاء منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، ولكن الاجراءات التي تقوم بها ايران ستدفع هذه الدول دفعاً الى تبني برامج نووية مضادة، وهو ما سيؤدي تلقائيا الى الانتشار النووي بسرعة في منطقة شديدة الحساسية والأهمية، ومن أجل اعادة التوازن فيها مع الخطر النووي الايراني المتصاعد، وإن كان ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً.
ومما يزيد من قلق دول الخليج أن الدول الكبرى التي وقعت على الاتفاق تدرك جيداً كما تعتقد عدم وجود نوايا سلمية وراء البرنامج النووي الايراني، ولكن بسبب «التقية السياسية» التي مارستها ايران في التعامل مع الدول الكبرى خلال العشر سنوات الماضية أمكن لايران أن تفلت بالجزء الأكبر من برنامجها النووي غير السلمي وبالتالي فات الوقت الذي كان يمكن للدول الكبرى أن تتدخل فيه جدياً لوقف تطوير هذا البرنامج حتى لا يصل الى ما وصل اليه اليوم، وأصبح من الصعب ايقافه بعد ان تعدى المرحلة الحرجة فيه، وصارت ايران أشبه بوضع كوريا الشمالية والهند وباكستان قبل أن يعلنوا رسمياً امتلاكهم اسلحة نووية، لذلك كان طبيعياً أن يولد هذا الاتفاق مزيداً من الخوف والقلق لدى الدول الخليجية، بدلاً من توفير شعور بالراحة لديها، كما تروج إدارة أوباما، وهو ما ينبغي على هذه الادارة أن تأخذه على محمل الجد، وكذلك الدول الأخرى الكبرى لتحقيق نوع أفضل من التوازن الاستراتيجي في المنطقة، وإن كان الموقف الامريكي السلبي من استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية ضد شعبه، فضلاً عن الصواريخ أرض أرض والقاذفات المقاتلة وسائر الأسلحة، أصبح لا يعطي دول الخليج ثقة في الغطاء الأمريكي المزعوم لأمن دول الخليج العربية التي فقدت الثقة نهائياً في الولايات المتحدة، ومهما حاول وزير الخارجية الامريكي جون كيري أن يقوم به من خلال زياراته المتكررة لدول المنطقة لطمأنتها للمساندة والدعم الأمريكي، فان ثقة دول الخليج في الموقف الأمريكي قد انتهت نهائياً، وهو ما يجب أن تعترف به ادارة أوباما وباقي أجهزة صنع القرار في أمريكا وتسعى لاعادة بناء هذه الثقة مرة أخرى، وهو ما لن يتحقق الا باعادة التوازن الاستراتيجي للمنطقة، والا فإن امريكا ستفقد حلفاءها وأصدقاءها في المنطقة نهائياً، وسينهار هذا الوضع غير المتوازن، وستضطر دول الخليج الى أن تأخذ زمام الأمور بأيديها.
كما فعلت مصر عندما تحولت إلي روسيا بعد القرار الأمريكي الغبي بتجميد المساعدات العسكرية الأمريكية.
إن حديث البعض في الغرب عن أن الاتفاق النووي الأخير بين إيران ومجموعة دول 5+1 بمثابة تحول كبير وكأنه نهاية الحرب الباردة، وأشبه بزيارة نيكسون للصين في السبعينيات، يعتبر قراءة خاطئة للوضع في منطقة الشرق الأوسط، فليس بوسع القائلين بذلك أن يفصلوا بين ما يجري في الغرب وما يجري في المنطقة، لأن سيطرة إيران علي منطقة الخليج نتيجة الابتزاز النووي الإيرانى، سيهدد بالقطع المصالح الغربية في هذه المنطقة ويقضى علي النفوذ الأمريكى فيها. ومن هنا يتحتم علي الأمريكيين في معالجتهم للملف النووي الإيراني أن يُعيروا مخاوف أصدقائهم الخليجيين مزيداً من الاهتمام، لأن الصمت والتجاهل الغربي للأهداف والمخططات والمحاولات الإيرانية لبسط الهيمنة علي المنطقة سيكون تكراراً للصمت الأمريكي والغربي لأهداف ومخططات ومحاولات النظام النازي في ألمانيا في عهد هتلر، عندما تجاهل الأمريكيون والبريطانيون أطماع هتلر في أوروبا فكانت النتيجة أن احتل بقواته معظم القارة الأوروبية ونشوب الحرب العالمية الثانية. وما من أحد باستطاعته أن يتجاهل شيفونية وتعصب النظام الإيراني المتدثر بالعباءة الدينية وسعيه لإقامة «دولة الإمام المهدى» في المنطقة، وإذا كان الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد واضحاً وصريحاً في الإعلان عن هذا الهدف دون مواربة، فإن «التقية السياسية» هي التي تمنع خليفته روحاني من الإعلان عن ذلك رغم إيمانه به، ومعه ومن قبله المرشد خامئني صاحب الكلمة المسموعة في إيران.
أما الحديث الدائر بعد الاتفاق حول عزم السعودية شراء قنبلة نووية من باكستان، وذلك في ظل القيود الدولية القائمة التي تحرم علي مالك السلاح النووي نقله أو بيعه، وهل بإمكان السعودية إقامة برنامج نووي يمكنها من تصنيع مثل هذا السلاح، وهل سيضيف هذا السلاح النووي قيمة للدفاعات السعودية؟ فإنه من المؤكد أن السعودية لا تملك سلاحاً نووياً حالياً، وليس بإمكانها أن تتبني برنامجاً نووياً يكون هدفه النهائى امتلاك سلاح نووي، وإن كان من حقها أن تحمي نفسها وتحصل علي ما يوازي ما تملكه إيران تحقيقاً للتوازن والردع الاستراتيجي المضاد، وهذا من مبادئ متطلبات الأمن القومي لأي دولة، كما فعلت باكستان في مواجهة السلاح النووي الهندي وحققت ردعاً نووياً مضاداً للهند منع الأخيرة من تهديد باكستان رغم فارق القوي الجيوبوليتيكية الأخرى بين الدولتين لصالح الهند. ولكن نظرياً وسياسياً وعسكرياً، بل ومنطقياً ستضطر السعودية إلي حماية نفسها من النظام النووي الإيرانى، إما بالحصول علي سلاح ردع نووي أو غير نووي من أسلحة الدمار الشامل الأخرى، لاسيما أن لدي السعودية صواريخ باليستية صينية قادرة علي حمل هذه الأسلحة، فضلاً عن التفوق الجوي السعودى في مواجهة السلاح الجوي الإيراني المتخلف، أو بأن تعقد السعودية اتفاقيات مع دول كبري أخرى غير أمريكا تعيد توازن القوى إلي المنطقة، وتحمي الأمن القومي السعودي الذي هو جزء من أمن كل دول الخليج. لاسيما مع وضع النزعة العدوانية الإيرانية في الاعتبار ضد السعودية خصوصاً، ورغبة النظام الديني الحاكم في إيران أن يضع يده علي الأماكن المقدسة في السعودية، وأن هذا النظام الإيراني لم يتوقف عن استهداف السعودية مباشرة أو بالوكالة.
إن السلاح النووي الإيراني عندما ينضج لن يكون سلاحاً دفاعياً، بل سيعمل كوسيلة ردع وابتزاز ليس فقط ضد دول الخليج، ولكن في الأساس ضد الدول الكبري وفي مقدمتها أمريكا لمنعها من التدخل في نزاعات إيران الإقليمية وتحديداً في الخليج.. ورغم أنه ليس أبداً صعباً تبيان مخاطر ترك إيران قادرة علي إكمال تصنيع سلاحها النووي، فإن النظام الإيراني ودون امتلاكه -حتي اليوم- سلاحاً نووياً فإنه أدخل المنطقة في صراعات مسلحة وفتن طائفية وعرقية تهدد أمن واستقرار دول المنطقة، خاصة الخليجية، بل وكياناتها ووجودها علي النحو الذي نراه في التدخل الإيراني في الشئون الداخلية للبحرين واليمن والكويت والإمارات والسعودية طوال السنوات الثلاثين الماضية، ناهيك عن ابتلاع إيران حالياً لمعظم دول العراق، فإذا كان كل ذلك وقع ولم تمتلك إيران سلاحاً نووياً بعد، فكيف سيكون حال التدخل الإيراني في شئون المنطقة بعد أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً؟!
ورغم قوة المبررات السعودية خاصة والخليجية بشكل عام للتحول نحو التوازن النووي مع إيران، فإن الدول الكبري المالكة للتكنولوجيا النووية غالباً لن تسمح لدول الخليج بذلك، ومن ثم يصبح الحل الأمثل هو تكثيف الجهود السياسية والاقتصادية لمنع إيران من استكمال مشوارها لامتلاك سلاح نووي بجميع الوسائل، وفي مواجهة سياسية التنازلات الأمريكية لإيران، والتي برزت في مفاوضات الاتفاق المؤقت الأخير، فإن دول الخليج تملك من القدرات السياسية والاقتصادية ما يجبر أمريكا خلال المفاوضات النهائية القادمة بعد ستة أشهر علي منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فضلاً عن إحداث تغيير جذري في السياسة الخارجية والدفاعية الخليجية يكفل عدم الاعتماد فقط علي أمريكا والغرب في تحقيق متطلبات الأمن الخليجى، ولكن الاعتماد علي دول كبري أخري مثل روسيا والصين لإعادة التوازن في العلاقات الخارجية الخليجية بين القوي الكبرى، والتنسيق مع دول عربية أخري مثل مصر لتحقيق قدر من التكامل العسكري يؤمن رادعاً مضاداً لإيران، وإذا كانت سذاجة الإدارة الأمريكية قد أدت إلي المخاطرة بأمن الخليج، واختبار حسن نوايا إيران، فإن دول الخليج ليست في حاجة لاختبار ما سبق أن اختبرته وجربته، لاسيما أن ما تواجهه هذه الدول هو تهديد وجود وسلامة شعوب لا تملك دول الخليج رفاهية تجاهله، فهي مسئولة أمام شعوبها عن ذلك وعليها مواجهة هذه المسئولية بشجاعة وقوة.
تأثير الاتفاق علي دول المشرق العربي والعراق
مما لا شك فيه أن الاتفاق النووي الذي وقع أخيراً في جنيف، واستطاعت إيران من خلاله أن تحصل علي اعتراف الدول الكبري باعتبارها دولة نووية، وبالتالى قوة إقليمية عظمى، يصب في صالح الأنظمة والمنظمات الحليفة لإيران في المشرق العربي، خاصة سوريا وحزب الله إلي جانب العراق الواقع فعلاً في براثن الحرس الثوري الإيراني، ولأن الاتفاق النووي الأخير لم يمس الجانب السياسي في الأهداف والمخططات الإيرانية ذات الأطماع المعروفة في مد النفوذ الإيراني إلى المشرق العربي، دون قيود ولا محاذير من تدخل أمريكي أو أوروبى، ناهيك عما يشكله هذا الاتفاق من دعم لحلفاء إيران في سوريا ولبنان والعراق وغزة للتوغل أكثر نحو تحقيق المزيد من الأهداف الإيرانية في هذه الدول، في إطار السياسة الإيرانية المعروفة ب(الحرب بالوكالة).
إن تراجع أوباما عن قراره بمعاقبة نظام بشار في سوريا على استخدامه السلاح الكمياوى ضد شعبه، وسقوط ما دأب أوباما علي تكراره علي خطوط حمراء في سوريا، وتراجعه عن تنفيذ الضربة التي حشد لها البوارج وحاملات الطائرات والصواريخ في البحر المتوسط، هو الذي شجع خامنئي علي توجيه حكومة روحاني علي الاستفادة من وجود أوباما في البيت الأبيض أكبر استفادة ممكنة خلال السنوات الثلاث الباقية من حكمه، لأن إيران لا تضمن سلوك القادم الجديد في البيت الأبيض بعد ذلك، فقد يكون جمهورياً معادياً لإيران ومؤيداً للمطالب الإسرائيلية بضرب إيران، لذلك جاء الاتفاق الأخير الذي تجاهلت فيه أمريكا الأهداف والأطماع الإيرانية في بلدان المشرق العربي تكريساً للنفوذ والوجدان الإيراني في هذه البلدان، وتشجيعاً لإيران علي امتلاك مزيد من النفوذ فيها.
ففي لبنان يقبض حزب الله التابع لإيران علي الوضع السياسي برمته، ويهمش بقوة السلاح الإيراني باقي القوي السياسية اللبنانية، بل ويضعهم أمام خيارات صعبة، إما الطاعة أو التصفية الجسدية أو السياسية، ولا يكتفى بذلك بل يمد نفوذه إلي سوريا بإرسال قواته لدعم نظام الأسد المتهاوي هناك أمام الثورة الشعبية، مستهدفاً ربط مصير لبنان بمصير سوريا ليكونا معا رأس حرب النفوذ الإيراني في المشرق العربى ضد باقي دول المنطقة. وفي هذا الصدد تحاول إيران أن تبلغ رسالة للغرب فحواها أنها حالياً تملك اليد الطولى في ثلاث ساحات إقليمية ساخنة جداً هى (العراق وسوريا ولبنان)، وفي ثلاث ساحات أخرى يمكن أن تسخن في أية لحظة (البحرين واليمن والسودان)، وأنها ستكون قادرة علي التدخل إيجاباً أو سلباً فيها كلها إذا نجحت أو فشلت في عقد صفقتها النووية النهائية مع الغرب.
وحقيقة الأمر أن الدول الغربية تدرك تماماً أن يد إيران الطولى في هذه الساحات الست من خلال تجمعات الشيعة المتواجدة فيها والتي تحولت إلي ميليشيات مسلحة تابعة لإيران تحركها وفق مشيئتها، أو من خلال التحالف الإيرانى مع نظم حكم سنية تابعة للإخوان المسلمين -مثل السودان- فإن إيران من خلال تمويل هذه الأنظمة وتسليحها، يمكنها أن تسير في الاتجاهين الحروب أو التقسيم، أو الأمن والسلام والاستقرار. ومن هنا كسبت إيران دوراً إقليمياً لابد من توظيفه في خدمة علاقاتها مع الدول الغربية، خاصة فيما يتعلق بالتسوية النووية النهائية، لذلك وإذا كان الاتفاق المؤقت لم يتعرض للمشاكل الإقليمية القائمة والمتورطة فيها إيران، فمما لا شك فيه أن الاتفاق النهائى سيشمل هذه المشاكل التي لا يمكن تجنبها أو الالتفاف حولها.
وليست إسرائيل وحدها التي تبدى قلقها من الاتفاق النووي المؤقت الذي عقد أخيراً في جنيف، ولكن أيضاً سوريا وحزب الله والقوي الأخرى الحليفة لإيران في المنطقة، والتي تتساءل: ما الذي يمكن أن تتبعه إيران حتي تقنع الأمريكيين برفع العقوبات والحصار نهائياً عنها في مفاوضات الاتفاق النهائى، حيث يخشي حلفاء إيران في المشرق العربي أن تبيعهم إيران علي طاولة التفاوض النهائى مع أمريكا مقابل الاحتفاظ بمشروعها النووي العسكرى.
وإذا كان القلق ينتاب دول الخليج من أن تستعجل إدارة أوباما الوصول إلي حل نهائى يطلق أيدى إيران في المنطقة وبما يزيد نفوذها في هذه الدول، وتستعيد دور رجل الشرطة الأمريكي في المنطقة كما كان في عهد الشاه، مقابل تجميد برنامجها النووى نهائياً إرضاء لإسرائيل، أو أن تكون نووية بضوابط قليلة، فإنه في كلتا الحالتين قد تكون إيران ذاتها -في إطار الاتفاق النهائى- أداة أمريكا لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير القائم علي أساس تقسيم المنطقة عرقياً وطائفياً ومذهبياً من خلال افتعال صراعات مسلحة بين هذه الفئات جميعاً تساهم فيها إيران بجهد رئيسى بدعم حلفائها الشيعة وغير الشيعة من المتشددين السُنَّة، ولأن إيران ستحتاج في مفاوضاتها النهائية الي إثبات أنها جادة في التحول وأنها ستكون دولة مسئولة، فإنه لا يوجد برهان إلا أن تتخلي عن نظام بشار الأسد وبما ينهي المأساة القائمة في سوريا، وفي المقابل لن يستطيع أوباما أن يقنع الكونجرس الأمريكي بالتصديق علي ما سيبرمه من اتفاقات مع إيران إلا إذا كانت تشمل ما يضمن مصلحة وأمن إسرائيل، لهذا سيحتاج أوباما من المفاوضين الإيرانيين أن يتعهدوا بإعادة قوات حزب الله من سوريا الي لبنان ونزع سلاحه أيضا، ومن دون مثل هذا التنازل الذي نراه شبه مستحيل لا يمكن للكونجرس أن يصادق علي مصالحة سياسية مع إيران لذلك من الأرجح أن تتخلي إيران عن نظام الأسد، بل ستتبرع بالتخلص منه، لأنهم يدركون أنها بضاعة منتهية الصلاحية حيث يستحيل عليه البقاء في ظل استمرار الثورة الشعبية في سوريا وأصبح المحافظة علي هذا النظام يشكل استنزافا مستمرا لقوات الحرس الثوري الإيراني المتواجد جزء كبير منه في سوريا، فضلا عن استنزاف «الخزينة» الإيرانية، وتدخل قوي إرهابية وأصولية في الصراع الدائر هناك مثل القاعدة وجبهة النصرة التابعة لجماعة الإخوان، وقد يتمثل حل هذه المعضلة في توافق إيراني أمريكي علي تقسيم سوريا الي عدة دويلات تكريسا للواقع الحالي، بعد أن تمكن الأكراد السوريون من إقامة حكم ذاتي لهم في شمال سوريا، وقام العلويون أيضا بجميع قواهم في مدن الساحل «اللاذقية وطرطوس وبانياس» استعدادا لقيام دولتهم في هذه المنطقة.. كما قد يشترط الكونجرس أيضا تجريد حزب الله من سلاحه تأمينا لإسرائيل، واندماجه في الدولة اللبنانية سياسيا وأمنيا، خاصة أن حزب الله الذي يمثل كيان دولة مستقلة داخل الدولة اللبنانية، مبني علي الصراع الإيراني مع إسرائيل تحت اسم المقاومة، وفي حال انتهاء هذا الصراع فلن تكون هناك حاجة لدولة حزب الله ولا لسلاحه، نفس الأمر بالنسبة لنظام بشار الأسد الملطخة أيديه بدماء السوريين والعراقيين واللبنانيين يريد الجميع - بما فيها روسيا وإيران - التخلص منه رغم أن إيران تشكل شريان الحياة بالنسبة لهذا النظام، وحيث يعتبر هذا النظام مجرما في نظر معظم دول العالم. لذلك لم يكن غريبا أن نسمع مؤخرا عن مفاوضات تجريها لندن مع حزب الله بالنيابة عن واشنطن، وهو ما أدي أيضا الي تطبيع سريع في العلاقات بين إيران وبريطانيا. كما أفادت مصادر معلوماتية بأن بريطانيا ستدعم تفاهما سريا يقضي في بعض تفاصيله بسحب جميع المقاتلين المسلحين غير السوريين مرة واحدة من سوريا ومن ضمنهم مقاتلو حزب الله ولواء أبوالفضل العباس والمنظمات المسلحة الإسلامية المرتبطة بشكل أو بآخر بالقاعدة وجبهة النصرة وداعش وغيرها ومعظمها تابعة لإيران، وذلك توطئة لعقد مؤتمر جنيف، برعاية أمريكية - روسية ومشاركة إيرانية، وقد يكون انسحاب حزب الله من سوريا مقابل رفع اسم حزب الله من قائمة المنظمات الإرهابية باعتباره حركة مقاومة مشروعة والتمهيد لانسحاب إسرائيل من مزارع شبعا في لبنان في المستقبل القريب، وبما يؤدي في النهاية الي تفكيك الجناح العسكري لحزب الله واندماج الحزب في الحياة السياسية اللبنانية دون قاعدة عسكرية، وقد أكدت صحيفة «وورلد تريبيون» الأمريكية هذه الاتصالات بين الإدارة الأمريكية وحزب الله من خلال بريطانيا وبمباركة إيرانية وهو الأمر الذي أثار ذعرا في أوساط حزب الله انعكس في تصريحات بعض أقطابه الرافضين التخلي عن أسلحتهم.
أما في العراق فيبدو أن الصفقة القادمة بين إيران والولايات المتحدة ستكون أسهل حيث سيتفق الطرفان علي التعاون من أجل إنهاء دور القاعدة هناك، حيث تتسبب العربات المفخخة التي تنشرها القاعدة في سقوط عشرات الضحايا يوميا، كما يتوقع أن تتضمن الصفقة أيضا تكريس التقسيم الفيدرالي القائم فعليا في العراق.. حيث الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق، وهيمنة إيران علي المدن الشيعية في جنوب العراق، وترك منطقة وسط وغرب العراق - باستثناء بغداد - تحت نفود قوي سنية معتدلة، كما يجب ألا نتجاهل حقيقة اقتصادية مهمة وهي أن تقديرات خبراء النفط تشير الي نضوب المخزون النفطي في إيران ويقدرون لذلك 15 عاما،وهو ما يفسر التنقيب عن النفط في مياه الخليج وزيادة صادرات الغاز مقابل تناقص صادرات النفط، وبالتالي اعتماد إيران علي نفط جنوب العراق في تمويل مشروعات إيران التوسعية في المنطقة. ومن هنا تجيء زيارة رئيس الوزراء العراقي «المالكي» لطهران للتعاون من أجل تحقيق هذا المخطط وهو ما يصب في مصلحة كل من أمريكا الساعية لتقسيم منطقة الشرق الأوسط عرقيا وطائفيا، وأيضا مصلحة إيران ببسط هيمنتها علي مدن جنوب عراق المتركز بها جماهير الشيعة العراقيين، وإن كان من المتوقع أن ترفض هذه الجماهير خضوعهم لملالي إيران رغم توجدهم العقائدي، والإصرار علي تبعية الشيعة العراقيين للمرجع الديني العراقي آية اللي سيستاني وذلك تمسكا بالهوية العربية للشيعة العراقيين ورفض إذابتهم في العرقية الفارسية.
رؤية تحليلية
يعتبر التحليل الذي أورده مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية الأسبق الجنرال مايكل هايدن في مقابلة مع شبكة «فوكس» الأمريكية أبلغ ما وصف الدوافع الأمريكية وراء إنجاز الاتفاق النووي المؤقت مع إيران، فقد وصف «هايدن» الرئيس الإيراني ووزير خارجيته بأنهما ربما لن يكونا معتدلين، ولكنهما أفضل المتحاورين اليوم في إيران، ثم أضاف موضحا «لم يكن أمامنا الكثير من الخيارات الجيدة»، كما اعتبر أن الخطوط الحمراء التي كانت تتمسك بها إدارة أوباما - سواء مع إيران أو من قبل ذلك مع سوريا - لم يعد لها وجود، وأن هذا الاتفاق غير الخطوط الحمراء، ثم قال: «لقد ضغطنا علي زر إيقاف البرنامج النووي، وعلينا الآن أن نفاوض من أجل الضغط علي زر الإلغاء». أما چون كيري فقد أكد هذا المفهوم بقوله: «لا يمكنك الحصول علي كل شيء.. ولكن علينا الاستمرار في العملية للوصول الي كل ما نريده، وإجبار إيران علي التراجع عما تتمسك به اليوم»، وحقيقة الأمر في كلام «هايدن» أنه بالفعل ليس غريبا أن يتفق الغرب مع إيران حول برنامجها النووي بدفع أمريكي شديد، بعد عقد شائك من المساومات والعقوبات والتكهنات.. فالطرفان وصلا الي حالة العجز عن إحداث اختراق كبير، فلم تعد المخابرات الأمريكية ولا الإسرائيلية قادرين علي متابعة البرنامج النووي الإيراني بكفاءة ولا القوات المسلحة قادرة علي حسم المواقف في المكان والزمان المطلوبين بسبب توقعات خسائر كبيرة في الجانبين الأمريكي والإسرائيلي في حالة قرار بتوجيه ضربة جوية وصاروخية ضد إيران، وحتي مع تنفيذ مثل هذه الضربة فإنها لن تنجح في تأخير البرنامج النووي الإيراني سوي شهرين فقط، هذا الي جانب الشلل الذي أصاب مجلس الأمن بسبب الڤيتو الروسي.
أما علي الجانب الإيراني فقد أتعبت العقوبات الوضع الاقتصادي والاجتماعي العام بما يفوق القدرة علي مواصلة التحدي العلمي النووي، والذي قد يؤدي الي تصعيد خطير في العقوبات إذا ما وصل الي القدرة علي إجراء تجربة نووية. فبعد 38 عاما من مشوار التوجه النووي الإيراني اكتسب العملاء والمهندسون والخبراء والفنيون والمتدربون والعمال الإيرانيون المهرة خبرات وكفاءات عالية لم يعد ممكنا تجاهلها، وتمكنت أجهزة الأمن والمخابرات الإيرانية من سد جميع الثغرات في وجه معظم عمليات الاختراق البشرية والتكنولوجية، كما توصلت جهات توريد الاحتياجات الي الطرق التي تؤمن لها الإمدادات اللازمة، إلا أن كل هذه النقاط الإيجابية لا يمكن من خلالها أو عبر غيرها من الإجراءات مواجهة تفاقم أثر عقوبات إضافية كان الكونجرس والاتحاد الأوروبي مقدمين عليها، لذلك كان لابد من مناورة استراتيجية وسياسية مختلفة عن حالة الشد المعتادة سابقا تضمن شكلا من التوازن الدقيق الذي يضع إيران في موقف أفضل بأقل خسائر مالية وفنية، والحقيقة التي لا شك فيها أن الولايات المتحدة فشلت في كل سياساتها الإيرانية منذ سقوط الشاه وحتي العقوبات ذلك أن التدرج البطيء فيها ساعد إيران علي امتصاص تأثيراتها الحادة واحتواء أي اضطرابات قد تنتج بسببها، كما لم تؤثر هذه العقوبات حتي اليوم علي مستوي الدعم الإيراني لحلفائها في مناطق التوتر في الشرق الأوسط، سواء في سوريا أو لبنان أو العراق أو غزة واليمن وحتي أفغانستان..مما يدل علي كفاءة في إدارة الاقتصاد الإيراني مع إصرار علي تحقيق الأهداف الاستراتيجية سواء في البرنامج النووي أو التمدد في بلدان المنطقة، ناهيك عن أن الجانب العربي ترك الملف الإيراني بكل قضاياه في ذمة الإدارة الأمريكية، وبقيت خياراته مكبلة بقيود كلاسيكية ومن جملة هذه التفاعلات ولد الاتفاق النووي المؤقت في چنيف أخيرا.
ومن مكاسب هذا الاتفاق علي الجانب الاستخباراتي، أنه بلا شك سيؤمن للغرب وإسرائيل معلومات دقيقة، وإن لم تكن كاملة لما قد تمارسه إيران من لعبة القط والفأر مع فرق تفتيش الوكالة الدولية للطاقة لإضفاء جوانب حيوية من برنامجها النووي، ولكن الزيارات المستمرة والمفاجئة لهذه الفرق والمفترض إجراؤها دون قيود سيمكن أجهزة المخابرات الأمريكية من وضع يدها علي حقيقة جوهر البرنامج الإيراني وتقييد توسعة أفضل مما هو الوضع الضبابي القائم اليوم حول هذا البرنامج.. إلا أن هذا لا يشكل اختراقا لمصلحة الغرب لأن إيران اكتسبت بموجب هذا الاتفاق شرعية التحرك تحت ضوء الشمس، أما الجانب التسليحي الخاص بصنع سلاح نووي فسيظل قابلا للتطبيق في الزمن الذي تتخذ فيه القيادة الإيرانية القرار بذلك، طالما امتلكت إيران المعرفة النووية ولديها الإمكانات التقنية والمادية لتنفيذ ذلك، لاسيما إذا كان خيارها الاستراتيجي سيكون مثل الخيار الإسرائيلي، وهو الردع النووي بالشك، خاصة مع إتاحة المزيد من الموارد المالية نتيجة رفع العقوبات جزئيا أو كليا، وأيضا مع زيادة أفق الانفتاح الخارجي لإيران، ومع أن الغرب سيحرص علي التوثق من ابتعاد إيران عن الشق التسليحي في برنامجها النووي، إلا أن التجارب السابقة مع كل من الهند وباكستان وكوريا الشمالية تأكد أن الغرب لم ينجح في ذلك وأمكن لهذه الدول أن تحقق أهدافها وتجري تجارب نووية بل وتم تملك ترسانات نووية رغم العقوبات الأمريكية والأممية.
ومع التسليم بأن العملية التفاوضية حول الاتفاق النهائي ستكون صعبة ومعقدة ومتقلبة تارة إيجابا وتارة سلبا، ولكنها في نهاية المطاف ستستمر وذلك بسبب بسيط وهو أن إيران متمسكة بالبقاء علي طاولة المفاوضات مهما واجهت من عقبات، ذلك أن تلك الطاولة هي وسيلتها الوحيدة لتخفيف ورفع العقوبات وهذا ما يشكل في الواقع أساس الاستراتيجية الإيرانية، فالطاولة هي السجادة التي يحسن الإيرانيون حياكتها بصبر وفن المفاوضات، وهذا واقع جديد مستمر لزمن طويل مهما حدث من تصدع هنا أو تراجع هناك، كما أن طهران تدرك أيضا أن طاولة المفاوضات هي أيضا سجن الدول الغربية وعلي رأسها الولايات المتحدة حيث لم يعد لديهم خيارات أخري، كما قال «هايدن» سوي الاستمرار مع التفاوض مع إيران يؤكد هذا الاستنتاج تراجع إدارة أوباما عن خطوطها الحمراء في إلغاء البرنامج النووي الإيراني، وتراجعها عن إسقاط النظام الديني الحاكم في إيران وتراجعها عن ضرب سوريا ودخول أوباما طرفا في تحالف الأمر الواقع وروسيا ضد الطرف السني في المنطقة، واتجاه إدارة أوباما لاعتماد الشراكة مع إيران في الحرب ضد القاعدة بالتفاهم مع روسيا والصين، هذا الي جانب تواجد إيران في كثير من المعادلات بما فيها المعركة علي النفوذ في دول آسيا الوسطي بين أمريكا وروسيا، وما انعكس في تصريح وزير الخارجية الروسي «لافروف» الذي قال فيه إن الاتفاق النووي مع إيران يلغي حاجة حلف الناتو لمشاريع الصواريخ الباليستية والدرع المضاد للصواريخ في أوروبا، وذلك بانتفاء التهديد الصاروخي الإيراني ضد دول أوروبا.
أما علي صعيد المشاكل الإقليمية ورغم حرص الإدارة الأمريكية علي طمأنة أصدقائها في الخليج وإسرائيل فإن الاتفاق النووي الأخير حمل رسالة الي الجهتين فحواها أن المصلحة الأمريكية لم تعد تعتمد حصرا النفط العربي، وإسرائيل أساسا لتحالفاتها في الشرق الأوسط، وأن أمريكا لن تحارب نيابة عن أي جهة، وعلي كل من يريد أن يخوض حربا أن يخوضها بجنوده وأسلحته وليس عبر القوات الأمريكية وأن استيراد الأمن لم يعد صالحا، وعلي كل جهة أن تدبر متطلبات أمنها بنفسها وتعتمد علي نفسها فقط في ذلك، وهذا في حد ذاته مفيد بالنسبة للدول العربية لجهة نضوج خروجها من الاعتداء علي الولايات المتحدة في توفير مظلة أمنية لها، أما من ناحية العلاقات الأمريكية مع إسرائيل، فإن الرسالة الأمريكية واضحة في أن العلاقة العضوية باقية إذا تعلق الأمر بالأمن الإسرائيلي في حالة عدوان خارجي عليها فقط، لكن علاقة «الأمن المدلل» فإنها يجب أن تنتهي بمعني أن علي إسرائيل ألا تغامر بشن ضربات استباقية ضد دول أخري ثم يطلب من أمريكا التدخل لمساعدتها أو نجدتها فهذا زمن انتهي أوأنه في نظرة إدارة أوباما الحالية، وما يراهن عليه أوباما في ذلك فهو دعم الشعب الأمريكي لرسائله هذه الموجهة الي العواصم الخليجية وإسرائيل، وأنه - أي أوباما - رئيس اللاحرب تلبية لرغبات الشعب الأمريكي، لاسيما أن هذا الشعب لا يكترث بما يحدث في الشرق الأوسط خاصة أنه بات جاهزا للاستغلال نفطيا، كما لا يبالي هذا الشعب بمن يدفع كلفة مكافحة الإرهاب والتطرف طالما هي بعيدة عن الأراضي الأمريكية وهذا بالضبط ما يدفع أوباما لاستمرار التفاوض مع إيران باعتبارها أكبر دولة راعية للإرهاب حتي تتخلي عن هذه الرعاية.
ومن المؤكد أن سياسة كل من أوباما وروحاني في الرهان علي نجاح مفاوضات المرحلة النهائية بعد ستة أشهر في تحقيق أهداف إيران وأمريكا معا، إنما تنطوي علي مقامرة من الجانبين وثمن هذه المقامرة سيكون مرتفعا في حالتي النجاح أو الفشل خاصة بالنسبة لأوباما الذي سيترك البيت الأبيض بعد ثلاث سنوات، فمؤيدو الاتفاق في واشنطن والدول الغربية يرون أن هذا الاتفاق سيفتح الباب أمام شرق أوسط جديد أكثر استقرارا ولابد أنه سينعكس علي سياسات طهران الإقليمية لتكون أكثر اعتدالا ومعقولية، وتكف عن تهديد أمن واستقرار دول المنطقة، وبما يسمح بحل مشاكل المنطقة وأخطرها الصراع العربي - الإسرائيلي المزمن، أما المتشككون والناقدون للاتفاق - خاصة في الكونجرس فإنهم يرون عكس ذلك وأن سياسة أوباما فيها قدر كبير من السذاجة، وأن الحل ليس في مكافأة إيران وبتخفيف العقوبات عليها، أو السماح لشراء مزيد من الوقت ولكن بمزيد من الضغط، كما أنه حتي لو كانت نوايا الرئيس الإيراني روحاني طيبة فإن المتشددين في النظام الإيراني لن يسمحوا بتكملة المشوار لأن اتفاقا نهائيا سيعرض نفوذهم، وسيطرتهم الي الخطر ومما لا شك فيه أن هناك مقامرة وهي في الأساس تدور حول الداخل الإيراني والطبقة الوسطي هناك وهي ليست مقامرة فقط ولكن أيضا مقامرة روحاني، ذلك أن جناح المتشددين الذي لا يزال يصر علي ترديد شعارات «الموت لأمريكا» في المسيرات العامة يترقب لحظة فشل المفاوضات أو أي إشارة من المرشد «خامنئي» لكن هناك ما يلجم هذا الجناح حتي الآن، وهو الوضع الاقتصادي والاجتماعي السيئ في إيران نتيجة العقوبات التي كثيرا ما يذكر بها روحاني الإيرانيين بعد أن تجاوز الانكماش الاقتصادي نسبة 5٪ في العام الماضي وأدي الي خلق حالة ركود تضخمي وتراجع العملية الإيرانية بنسبة 80٪ خلال عام، ولذلك فإن جل الرهان الغربي في الصفقة الأخيرة هو المساعدة علي خلق رأي عام داخل إيران مساند للمسار التفاوضي وبما يؤدي لاتفاق نهائي نووي من خلال الحوافز الاقتصادية.
وإذا كانت إيران تراهن علي خلفية قواها الذاتية وإدراك معطيات الضعف العربي، والقبول الدولي بإيران نووية فإن ذلك يجري وفق معادلة مزدوجة تتمثل في إدامة الإرباك في دول الجوار سواء بهدوء أو بصخب أو بالأمرين معا، مع المضي في الانفتاح علي الغرب وبما يحصن سياستها الإقليمية فإن الواجب علي الدول العربية اتخاذ الحذر الواجب تجاه إيران لكونها تريد أن تبقي في حالة الجار اللدود للدول العربية، ولا بديل أمامها سوي مواصلة المواجهة المباشرة بما يحفظ متطلبات الأمن القومي الخليجي، وذلك علي النحو الذي جري منذ عامين بسرعة الدفع بقوات «درع الجزيرة» الي البحرين لدعمها في مواجهة تهديد وجودي لدولة البحرين بسبب التهديدات الإيرانية المستمرة لها، وأن تستخدم الدول الخليجية مواردها الجيوبوليتيكية لدعم قدراتها الدفاعية الذاتية، وذلك بالتعاون مع مصر، وتعزيز ذلك التعاون والذي بالضرورة في حالة نجاحه سيجذب دولا أخري عربية وذلك في إطار منظومة أمن قومي عربي مشترك يمكن أن تشكل رادعا قويا في مواجهة الأطماع الإيرانية ويجبر ملالي طهران علي احترام الدول العربية وعمل ألف حساب لها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.