أستأذنكم الدخول مباشرة فى تفاصيل حكاية طريفة (ممكن بسهولة تعتبرها نكتة) من فيض حكايات الكوميديا السوداء التى نعيشها هذه الأيام ونحن نرزح تحت حكم الست «جماعة الشر» التى ورثتنا بالعافية من المخلوع أفندى وولده. ملخص الحكاية أن مجلس نقابة الصحفيين أرسل مؤخرا خطابا رقيقا (ومهذبا طبعا) إلى معالى جناب وزير العدل المستشار أحمد مكى يلفت فيه نظر سيادته إلى ما تسرب من أنباء تفيد أن حكومته تطبخ حاليا فى مغارتها المظلمة مشروعات قوانين تتعلق بحقوق وحريات المصريين، لبعضها علاقة مباشرة بعمل الصحفيين وتؤثر تأثيرا خطيرا على أداء عملهم وواجبهم المهنى تجاه المجتمع والجمهور.. مثل مشروع القانون الذى ينظم حق الحصول على المعلومات وتداولها الحر بين الناس، ذلك الذى طال انتظاره، وظل الصحفيون عشرات السنين فى طليعة المناضلين من أجل انتزاعه. وانتهى خطاب النقابة إلى طلب (فى صورة رجاء) بأن يتفضل معالى الوزير المستشار ويتكرم ويرسل إلى النقابة نُسخا من مسودات هذه المشروعات لكى يتمكن أصحاب الشأن من دراستها وإبداء الملاحظات عليها (إن وُجدت) لتكون تحت نظر جنابه قبل نقل جثث تلك القوانين المطبوخة من مشرحة الحكومة إلى مدافن العائلة التشريعية الإخوانية الكريمة بشارع قصر العينى. هل يستطيع القارئ الكريم أن يقول لى ما الخطأ الشنيع الذى ارتكبته نقابة الصحفيين بخطاب يحمل هذا المضمون؟! سأفترض أننى تلقيت الإجابة الوحيدة التى يقبلها أى عقل سليم، وهى أنْ لا خطأ إطلاقا، وأن النقابة مارست حقا مشروعا ومنطقيا وتصرفت على نحو يليق بمسؤوليتها ويتماشى مع مبدأ وأصل عمدة من أصول الديمقراطية يعرفه ولا يجادل فيه أصغر «عيِّل» تربى فى مجتمع حر حرية حقيقية ولم يختبره المولى تعالى بمحنة من نوع تلك الجماعة الفاشية التى تصنع الآن الحكومات فى هذا البلد. طبعا، السيد وزير العدل لا يقتنع ولا يؤمن أصلا بهذا الكلام، لهذا لم يعجبه أن نقابة الصحفيين تجرأت وخاطبت مقامه الرفيع بالطلب آنف الذكر، ولم يُطق سيادته كظْم غضبه وكبح غيظه فأطلق سيلا من تصريحات نارية، بدت بعض عباراتها محض لغو عدائى ومجرد شتم وتشهير وافتراء يقلب الحقائق ويعكسها تماما بخفة تثير الشفقة، لكن للحق، فإن هذه التصريحات لم تخل من كلام لطيف جدا وظريف قوى خالص، لدرجة قد تُفطس قارئه من الضحك.. يعنى مثلا معاليه يقول: «إن قانون تداول المعلومات والوثائق لا يخص الصحفيين، لكنه يخص الشعب والإنسانية جمعاء»!! أظن واضح أن علامتى التعجب الأخيرتين هاتين من عند العبد لله، وسببهما أن معالى الوزير تجاهل حقيقتين، أولاهما أن «الصحفيين» إذا لم يكن عند سيادته مانع فئةٌ وجزءٌ لا يتجزأ من الشعب المصرى، كما أنهم (غالبا) ينتمون إلى تلك «الإنسانية الجمعاء» التى صنع لها جنابه مشروع قانون المعلومات. أما الحقيقة الثانية الغائبة عن بال معالى الوزير فهى أن «الصحفيين» بحكم طبيعة عملهم، هم أول خلق الله فى هذه «الإنسانية الجمعاء» الذين يخصهم أى قانون يتعلق بتنظيم حق الحصول على المعلومات، لأنهم هم المنوط بهم نقلها إلى الشعب المصرى وباقى «الإنسانية الجمعاء» عبر الصحف ووسائل الإعلام الأخرى التى يعملون فيها. وقد قال سيادته أيضا، إن مخاطبته بطلب أخذ رأى نقابة الصحفيين مقدما فى أى مشروع يخص الحريات الصحفية والإعلامية، هو أمر «مرفوض تماما».. لماذا معاليك؟! يقول معاليه: لأن هذه المخاطبة صدرت من «مدَّعى الحداثة والليبرالية»!! وتفهم من هذا الوصف الذى أطلقه جناب الوزير على أعضاء مجلس نقابة الصحفيين الشرعى المنتخب، أن جنابه ربما لم يكن ليعترض ويغضب كل هذا الغضب لو أن الخطاب الذى وصله أتاه من «مدعين» آخرين غير هؤلاء الذين فرزهم سيادته وشق عن قلوبهم وفتش فى عقولهم واكتشف أنهم بتوع «حداثة وليبرالية» وليسوا من جنس «إخوانه» فى الحكومة. غير أن الأكثر ظُرفا ولطافة فى تصريحات معالى القاضى الوزير أحمد مكى، ليس كل ما سبق، ولا حتى الادعاء الوهمى (هناك وصف أشد وأصدق لا داعى لاستخدامه) بأن «الصحفيين» يعترضون على تمتع المواطنين كافة بحق الحصول على المعلومات، وإنما الكوميديا الصارخة فعلا هى تأكيد معاليه «أن الشعب لن يسمح للصحفيين بالوصاية على الحكومة»!! فكما ترى حضرتك، هذا القول فيه نكتتان اثنتان على الأقل، الأولى أن حكومة سيادة الوزير تواجه خطر ممارسة التسلط والوصاية على حضرتها، ليس من السادة سكان مغارة «المقطم»، وإنما من «الصحفيين» الغلابة الذين كانوا موضع احترام وتبجيل المستشار مكى قبل استوزاره فى حكومة الست الجماعة!! والنكتة الثانية، هى أن الأستاذ «الشعب» هو الذى سيحمى الست الحكومة من «الصحفيين» المفتريين، على أساس أن هذه الست الأخيرة تربطها علاقة شريفة بالأستاذ المذكور وتعرف عنوانه ورقم موبايله وتستطيع الاتصال به واستدعاءه فى أى وقت، إذا هجم الصحفيون عليها وحاولوا اقتحام مغارتها.