■ فى مقالين سابقين نقلت إلى القراء الأعزاء نمطين اقتصاديين مطبقين فى الصين، الأول كان نمطًا اقتصاديًّا هدفه التصدى لظاهرة ترييف المدن.. بالحد من نزوح الريفيين إلى المدن الكبرى.. وذلك بمنحهم امتيازاتهم المدنية فى قراهم وحسب مسقط رأسهم، مع تنشيط اقتصادات مناطقهم، أما النمط الثانى فكان هدفه دعم اقتصاد الريف وهو نظام «الأسر المنتجة»، إذ تشجع الدولة ملايين الأسر الريفية على الإنتاج فى منازلهم.. ثم تساعدهم فى الحلقة الأضعف وهى التسويق، وذلك بتشجيع القطاع الخاص والشركات المتوسطة على شراء منتجات الأسر المنتجة. بدأت الصين تحولها الاقتصادى أوائل الثمانينيات بهذه الخطوة بالذات: دعم اقتصادات الريف الصينى، وفى نفس الوقت وفّرت لسكان الريف خدمات الكهرباء والماء النظيف، والأهم.. وفّرت لهم مكاسب التكنولوجيا الحديثة التى تتمتع بها البشرية فى المدن، حيث تتمتع الآن ستمئة ألف قرية صينية بخدمات الإنترنت، وطرق سريعة وخطوط قطارات وخطوط نقل عام وخدمات بنكية حتى للباعة الجائلين! حتى إنك حين تتأمل الحالة الصينية تكتشف أن هذا العملاق الاقتصادى الصينى بدأ هناك.. فى تلك الحقول وجوارها.. ■ لكن مما يستحق الانتباه فعلاً هو الإجابة التى حصلت عليها هناك لسؤال ألح علىّ وأظنه يلح عليكم كذلك: من أين جاءت الحكومات الصينية - المتعاقبة منذ الثمانينيات - بالأموال الطائلة التى احتاجت إليها لبناء تلك البنية الأساسية الرهيبة؟ خصوصا فى بداية التحول الاقتصادى إذ كانت الصين خارجة لتوها من فشل اقتصادى رهيب، وبعدد سكان مخيف. نحن نتحدث هنا عن بنية تحتية مطلوبة لخدمة ألف وأربعمئة مليون نسمة! وهو عدد سكان الصين حاليًّا، أجّلوا الآن مقارنة ألف وأربعمئة مليون مع تسعين مليون نسمة مصرية! بنية تحتية تشمل الكهرباء والماء النظيف والإنترنت والطرق ووسائل النقل العام الضخمة مثل القطارات والمطارات.. والمدارس الحكومية والجامعات وَوَوَوَ.. الحقيقة أننى أشعر أحيانًا أن البنية التحتية فى الصين تفوق قدرتى الشخصية على التصور.. إذا قستها على مصر! ■ حصلت على الإجابة من أستاذ فى كلية الزراعة فى جامعة حكومية، قال لى وهو يضحك بثقة وسعادة: «أمريكا تصدر سندات مالية للتجارة فى الأوراق المالية والبورصة.. تجارة فى الهواء يعنى! أما الحكومات الصينية فأصدرت سندات لتمويل البنية التحتية، أيهما أفضل؟ قولى لى رأيك انتِ، أيهما أفضل؟!» بالطبع لم أجبه! وقتها كان يلح علىّ تساؤل: ماذا لو أرادت مصر -مصر أى الدولة المصرية- بناء بنية تحتية عظيمة ممتدة من رفح إلى السلوم مربوطة مع أسوان مرورًا بكل مدينة وقرية؟ كام قرية عندنا يعنى؟! ستمئة ألف قرية فى الصين يتعامل سكانها بال«فيسبوك»! نحن كان لدينا وما زال مستمرًّا حديث العاجزين عن أفقر «ألف قرية» مصرية! كم مطارًا نريد وكم نفقًا وكم محطة قطار سريع وكم خط قطار أو أوتوبيسات برية ونهرية؟.. كم ألف كيلومتر من الطرق نريد وكم مدرسة وجامعة ومدينة جديدة وَوَوَ... مقارنة بالصين؟ نحن نتحدث عن مقارنة بين غرفة ومجمع قصور! ■ الحقيقة أن الرئيس عبد الفتاح السيسى فعلها فعلاً حين جمع من المصريين ستين مليارًا من الجنيهات لتمويل توسيع مجرى قناة السويس، صحيح أن المشروع سيتحمل عبء فوائد تلك السندات أو «شهادات قناة السويس الجديدة».. لكنها تجربة طازجة تثبت أننا يمكننا بناء ما بنته الصين بالطريقة التى اتبعتها الصين! سندات لتمويل بنية تحتية ضخمة ستعود على الاقتصاد المصرى بفوائد جمة.. بل تلك البنية التحتية هى الأساس أصلاً لتقوية الاقتصاد وانطلاقه.. وحين يقوى ستتمكن الدولة من رد وسداد هذه السندات المالية. أنا لا أفهم فى الاقتصاد.. فقط أصف تجربة رأيتها وسألت أهلها كيف حققتم هذا الإنجاز فيها.. ■ الآن وفى ظل هذه الضغوط على الرئيس.. من رجال أعمال لا يريدون المساهمة بجدية فى بناء البلاد، بل يريدون فقط نزح خيراتها.. ومن دول النفط التى لن تدعمنا بلا ثمن.. ندعو الرئيس إلى بناء مصر كما بنى الصينيون الصين.. لا تمد يدك يا ريس لا إلى الخليج ولا غيره! كما جمعت أموال المصريين فى مشروع القناة.. اجمعها مرة أخرى لبناء خطوط قطارات جديدة ومطارات فى كل المدن وطرق سريعة ومد خطوط المياه النظيفة وبناء محطات الكهرباء وبناء مدارس وجامعات ومراكز بحوث وَوَ.. ■ لنذهب فى الدعوة بعيدًا ونقترح أن تصدر الدولة المصرية سندات أو شهادات تسميها باسم الهدف منها، مثلاً.. «شهادات القطار السريع»، «شهادات الكهرباء»، «شهادات المطارات»، «شهادات الجامعات»، «شهادات الصحة» لبناء المستشفيات وهكذا.. ويمكن دفع فوائد تلك الشهادات فى ما بعد من عائدات محطات الكهرباء أو مصروفات الجامعات الجديدة أو عوائد الخدمات الصحية فى مستشفيات محترمة أو أو.. هذه تفاصيل تترك لذوى الاختصاص.. نحن فقط نحلم ثم نسلمكم أحلامنا.. فهذا يعنى أن الشعب بنفسه وبأمواله سيمول أحلامه.. هذا بحد ذاته حلم! ■ عمومًا يا ريس.. إذا أصدرت حكومتك شهادات باسم «شهادات صيانة النيل».. فأنا.. أعدك.. أن تلك الشهادات بالذات.. سأكون لها أول المشترين!