منذ أيام وفى أثناء مرورى فى أحد شوارع القاهرة رأيت مشهدًا ذكّرنى بيومٍ بعيدٍ للغاية فى طفولتى، عندما كنت فى زيارة لجدتى فى بنى سويف، كان المشهد فى قلب القاهرة اليوم هو ذاته ما رأيته فى عزبة بنى أحمد فى بنى سويف أوائل سبعينيات القرن الماضى، رجل يرتدى الجلباب الصعيدى وبيده عصا وأمامه عشرات الخراف يسوقها نحو «تسقيفة» من الخوص وسعف النخيل. الفرق أن تسقيفة عزبة بنى أحمد كانت قريبة من الغيطان فى بنى سويف، أما تسقيفة القاهرة فكانت على رصيف مقابل مستشفى جامعى وسط القاهرة! نفس التسقيفة من الخوص وسعف النخيل، على طريق أسفلت مزدوج تمر فيه السيارات وتضطر إلى التوقف حتى لا تدهس أحد الخراف.. فى قلب القاهرة. استرجعت مشاهد مماثلة رأيتها فى القاهرة والإسكندرية، كلها تشى بأن النمط الريفى القح للحياة اليومية فى ريف الدلتا أو الصعيد، والسلوك الاجتماعى والثقافى، فرديا وجماعيا، وحتى مظاهر النشاط الاقتصادى، أصبح كل ذلك نمطًا سائدًا، بل وعاديا فى المدن، وباستثناء أحياء المدينتين المتميزة طبقيا، أحياء تجمع الأثرياء، فإن «ترييف» القاهرة والإسكندرية تم ببطء على مدى العقود السابقة، وتحولتا إلى حاضرتين ريفيتين كبيرتين، بعد أن كانتا مدينتين من المدن الأولى فى العالم. من المهم جدا توضيح أن «الحديث باستياء» عن ترييف المدن فى مصر ليس استعلاء أو تأففا أو موقفا طبقيا، على الأقل من ناحيتى، إنما هو أولا توصيف لحالة يعيشها مجتمعنا، وهو ثانيًا طرحٌ لنقاش حول سؤالٍ مهم: كيف نمنع ترييف المدينة لتبقى مدينة وتتطور كمدينة حديثة.. وفى نفس الوقت نعمل على «تمدين الريف» ليبقى ريفًا إنما مستفيد من كل ما قدمته التكنولوجيا.. ريف.. إنما ريف حديث؟! كنت فى زيارة للصين، وكان يهمنى أن أعرف كيف نهضت الصين بهذه السرعة؟ فبعد أن كانت فقيرة كثيفة السكان بمستوى مرعب، أصبحت دولة غزيرة الإنتاج وأغرقت كل أسواق العالم بمنتجاتها، الرديئة والجيدة! فى مقالاتٍ قادمة سأنقل إليكم ما رأيته فى مجالاتٍ عديدة، لكن اليوم سأنقل هنا «الإجراء الصينى» لمنع ترييف المدن وفى نفس الوقت تطوير الريف، فقد زرت مدينتى بكين وشنغهاى، ورأيت فيهما حداثة مرعبة أثارت حسرتى! إنما زرت كذلك قرية ريفية إلى الجنوب اسمها «سا تشا»، قرية ريفية هادئة جدا، ونظيفة كما معظم الصين، معظم سكان القرية يعملون فى زراعة القمح، وزرتها فى وقت الحصاد، حيث كانت جميع العائلات تجفف حبوب القمح أمام المنازل، نمط حياة ريفية يختلف جذريا عما رأيته فى شنغهاى، حيث ناطحات السحاب الخارقة لعنان السماء والكبارى المعلقة البديعة والطرق السريعة والمولات، سألت رفيقى الصينى: لماذا لم تجذب شنغهاى هؤلاء الناس فى قرية سا تشا؟! الحكومة الصينية وضعت قانونا يُصعب «الهجرة من الريف إلى المدينة»، القانون ببساطة يمنح كل مواطن صينى حقوقه المدنية، حسب مقر إقامته الأصلى، فالتأمين الصحى والمدارس الحكومية المجانية، وأولوية الحق فى الوظائف الحكومية، وفرص العمل، وفرص التملك والقروض و.. و.. إلى آخر منافع للناس، هى امتيازات يفقدها المواطن إذا هجر قريته أو بلدته بغير سبب يسمح به القانون، بالطبع يمكن للناس التنقل كما يشاؤون، إنما القانون يضع ضوابط على كل حال فى ما يخص الانتقال النهائى من الريف إلى المدينة، لأول وهلة تظنه قانونًا ضد حقوق الإنسان وحريته فى تغيير مقر إقامته وعمله ضمن بلدات ومدن وطنه، إنما كانت نتيجة هذا القانون زيادة النمو الاقتصادى والمشروعات التنموية فى الريف والبلدات المحيطة! فقد أدرك المواطنون أن عليهم أن يخلقوا نشاطهم الاقتصادى فى بلداتهم حتى لا يفقدوا امتيازاتهم بالبحث عن «فرصة فى قاع المدينة الكبرى»، بالطبع لم يكن إدراك المواطنين وحده الحافز، بل أيضا، خطط الحكومة! فالحكومة الصينية كانت لها مشروعات ضخمة بمد خطوط الكهرباء والإنترنت والطرق إلى ستمئة ألف قرية! كما منحت امتيازات للمستثمرين لتشجيع إقامة مصانع ومشروعات إنتاجية فى الريف والبلدات الصغيرة، فنشط الريف اقتصاديا، ووجد الريفيون فرص عملٍ فى قراهم جعلتهم لا يفكرون فى الهجرة إلى المدن، وفى نفس الوقت تمتعوا بكل ما تتيحه التكنولوجيا للمدن، ستمئة ألف قرية فى الصين تتمتع بخدمات الإنترنت! ما أحوجنا فى مصر إلى خطة حكومية يكون هدفها: تمدين الريف المصرى، تشجيع المستثمرين على إقامة مشروعات فى الصعيد والريف، المستثمر المصرى أولا.. والصعيدى فى المقدمة! ودراسة وضع قانون (يعنى إذا أصبح لدينا برلمان ذات يوم!) يحدد امتيازات المواطن فى قريته وبلدته، منحه فرصة فى قريته، حتى لا يهجرها إلى مدينة القاهرة وينشئ تسقيفة لخِرافه من سعف النخيل على ضفاف طرقها السريعة! الحكومة هى المسؤول الأول عن اتخاذ اللازم للحد من ترييف القاهرة، لكن بتمدين الريف وتوسيع نشاطه الاقتصادى! بل حتى بتشجيع أهل القاهرة أنفسهم على الهجرة العكسية! فليهجر المستثمرون القاهرة وليذهبوا بأموالهم إلى الصعيد لإنشاء المصانع والمشروعات الإنتاجية، كفاية مولات!