أقول لكل شاب صغير شاهد ذلك الفيديو البشع بحرق الطيار الأردنى حيًّا، إياك أن تصدق أن هذا هو دينك. الجملة التى سمعتها فى التليفزيون والتى قالت إن كل أسانيد هؤلاء المجرمين صحيحة، وإن كل من يقول بغير ذلك كاذب! هى دعوة مفتوحة لكل شاب لديه شك أن يقول «إذا كان هذا هو الإسلام فأنا لا أريده!». أى تبعة ومسؤولية من جملة قيلت تنطوى على مصادرة وإغلاق لباب النقاش والاعتراض بالضبة والمفتاح واتهام مفتوح لكل من يريد مناقشتها بالكذب. لا يستطيع ولا حتى أعظم علماء الدين أن يقول إن كل كلامه هو صحيح، وإن كل ما يقوله غيره هو كذب! أصول الفقه الإسلامى كلها قائمة على المناقشة والرأى والرأى الآخر، لدرجة أنه يكاد يكون لا يوجد رأى يمكن أن يقال إنه صحيح على إطلاقه. بل إن كل رأى له رأى يخالفه، وكلاهما بأسانيد، ويختار المسلم فى حرية ما يشاء، فإن لم يجد فاستفت قلبك يتركك الدين لقلبك ذاته يلهمك الصواب. وقد قال نبينا الكريم أنتم أعلم بأمور دنياكم . الشافعى يقول إن طلاق الغضبان يقع، وابن حنبل يقول إنه لا يقع، والفرق فى النتائج فادح بين زواج قائم أو شبهة زنى، والناس لها أن تختار الأيسر ولا خطأ. كل رموز الإسلام فى فَجْره وقعوا فى الأخطاء، حتى النبى عليه الصلاة السلام الذى ظل يكرر أنه بشر، يأكل ويشرب ويمشى فى الأسواق إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىَّ . ولقد نزل فى القرآن ما يوثق ذلك عندما عاتبه الله. وقد جاءه الأعمى المسلم الفقير يريد أن يتعلم دينه، فانشغل عنه الرسول بأشراف قريش الذين يريد أن يدعوهم إلى الإسلام، فقال تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿1﴾ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴿2﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿3﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿4﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿5﴾ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿6﴾ . بل إن غزوة الخندق التى اجتمع لها الكفار من كل حدب وصوب للقضاء على الإسلام مرة احدة وإلى الأبد لم ينفرد النبى فيها برأى، بل اجتمع مع القادة يتشاور معهم ولم تكن فكرة حفر الخندق فكرته، بل فكرة الصحابى سلمان الفارسى أخذ بها رسولنا العظيم، بل ونزل بنفسه يشارك فى حفر الخندق كالآخرين فى ظروف فقر وجوع وفاقة يحفر بيديه الشريفتين دفاعًا عن الإسلام. تلك المقولة الشهيرة التى قالها عمر بن الخطاب: أصابت امرأة وأخطأ عمر قالها عمر علنًا وهو الخليفة عندما حاجَّته امرأة بما جاء فى القرآن. الإسلام دين رحمة، دين كل زمان ومكان، لأنه مرن يترك للعلماء حرية الرأى والتقدير، كيف أقبل كلامًا يقول صاحبه فى حرق إنسان حيًّا إن كل أسانيد هؤلاء المجرمين صحيحة. بينما الإمام الشافعى قال قبل زمان الزمان رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب؟! . لو أن الله سبحانه وتعالى ميز بشرًا بأنه لا يخطئ لانهدمت فكرة الدين كله، لأنه لا كمال لبشر من دون الله وكلماته فى كتابه الكريم وسنة رسوله، وكل ما عدا ذلك يؤخذ منه ويرد عليه، ويفسر حسب اجتهادات العلماء لأن الإسلام دين علم. إن أول كلمة نزلت فيه من السماء السابعة هى كلمة: اقرأ ، ولأن أكرم عطايا الله للإنسان، وما أكثرها، هو أنه علم الإنسان بالقلم، اقرأ وليس احرق ! من أجل هذا لم يقتل النبى عليه الصلاة والسلام أسيرًا واحدًا من أسرى بدر ، ولم يكونوا حتى مسلمين، بل كانوا هم أئمة الكفر وعبدة الأصنام وأعدى أعداء الإسلام، بل إنه كلفهم أن يعلِّموا المسلمين القراءة والكتابة، وهو النبى الأمى، وما أعظمه سيد البشر خاتم المرسلين! ولم يأخذ فدية إلا من الغنى منهم. بل إنه لم يفت فى أمر الأسرى وحده، بل استشار صاحبيه، فأفتى عمرُ بقتلهم فاغتمّ وجهه الكريم، ثم أشرق عندما أفتى أبو بكر بالعفو. طردوه من مكة وعندما فتحها سألهم ما تظنون أنى فاعل بكم؟ ثم أطلقهم وحررهم جميعًا. هذا النبى العظيم صاحب أعظم رسالات الأرض، مصداقًا لقوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين . فكيف يحرق نبى الرحمة بشرًا ولو كان كافرًا؟ عندما قتل خالد عددًا من الكفار وقت فتح مكة قال النبى اللهم إنى أبرأ إليك مما فعل خالد ، بل إن عمر بن الخطاب غضب من خالد غضبًا شديدًا، لأنه فعل بأسرى المرتدين ذات فعلهم فى أسراهم من المسلمين بأن مثّل بجثثهم وألقاهم من فوق جبل انتقامًا فغضب منه عمر وغضب من الخليفة أبى بكر قائلا أأمرت رجلا بعذاب الله؟ وقال عنه مقولته المشهورة إن سيفه فيه رَهَق أى تسرع وخفة. هكذا كانوا يحاسبون أنفسهم فى ما بينهم، صحابة الرسول الكريم. هو إسلامنا، إسلام النبى وصحابته وليس إسلام داعش وأسانيدهم الصحيحة! ، لا تحكموا على الدين بأفعال هؤلاء الوحوش.. فديننا منهم براء. أيها الإسلام، ما أبشع ما يُرتكب باسمك! ولا حول لا قوة إلا بالله.