الإمام علِى بن أبى طالب، له مقولة شهيرة حكيمة: «لو جاءنى مئة عالم لغلبتهم، ولو جاءنى جاهل واحد لغلبنى».. الحكمة تعنى أن محاولة مناقشة أو محاورة الجاهل بالعقل عقيمة، وغير مجدية، تحت أى مقاييس.. فلو أنك حاورت دستة من العلماء، فكلكم ستتحدَّثون بلغة واحدة، وهى لغة العلم والمنطق والدراسة والفهم.. والأهم، أنكم جميعًا ستخضعون لهدف واحد، تسيرون كلكم نحوه، وإن اختلفت رؤيتكم للأمور.. رفعة العلم وبلوغ الحقيقة.. فالعالم الحقيقى لا يجد غضاضة فى أن يثبت له عالم آخر أنه كان على خطأ.. بل وقد يصفِّق إعجابًا بمَن أثبت خطأه أيضًا.. هذا لأن النتيجة هى انتصار العلم، وبلوغ الحقيقة.. أما الجاهل فلا تعنيه الحقيقة، ولا يعنيه انتصار المبدأ، وإنما انتصاره هو.. حتى ولو انهار المبدأ.. هذا ما أراه فى كثير من رجال الدين والمتطرفين للأسف، فمعظمهم يقاتل من أجل مكانته ونفوذه «وسبّوبته أحيانًا» وليس من أجل رفعة الدين نفسه.. ولهذا يسيئون للدين، ويخسرون مكانتهم فى الوقت ذاته.. كارثة أدركتها، عندما سمعت عالمًا أزهريًّا، حاول أن يثبت صحة حكم «الرجم» فى الزنى، على الرغم من أن الحكم فى القرآن الكريم هو «الجلد»، فأكّد فى إصرار أنه توجد آية ناقصة فى القرآن! والأسوأ والمهين قوله إن الماعز أكلتها فلم تدوَّن! يا للهول! سيادته فضَّل الطعن فى كمال القرآن الكريم، الذى أنزله المولَّى عزّ وجلّ، وفى أنه، جلّ جلاله، له حافظ، على أن يعيد النظر فى الحكم، غير مدرك أنه بهذا لم يطعن فى كتاب الله، سبحانه وتعالى، وحده، ولكن فى رب العزة بذاته والعياذ بالله، فقد عنى قوله أنه العزيز الحكيم، خالق الكون وبارئ الحياة، تعهَّد بحفظ قرآنه، فجاءت الماعز وهى إحدى مخلوقاته، جلّ جلاله، فأكلت آياته وبثت فيها الشك.. حاشا لله الواحد الأحد أن يكون ما قاله ذلك الأزهرى له أدنى صلة بالحقيقة، وإنها لكارثة، أن يصل العناد فى الدين إلى هذا الحد! لو أن رفعة الدين هى هدفكم فعلًا أيها السادة الأجلاء، فانتصروا للدين لا لأنفسكم.. اجعلوا الأولوية له لا لمكانتكم ومناصبكم وهيبتكم.. فكل ما تقاتلون من أجله زائل، وأنتم أنفسكم زائلون. الدين، دين الله المعز المذل سيبقى، حتى بعد أن يصبح أحفاد أحفاد أحفادكم ترابًا.. ومكانتكم وهيبتكم.. وحتى سبّوبتكم هى أمور زائلة، وأنتم مثلها زائلون.. قاتلوا إذن من أجل الخالد الأبدى لا من أجل الزائل الفانى.. أما حجتكم بأن الدين لا يؤخذ بالعقل، فهى حجة مؤسفة، وإلا فكيف يمكن أن يؤمن غير المسلم بدين يتنافى مع العقل والبشرية؟! عودوا إلى العقل أيها الأجلاء، قبل أن تكونوا سببًا فى ابتعاد الناس عنكم.. وعن الدين.. كلمات أقولها بالضمير.. والإيمان.. والعقل.