قد يكون البرلمان القادم بتركيبته المنتظرة برلمانًا محافظًا تقليديًّا، قوامه الرئيسى أغنياء الريف، والقوى التقليدية التى تحترف لعبة الانتخابات بعصبياتها وقبلياتها، وبدخول المال السياسى بشكل فج على الخط، وبنظام انتخاب فردى يعتمد فى الأساس على النائب الخدمى ابن الدائرة الذى يضع فى جدول أولوياته «شق الترع، ورصف الطرق وتعيين الشباب.. إلخ إلخ»، فإن الصوت الإصلاحى الراغب فى بناء دولة ديمقراطية مدنية عادلة اجتماعيًّا وسياسيًّا سيضعف، وهذا خطر لو تعلمون عظيم. البرلمان القادم خطورته ليست فى أن أغلبيته ستكون «محافظة تقليدية»، فهذا طبيعى فى بلاد لا تزال فى مرحلة تحول ديمقراطى، وتنتقل ببطء تتلمَّس الطريق نحو ديمقراطية ننشدها ونبحث عنها، لكن الأخطر هو غياب الصوت الإصلاحى السياسى من البرلمان، فى مرحلة تعانى فيها الدولة والمجتمع من أزمة فراغ سياسى، فالرئيس المنتخب القادم من قلب دولاب الدولة لم يعمل فى السياسة من قبل، والدولة تعانى بمعظم مؤسساتها من بيروقراطية ثقيلة، وفساد يعيق أى تقدّم بسهولة فى اتجاه الإصلاح، وأحزاب ما زالت تتلمَّس طريقها نحو المجتمع بعد عملية تجريف سياسى طويلة امتدت لأكثر من 40 عامًا، ووصلنا إلى معادلة مختلة، رئيس لم يمارس السياسة من قبل ومضطر إلى ممارستها، وهو كرجل أمن يفضِّل الأمن على السياسة، والفارق بيِّن، فالأمن أمر دون رد، والسياسة تفاوض وحوار وتوافق، وفن الممكن لتعظيم المساحات الوسط عند الاختلاف، ورئيس وزراء قادم من خلفية مهنية هندسية، ومن الأعمال التنفيذية فى «المقاولين العرب» إلى وزارة الإسكان، ثم إلى رئاسة الوزراء، أى أنه هو الآخر لم يمارس السياسة من قبل، فهو رجل تنفيذى نشيط، ومهندس كفؤ، لكنه بالتأكيد ليس سياسيًّا، ولا يوجد حزب سياسى يعبِّر عن الرئيس ويعمل على إيصال صوت الجماهير إلى الرئيس أو الحكومة، والاتصال بين الرئيس والشعب أصبح فقط عن طريق وسائل الإعلام، أو عن طريق تقارير الأجهزة الأمنية، وهو ما يفسِّر تكرار لقاءات الرئيس بالإعلاميين ورؤساء تحرير الصحف، بينما لم يلتقَّ ولو مرة واحدة قوى سياسية وأحزابًا ونقابات. ومجتمع كذلك فقد الثقة فى السياسة نفسها، وبدواعى تهديد الأمن القومى بالإرهاب الإخوانى، زاد طلب المجتمع على الأمن، فقل الطلب عمومًا على السياسة. والبرلمان هو استحقاق سياسى، سيحدث فى سلطة لم تمارس السياسة، وربما لا تحبها، ومجتمع يبحث عن الأمن أكثر ما يبحث عن السياسة، وقوى سياسية وحزبية تعانى حملات تشويه إعلامية منظمة، وتعانى ضعف الوليد فى بداية حبوه، فالعمل الحزبى لم يبدأ بشكل جدى إلا بعد يناير 2011، وما قبل ذلك كان الأمر ديكورًا لا أكثر، وبالتأكيد لن يكون النواب التقليديون أصحاب الاهتمام بتعيين أبناء الدائرة، أو رصف طريق وشق الترع إلخ، قناة اتصال أمينة تنقل نبض الشارع إلى السلطة، وتحاول أن تصل إلى حلول وسط إصلاحية لبناء دولة مدنية حديثة ديمقراطية عادلة. ومن هنا تأتى أهمية وجود أصوات إصلاحية فى البرلمان القادم، فوجود إصلاحيين حتى لو كان البرلمان بأغلبية غير إصلاحية، سيسهم بشكل كبير فى نقل أصوات يجب على السلطة أن تسمعها، فتقارير كله تمام يا فندم المصرية الشهيرة، تضر بالسلطة، وتضر بالمواطن وتضر بالبلد، ومحاولة رجال الفساد العودة للسيطرة التامة على البرلمان وقتل أى صوت إصلاحى قد تؤدِّى إلى كارثة تحل بالجميع، فى مجتمع قلق يبحث عن انفراجة فى أحواله، ويضع أملًا فى البرلمان لإيصال صوته!