فى السابعة إلا الربع من مساء يوم 8 يونيو عام 1992، والمكان هو قلب القاهرة العامرة، 2 شارع أسماء فهمى بمصرالجديدة، وبالقرب من قصر العروبة الذى كان حسنى مبارك يحكم منه مصر، دوّت رصاصات غادرة فى سماء الحى الراقى، وعلم الناس فيما بعد، أن شابين من جماعة الجهاد الإسلامية، قدكمنا بالقرب من مكتب الدكتور والمفكر العلمانى فرج فودة، الذى يقع فى المنطقة، وأطلقا عليه النار بكثافة، بعدها سقط المفكر، ولم يسقط الفكر، ومنذ ذلك الوقت أصبحت المواجهة الدامية للمفكرين بالرصاص شريعة هؤلاء القتلة، طالما أن هناك من يساندونهم بالرأى والتوجيه والمال، ويمدونهم بالسلاح تحت دعوى «تطبيق شرع الله». ويكفى أن نتأمل تعليق المستشار مأمون الهضيبى العضو السابق بمجلس الشعب، والمتحدث الرسمى باسم جماعة الأخوان فى ذلك الوقت، قبل أن يصبح مرشدالجماعة السادس بعد مرض المرشد مصطفى مشهورفى 27 نوفمبر 2002، قال المستشار الهضيبى:(نحن نأسف كل الأسف أن تتطور الأمور بمثل هذه الصورة، ونسأل الله تعالى أن يقى بلادنا من سوء العاقبة، وإننى أحمّل مسئولية ماحدث لمسلك الحكومة عامة والإعلام الحكومى خاصة، الذى يستضيف العلمانيين)، وكان هذا تصريحا غريبا جدا، أوحى بأن هناك علاقة شبه سرية بين جماعة الأخوان الأم لكل هؤلاء الأبناء الذى تخرجوا من مدارسها وشعبها، وكانت التفصيلات التى أدلى بها الهضيبى لصحيفة صوت الكويت أكثر من صادمة، وتوحى بأن فرج فودة يستحق ماجرى له فهو يطعن فى الدين الإسلامى فى الصميم ويهاجم الشريعة ويحاول تلويث كل الدعاة الإسلاميين بأسلوب ترفضه كل الآداب والأخلاق، ويتطوع المستشار الهضيبى بتحريض فريد من نوعه، إذ أنه يتهم فرج فودة بأنه يتطاول على أشسخاص الصحابة والتابعين وينال منهم بصورة مفزعة، ويسترسل المستشار فى اتهاماته وتبريراته، مما أفزع الكاتب محمود السعدنى آنذاك ليكتب مقالا فى مجلة المصور يرد على افتراءات الشيخ واحدة واحدة، ولم تكن مفاجأة أن يعترف أحد قتلة فرج فودة وهو عبدالشافى أحمد رمضان، وهو عضو فى جماعة الجهاد، التى يقودها الدكتور عمر عبدالرحمن، وأن هذا الأخير هو الذى أباح دم فرج فودة على اعتبار أنه علمانى متطرف، وهو دائما يهاجم الإسلام، ويسئ له ساخرا، وما كان من هذا العضو إلا تنفيذ فتوى الشيخ، ومن الطبيعى أن ينساق شاب جاهل مثل هذا، خلف تعليمات وفتاوى رجل يحمل شهادة الدكتوراة، ويخطب فى المساجد، ويصلى الناس خلفه، وكانت الجماعات الزاعمة أنها تسعى لتطبيق شرع الله، قد تنفذّت كثيرا، وأصبح لها من يمثلها فى البرلمان والدولة والنقابات. وكان فرج فودة قد حذّر من ذلك مبكرا فى كتابيه «الملعوب»، و»الإرهاب»، وقد سعت مؤسسة الأزهر لمصادرة هذا الكتاب الأخير، وكان تحذيره يتعلق بأن هذه الجماعات سعت للسيطرة على السوق الداخلى ومسارات الاقتصاد فى مصروأشار فودة إلى شركات الريان والسعد والحجاز والأندلسى، وكذلك تحاول التمكن من الهيمنة على النقابات وكافة الهيئات التمثيلية، وكان هناك من يمثل هذه الجماعات فى البرلمان والصحافة، والذى يراجع الاستجوابات التى كان يقدمها البعض آنذاك فى البرلمان كانت تنطق بلسانهم بشكل كبير، لذلك لم يكن من الغريب أن تحدث هذه التصفيات الدموية التى كانت تنال من المفكرين والفنانين وبعض المسئولين فى الدولة، وكل هذا كان بمباركة شيوخ الفتنة الذين حرّضوا وأفتوا بقسوة ووجهوا ودعموا وساندوا وشكلوا تنظيمات وجماعات لتخريب المجتمع، ولى لإصلاحه كما يزعمون، وليس لتطبيق الشريعة كما يعلنون. وفرج فودة بالتحديد كان هدفا قديما بالنسبة لهم، ودائما ماكان يتجدد، إذ كان فرج فودة المهندس الزراعى المستنير والاحث عن الحقيقة الغائبة، والذى انتمى إلى حزب الأحرار فى بداية عمله السياسى، ثم تركه ليلتحق بحزب الوفد فيما بعد، ثم اختلف مع قيادات الحزب بعدما تحالفوا مع جماعة الأخوان فى الانتخابات البرلمانية عام 1984، وعبّر عن ذلك فى أول كتاب له، وهو «الوفد والمستقبل»، هذا الكتاب الذى يعلن فيه رأيه بقوة، ويسرد فيه بعضا من أفكاره، ويتضمن الكتاب فصلا عن الجماعات الإسلاميةالأصولية، وقد غضب الأخوان من ذلك الفصل، فطلبوا من فؤاد سراج الدين زعيم الحزب آنذاك الضغط على فودة لحذف هذا الفصل، لكن فودة رفض ذلك بشدة، وانشق عن الحزب، ويتم التحالف بعيدا عن تلك المنغصات التى كان يسببها المفكر فرج فودة للسيد السياسى فؤاد سراج الدين، وللمتحالفين الجدد معه. ويشق فرج فودة طريقه، فيكتب كتبه وأبحاثه المهمة، والتى وجدت طريقها إلى الناس بيسر، ودون مشقة، مثل كتبه(الحقيقة الغائبة، وقبل السقوط، والملعوب، والإرهاب، وغيرها من كتب)، ووجدت هذه الكتب صدى كبيرا على المستوى الشعبى والثقافى والفكرى، حتى جاءت المناظرة الشهيرة التى أقيمت فى معرض الكتاب الدولى بالقاهرة فى يناير 1992، وكان هو والدكتور محمد أحمد خلف الله يمثلون الدولة المدنية، وكان فى المواجهة الشيخ محمد الغزالى والدكتور محمد عمارة، لذلك ترصدته العين الإرهابية، فقتلته، وكان تعليق أحدهم بعد رحيله: «إذا كنتم تريدون معرفة لماذا قتلوه، اقرأوا المقال الأخير فى مجلة أكتوبر»، وكان هذا المقال هو آخر مانشره فرج فودة، وكان فودة يتوقع ذلك، حيث أن الرسائل التى تهدده بالقتل كانت تصله دوما، فكتب فى مقدمة كتابه»قبل السقوط»: (أنا لا أبالى إن كنت فى جانب والجميع فى جانب آخر، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم، ولا أجزع إن خذلنى من يؤمن بما أقول، ولا أفزع إن هاجمنى من يفزع ولما أقول، وإنما يؤرقنى أشد الأرق، ألا تصل الرسالة إلى من قصدت، فأنا أخاطب أصحاب الرأى، لا أرباب المصالح، وأنصار المبدأ، لا محترفى المزايدة)، وبمناسبة هذه الذكرى، نقول لفرج فودة، إن الرسالة وصلت يادكتور، ورغم سقوط المفكر، لم ولن يسقط فكره.