طيب، ماذا يقولون فى نهاية عام وبداية آخر. كل سنة وأنت طيبة. لن أقول هذا. كل سنة وأنت حرة. فإن الحرية هى الأرض التى تمشى عليها الصفات الباقية. لن تعرفى إن كان الإنسان طيبا أم خبيثا إلا إن كان حرا. داخل القفص «يتمسكن» المسجون أمام سجانه لكى يقنعه بأنه أفضل من فى الزنزانة، لا يبغى أن يمن عليه السجان بالحرية، لا، فهو يعلم أن الحارس لا يملك أن يحرره، إنما يبغى تحسين شروط السجن (حتة حلاوة زيادة، رغيف عيش زيادة، أو حتى مجرد كف الأذى وعدم التكدير). يبالغ المسجون إذن فى «الطيبة». يزين لنفسه أن من الحكمة أن لا يدافع عن المضروب من رفقاء الزنزانة، لأن هذا لن يرفع عن المضروب الأذى بل سيزيد عدد المتعرضين للعقاب واحدا. عقله لا يستطيع أن يعبر إلى الجهة الأخرى من المنطق أبدا، إن اتحاد المساجين فيه ردع للسجان عن التمادى فى الظلم. لعلك تظنين أننى أتحدث حديثا بلاغيا. لا. فوالله، ليس فى الدنيا أكثر من الزنزانة قدرة على اختبار النفس، ولا أكثر من الزنزانة إتاحة للفرصة لكى يدرك المرء سعة العالم، وسعة النفس البشرية، واحتواءها على سفوح وقمم. وفى الزنزانة أعلى الناس صوتا على أقرانهم، أخفضهم صوتا على السجان. وألين الناس جانبا لأقرانهم أقساهم جانبا على السجان. «تغريدات» المساجين ليست مرادفة لشجاعتهم، فالشجاعة فى القلوب لا الألسنة. «ستاتسات» المساجين مجرد أحوال نفسية عارضة، تتأثر بالحال العام، وتتأثر بأحوال أقرانهم. لا يكذبها ويصدقها إلا ظهور السجان فى الصورة. والسجن منبت الأمراض النفسية، وكاشفها، من أول «الكلوستروفوبيا» (الخوف المرضى من الأماكن الضيقة) حتى «البارانويا» (جنون الاضطهاد)، لكنه أيضا منبت انعزال النفس عن النفوس، وفرصة لكى ترى النفس نفسها كجورب يتقلب ظاهرا وباطنا، فرصة للتمحيص والتدقيق والتفكير واتخاذ القرارات بروية وتحمل كامل لمسؤولية أفعالك. ولهذا فإن فى ضيق السجن رحابة الدراما، ورحابة المساحة التى لم تطأها قدماك من قبلُ قَطّ. السجن كالتوفير، تقتّرين على نفسك وقتا لكى تنفقى من سعة أوقاتا، ويا حبذا لو استثمرت بعد السجن فى ما قتّرت فيه زمنا. لو استثمرت فى الحياة ومحبتها، فى الناس ومحبتهم، فى بعض الحنان والود والعطف والإحساس بمعاناة الآخرين، بدل أن تعيشى طوال عمرك أسيرة سلوك التقتير الذى عشته فى سجنك، فتخرجى منه على مثاله، تخافين من سجانك، وترتابين فى أقرانك، وتعتقدين أن احتمالات الشر فى فتح الباب أكثر من احتمالات الشر فى انغلاقه. أبارك سنة 2011، لقد شهدت تمردا كبيرا فى السجن المركزى، كاد ينجح لولا أن إدارة السجن خدعتك، وعدتك بالحرية لكنها اكتفت بإحالة المأمور إلى التقاعد. لا يزال الحراس يضربونك، ويفقؤون عينك، ويقتلونك. لكن هذا ليس كل الصورة. تمردك لم يعد يقتصر على «المساجين السياسيين»، بل امتد ليشمل قطاعا لا بأس به من مساجين الإعاشة. فى البدء كانت الكلمة، وكلمة الحرية سَرَت، وأنبتت، وسوف تثمر. لا تشكّى فى ذلك. لا يغرنك أن عددا أكبر من مساجين الإعاشة صاروا أعلى صوتا فى سبك وإهانتك، لا تبالى. فلقد كان هؤلاء صامتين، ثم تحدثوا فى الزحمة. كحشرات فى غرفة، لم تريها إلا حين أضأت نورها. لا تبالى. تتألمين أكثر للرفاق الذين انقلبوا عليك؟ تتألمين أكثر لمن كان بالأمس معك ثم صار اليوم يصفّق لجلادك، لمنتهك عرضك، ويزين له غيه؟ لا تبالى. هكذا تفعل السجون. تكشف لك فى كل نقطة كشفا جديدا. ألم أقل لك إن فى ضيق السجن رحابة الدراما. أراك لا تزالين تهزين باب السجن وتصرخين: «علِّى ف سور السجن وعلِّى، بكرة الثورة تقوم ماتخلِّى». أراك فى اليوم الأخير من السنة تفعلين ذلك. إن لم تكن تلك الحرية، فما هى؟ كل سنة وأنت حرة! كل سنة وأنت حرة! وعاشت مصر حرة! ويسقط يسقط حكم السجانة!